أخبار عاجلة

وجه سلوم

 سيدي..

كان البحر عائما في الهدوء والسماء قطعة زرقاء صافية المعالم, في ذلك الصباح الذي لا يختلف عن عداه من صباحات أيلول الباردة, وكانت الأرض في الخارج رطبة وشديدة البرودة, في هذا الوقت من السنة تكون القرية الوديعة اللبيتم باردة جدا خارج البيوت وداخلها المصنوعة من الطين وسعف النخيل والأقمشة المهترئة. في كانون الأول حين يكون الشتاء صارخا بالبرودة في المدن البعيدة عن القرية تكون اللبيتم دافئة وأحيانا كثيرة ما تقسو الشمس على سكانها فتغدو حارقة. الأجساد التي تمني في أرجاء القرية الرملية تحمل وجوها مبتسمة وغاضبة ومتألمة وبعضها بين بين. تهب الرياح بين الحين والآخر تحمل معها الرمال الكثيرة فتتخطى الطرقات القليلة والخيام, ويصرخ الأطفال من شدة البرد. لا يخرج الصيادون كثيرا الى البحر في مثل هذه الأيام, ما عدا سلوم المهووس بالبحر وزرقته البديعة, البحر, البحر قاس وغدار ويسلب الأرواح. "الكوس كسر المجاد يف والرزق » يقولها الشيخ محمد في المجالس الليلية, ويضيف «البحر ما يعرف الرحمة ولا يعرف إذا شي ورانا أطفال نطعمهم, لكن سلوم هذا فلته يعلم الله !" المدرسة الوحيدة كانت تستقبل الأطفال الذين  جاءوا من مختلف الأماكن على السيارات المكسرة وظهور الجمال. والبعض جاء على قدميه الحافيتين. لا تستغرب من ذلك سيدي، فكل أهل اللبيتم حفاة من رجال ونساء وأطفال. الرجل الوحيد الذي يرتدي نعلا جميلا هو سيد القرية خلفان أبو فرحان كما يحب أن يلقب والذي جاءت به الحكومة أدمن الغياهب السوداء" كما يقول سلوم, لكن خلفان هذا، والحق يقال, لا يعرف عن اللبيتم شيئا ولا عن سكانها الطيبين الذين يعيشون على ما يمنحهم إياه البحر والمرعى الفقير، وهناك أيضا مدير المدرسة ومدرسها الوحيد الذي جاء من مصر، وأحب اللبيتم: هو أيضا يرتدي نعلا يفتخر به كثيرا " نعل حديد من عهد فرعون ". كما لا أنسى مدير شركة الأسماك الذي جاء من المدينة, والعمال الهنود الخمسة, هم أيضا اعتادوا على لبس النعل والأحذية الصلبة.
البعد الاول لوجه سلوم

كان البحر عائما في الهدوء، وهناك أسماك الدلفين الجميلة تسبح في وسط البحر على شكل تجمعات ثلاثية أو رباعية وأحيانا أكثر قافزة للسطح ومختفية في ثوان فيبدو المنظر من على الساحل مثل عرض مدروس متقن. وكانت الأرض ممتلئة بمياه شديدة البرودة وعكرة تصل حتى مستوى الركبتين في تلك الغرفة الطينية الضيقة, سقفها الماثل بزاوية حادة يسرب القطرات التي تتساقط بهدوء ثقيل تثير أعصاب السجين سلوم ذي الثلاثين عاما وتنذره بجنون وشيك. رأسه يبحث عن مجالس العشيرة كي يلفظ صرخة الألم الحادة في وجوه الشيوخ, وعن رائحة البيوت حيث ترقد الأمهات حالمات بالذكر في منتصف الليالي الخالية من القمر، وتغفو الجمال محملات بكد الصباحات في رحلة البحث عن الكلأ الشحيح, وقتها يضع رأسه فوق وسادة القطن, وبهدوء وسلام ينام.

تك… تك… تك

تتساقط القطرات يرفع سلوم قدمه اليمنى بحركة عصبية قاذفا بكتلة من الماء البارد المغبر مطلقا صرخة ألم للمرة الألف فتنزلق قدمه الأخرى ويسقط على ظهره. يغوص لوهلة في الماء العكر وبعدها يشهق قافزا مبلل الرأس والملابس. البرد القارس يخلق عراكا مسموعا بين الأسنان, وعندها تبدأ مرحلة جديدة, مثل كل يوم منذ أن زج به هنا، من البكاء العسير والصراخ الذي لا ينقطع حتى يبح صوته وتهمد طاقته.

" خرجوني "  أحدهم يسمع لصوت سلوم.

" خرجوني من هنا " أحدهم لا يريد أن يسمع لصوت سلوم.

يقول أهل اللبيتم الطيبون بأن سلوم الشاطر الذي تعلم أسرار الكتابة والقراءة في أقل من لمح البصر كما تعلم أسرار البحر قبل ذلك لم يستطع أن ينقل لمن سألوه المعلومة الجديدة التي تعلمها في المدرسة مساء ذلك اليوم, فزج به مظلوما في السجن الذي لا يعرف له أحد طرقا ولا حتى الشيطان الأزرق, " خلفان أبو فرحان هو الوحيد الذي يعرف مكان سلوم » تقول القرية في المساء الذي سبق اختفاءه حين خرج سلوم من المدرسة وجلس مع رجال القرية وسألوه كما اعتادوا عما تعلمه هذا اليوم, قال سلوم مبتسما بأن لكل شيء في الوجود أبعادا ثلاثة, فالأهرامات في مصر لها أبعاد ثلاثة والفيل في إفريقيا له أبعاد ثلاثة مثل الجمل ومكر كل البشر. وجهي مثل وجه الشيخ محمد ووجه سالم له ثلاثة أبعاد وحين التفت الى القوم, تحت الضوء المنبعث من القناديل وجد الوجوه فاغرة أفواهها باستغراب مما يقوله, قام وقال وهو يهم بالانصراف: طنا يا جماعة طيبون لنا أبعاد ثلاثة, ما عدا خلفان هذا، فله مائة بعد وبعد. حينها دارت أعين القوم ستمائة وثلاثين درجة وفي كل الاتجاهات خوفا من أن يكون قد سمع خلفان أو أحد أعوانه ما قاله سلوم. قال الشيخ محمد هامسا للذي بجانبه:

– كلام سلوم صحيح, من خلفان الخرفان هذا ومن أين جاء، وكيف صار سيد اللبيتم وهو لا يعرف عنا ولا عن البحر شيئا.

قال الآخر:

– صحيح إن خلفان لا يعرف شيئا لكن هذه مشيئة الحكومة ومالنا حق ننطق.

قال الشيخ محمد وصوته يطو تدريجيا:

– كيف مالنا حق ننطق وهذي أرضنا، اذا خلفان قصده يخرب علينا حياتنا ويقطع أرزاقنا فنحن ما نسكت نشتكيه عند الحكومة. ملأ الشيخ رئتيه بالهواء وأخرج زفيرا مسموعا مردفا بحسرة ليتنا كنا كلنا مثل سلوم… ليتني مثل سلوم.

وحين مضى سلوم باتجاه بيته استوقفه مدير شركة الأسماك وسأله عما تعلمه في المدرسة هذا اليوم, كرر سلوم عليه ما قاله للقوم, حينها ضحك المدير سائلا سلوم:

-أنا ما فهمت, كيف يكون لوجهي ثلاثة أبعاد؟

لوهلة ارتسمت علامات غضب في وجه سلوم, لكنه سرعان ما أبدلها بضحكة شبيهة بضحكة المدير، قال وهو ينصرف:

– أنت إنسان متعلم وفاهم, ومدير، أنت تاجر شاطر وانت طيب, وانت خبيث.

ومضى سلوم ضاحكا.

هل نام سلوم في فراشه ذلك اليوم ؟ هل قرأ دروس الغد كما نصحه المدرس بذلك: هل أنهى الواجبات المطلوبة منه غدا؟ هل رسم البحر والقارب والأسماك كما اعتاد؟

في صبيحة اليوم التالي لم يعثر على أثر لسلوم. اختفى، فتناقل الكل خبر سجنه, وفي المساء تراكض كبار السن نحو خلفان, طلبوا منه أن يفرج عن سلوم, ناشدوه بأعز ما عنده، نثروا أمامه كل ما يملكونه من نقود، ترجوه, عاهدوه بأن يفعلوا أقصى ما في استطاعتهم ليسكتوا لسان سلوم "  سلوم لا يعرف ما يقول », " سلوم ولدنا وما نستغني عنه »، لكن خلفان هز كتفيه وقال بهدوء: أنا لا أعرف مكان سلوم, أنا مثلكم تماما. ركضت اليه النسوة, طلبن منه أن يخبرهن عن مكانه حتى يتمكن من حمل الطعام اليه. قال: لو أعرف مكانه لحملت الطعام اليه وحدي، أنا لا أعرف عن سلوم شيئا. الكل كان يشعر بأن خلفان كاذب, وأنه هو لا غيره من سجن سلوم, وأنه هو الوحيد المستفيد من اختفاء سلوم.

باتت القرية تلك الليلة حزينة كئيبة, كل الآذان باتت تنتظر صوت سلوم أو من يأتي بأي خبر عنه.

– خلفان هذا عين علينا, أجل, أنا ما أكذب, أنا أعرف أن خلفان عين علينا في الساحل وفي البحر, خلفان عيونه في كل مكان.

لم يكن لأحد أن يعرف ما راه سلوم في عمق البحر فجر اليوم الذي سبق اختفاءه لكنه حين عاد بشباك خالية لأول مرة في حياته استغرب الواقفون على قواربهم والأطفال كيف يمكن أن يعود سلوم من البحر خالي الو فاض, بدون حتى سمكة واحدة, كان وجهه متوترا عصبيا وهو يجر القارب نحو رمل الساحل, وحين لمح علامات الاستفسار في الوجوه هز أقرب واحد منهم اليه وصرخ فيه بصوت عال سمعه الباقون:

  -خلفان هذا شيطان, عين والعياذ بالله.

وتهافتت عليه الوجوه والأسئلة:

-أيش هناك يا سلوم ؟ إيش شفت ؟

– ليش قاربك خالي ؟ وين الرزق ؟

– تعوذ بالله وخبرنا إيش حصل ؟

سلوم ابتلع غصة ثقيلة في قلبه قبل أن يصرخ ثانية:

– خلفان هذا عين علينا، أجل, أنا ما أكذب, أنا أعرف أن خلفان عين علينا في الساحل وفي البحر, خلفان عيونه في كل مكان.

وما الخطأ فيما قاله سلوم ؟! هل لأن ما قاله كان بصوت مسموع سمعه حتى الجن والدواب وربما وصل الى أصماخ خلفان نفسه. وما الغريب في ذلك ؟! ما الذي ينتظر خلفان أن يسمعا من أهل اللبيتم الفطنين.

سيدي، إن أهل اللبيتم أذكياء بالفطرة, كل أهل الصحراء والبحر أذكياء ومهرة يعرفون من أين تأتي الريح ومتى يعرفون قوتها دون الحاجة الى أجهزة معقدة. يتنبأ ون بأحوال البحر لأيام قادمة, ويقرأ ون السماء في الليالي الصافية, يعلمون ماذا يخبي، الغد، ويفهمون مكانين الرجال من قسمات وجوههم, ويدركون أسرار الحريم من خطواتهن, ويعرفون أنسب الليالي للنوم مع زوجاتهم لكي يحبلن فلا يغادرون بيوتهم ليلتها كما اعتادوا. هؤلاء جميعا يعرفون أي جنس هذا خلفان ذي اللحية الصغيرة المجعدة والسحنة السمراء. يعرفون الخبث الذي يواريه خلف ابتساماته الكثيرة, ويعلمون مبتغاه من هذه القرية. يعرفون لماذا جاءت به الحكومة اليهم ويتحدثون عن ذلك بصوت عال في مجالسهم وعلى الساحل فيقولون:

– الصياد منا إذا جف إزاره يبس حلقه, وخلفان هذا مثل العدو المسلط, جاي يقطع الرزق ويحرمنا من خيرات البحر ويجوع حرمنا وأولادنا.

– خلفان خبيث, يريد يفسد علينا حياتنا, داهية,أعوذ بالله من شره.

– وبكره بتسمع خلفان يسن علينا مائة قانون وقانون, صيدوا هذا ولا تصيدوا ذلك, صيدوا اليوم ولا تصيدوا بكره, صيدوا هنا ولا تصيدوا هناك حتى يكرهنا في البحر.

–        يا جماعة, ما دام طنا نعرف خلفان وشره, وكلنا ما نريده سيد علينا، ليش ما نشتكي عليه عند الحكومة.

– ايش نقول للحكومة:

    –  ما نريد خلفان.

– إيش سوى خلفان عشان ما تريد وه ؟

– ونحن بننتظر خلفان حتى يسوي شيء:!

– يا جماعة, الحكومة ما فايمة, الحكومة عينها أربع أربع, وبكرة إذا خست إن خلفان هذا مكروه وخبيث بتبدله بواحد أحسن.

– هه خير..

لماذا سلوم إذن, ما الذي يميز سلوم عن هؤلاء جميعا, هل لأنه أحدهم ذكاء؟! هل لأنه أشجعهم حين يجهر بالشيء؟! هل 9نه قال بصوت مسموع بأن خلفان عين ؟! كل أهل القرية يعرفون ذلك وخلفان نفسه يعرف كل ما يقولونه في مجالسهم فلماذا سلوم ؟

ربما اعتقد خلفان إنه حين يسجن سلوم سيشمل الباقين الفزع والرهبة فلا ينطقون أو يشتكون ربما. لكن أهل اللبيتم, كما يعرفهم الجن, لا يخافون أبدا.

" خرجوني أرجوكم ».

سيدي, الا تثير فينا هذه الطبقة المشمولة بالخوف والتعب مشاعر الشفقة, هذا الصوت الغائص في الأسى الا يمنحنا ذلك الشعور بأن سلوم ليس إلا ضحية لسوء الفهم, وان خلفان ارتكب خطأ فاحشا حين ظلم رجلا لا يملك سوى رائحة البحر في ملابسه رحبات الرمال الصفراء في جلده وذكاء يعينه على الصيد.

– ما أريد المدرسة,أريد البحر وبس

أحدهم قريب جدا، يسمع لصوت سلوم المشحون بالعذاب, سلوم متأكد لا محالة بأن هناك من يسمعه وأن هناك في النهاية يدا خانية ستعطف عليه وتنقذه.

فى الليل يسمع وقع خطوات فوق سقف الغرفة, فيصرخ

-أنا لن أذهب للمدرسة, ولا حتى البحر، لن أخرج للبحر ثانية, سأرعى الإبل, وعد رجال, وعد صياد، أرجوكم, خبروا خلفان أني ما أطلع البحر مرة ثانية, بس خرجوني.

لكن أحدا منهم لا يسمع أو لا يريد. أكثر من يوم مضى على سلوم في هذا السجن دون نوم أو طعام. رائحة طين وصوت قطرات الماء الساقطة من السقف كل ما يحيطه في عزلته. رائحة الطين المطبقة تنتشر وتزداد حدة, تتخلل خلايا جسده وعظامه المتعبة. سلوم لا يشم رائحة عداها، فيظنها الموت القادم بعد قليل.

لا أريد أن أموت هنا

يصرخ سلوم:

آه, لا أحد يريد أن يسمع للطبقة الحزينة التي تخرج من حنجرته القاصة بالألم والمرهقة بالصراخ والنحيب. لو كان السامع حديدا لتحرك, ولو كنت أنا الجدران الطينية لتحركت ولأفسحت المجال له لكي يرى الضوء والسماء وحبيبه البحر.

سيدي، أكرر لك بأن الكل يعرف وأنا وحد منهم بأن سلوم مظلوم, وانه زج به في هذا القبر الذي يموت فيه ببط ء مؤلم كل ساعة, ظلما. أكرر عليك سيدي: ما الذي كان بإمكان سلوم فعله لو ظل طليقا؟! لا شيء, فقط لا شيء.

سلوم ذكي, نعم, وذكاؤه مخيف, هكذا خلق, لكن ذكاءه لم يضر أحدا، كما لم ينفع أحدا إلا سلوم نفسه, وربما أضره أكثر. ماذا تعلم سلوم في المدرسة ؟ دين, علوم, حساب, جغرافيا، رسم (كان يرسم دائما بحرا وفوق مياهه الزرقاء قاربا وصيادا وأسماك هامور وكنعد وصال قبل أن ينام ).

حين نجح سلوم في الصف الخامس الإبتدائي ركض الى قاربه في آخر الليل, وفي أول الصباح عاد محملا بأسماك كثيرة وزعها على القرية النائمة تحت الجبال وكثبان الرمال والأرض الجرداء من الا شجار الخضراء والمليئة بأشجار السمر وخيام القبيلة الممزقة. وزع أسماعه على الكل حتى الجمال القليلة والخواف الهزيلة في المراعي. هل يستحق رجل مثله أن يسجن وأي سجن ؟

حين سئل مدير المدرسة عن شطارة سلوم قال بأنه أفضل الصفار والكبار وأشدهم ذكاء يتعلم بسرعة الريح. قال أيضا: أنا لم أر في حياتي هنا أو في مصر كلها رجلا تعلم القراءة والكتابة خلال شهور معدودة, سلوم فطن, ويحفظ الآيات والآناشيد كلها، وأضاف وهو يرفع حاجبيه مبتسما ومتعجبا في ذات الوقت: سلوم كما كلنا نعرفه, أسطورة في الصف والبحر. وضحك قليلا قبل أن يقتم وجهه ويقطب حاجبيه: لكن هل صحيح أن سلوم مسجون.

قال السائل: سلوم جن. فجأة جن, يقال إن وراءه من يقويه ويحركه, سلوم ما لوحده.

صرخ المدير: سلوم جن ؟ كيف جن ؟! ومتى ؟! سلوم أعقل مني ومنك. سلوم أعقل العقال.

كان صوت المدير يعلو ووجهه يزداد قتامة في وجه السائل.

مدير المدرسة نقل بعدها بيوم واستبدل به آخر ظل يكرر الصفار بأن سلوم مسكون بعفريت ضيع عقله كله.

كم من المرات سئل مدير شركة الأسماك التي اعتاد سلوم والصيادون الآخرون بيع أسماعهم لها عن سلوم, كان يقول دائما، قبل اختفاء سلوم, بأن سلوم هو الوحيد الذي يستطيع ركوب البحر حتى في أسوأ الظروف عائدا بقارب مملوء بالرزق, وسلوم هو الصياد الوحيد الذي يجدف بقاربه نحو الأعماق غير المرئية, كم مرة قطعت شباكه السفن الضخمة العائمة في المحيط, وكم هي المرات التي ألفى سلوم فيها قاربه نازحا نحو أرض غريبة لا يعرفها ومع ذلك رجع سالما. كان مدير الشركة يرفع حاجبيه على رؤية الأسماك الكثيرة التي تملا قارب سلوم كل يوم. كان يقول هازا رأسه: سلوم شيخ البحر، عفريت ابن عفريت. لكنه هو نفسه تراجع عن كلامه بعد يوم واحد فقط على اختفاء سلوم وقال مكشرا راسما على وجهه علامات الأسى والحزن: سلوم مصاب سلوم ما لوحده يا جماعة, سلوم وراه حد يحركه ويلعب بعقله, سلوم وراه جني والعياذ بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله.

سلوم يا سيدي مظلوم, لا يملك سوى لسان ضعيف, ولا يمكنه فعل شيء أكثر من الثرثرة التي, وان سمعها الكثير, لا تسمن ولا تفني من جوع. قلب سلوم في عينيه, يقول كل ما يرده, قد يكون ذلك عيبا فيه لأن الرجال لا تقول كل شيء ترده, ولأن الثرثرة من طبع الحريم, لكنه ليس سببا مقعنا لسجنه. هل ارتكب سلوم فعلا آخر يجهله أهل القرية وغاب عني كذلك استحق عليه السجن. هل سرق ؟ لا أظن. سلوم لم يعتد السرقة, مرة واحدة فعلها, كان يكره السفن الضخمة التي تمخر الساحل أمام ناظريه, كما يكرهها كل أهل البحر قاطبة رامية بشباكها الهائلة على مد البصر. الأمواج المرتفعة التي تسببها هذه السفن قادرة على قلب مراكب الصيادين البسيطة دون رأفة حتى إن الموج يزبد ويغلظ حين يرسو على الساحل. خرج سلوم عند انتصاف الليل بقليل, قطع الشباك من الأطراف وقبيل الفجر كان قارب سلوم مملوءا بأسماك هائلة كادت تفرقه. كان ذلك قبل سنتين, سلوم ليلتها كان في غير وعيه وكان الغضب قد بلغ في أعماقه أشده, لكنه في الليلة التي تلتها عكف في المسجد مستغفرا معاهدا ربه على عدم فعلها ثانية. هل قتل ؟ مستحيل, سلوم لم يجرؤ في حياته حتى على قتل دابة صغيرة, عدا أيام العزائم والأعياد، يومها سلوم يرتدي ملابس لا ينتمي اليها,لكنه مثل كل رجال اللبيتم يخشى أن يقال عنه بأنه خواف جبان.

القرية الهادئة تحب سلوم, وأهلها غير مستعدين لفقده ولو اضطرهم الأمر الى بيع الغالي والنفيس مما يملكونه. وهؤلاء الجماعة المسالمة إذا ما أحسوا بأن عضوا مهما منهم قد فقد لأي سبب كان مهما عظم, فإن أنيابهم المخيفة والمخفية ستظهر، سيكشر الكل عن تلك القوة الهائلة الرابضة في أعماقهم والنائمة منذ سنين, ولن يقف حينها أمامهم أحد كان. كلنا يذكر تلك الحادثة التي سجن فيها حميد راعي الإبل والذي سولت له نفسه الرديئة سرقة سيارة أحد الشيوخ في المناطق المتحضرة, لاحقوه وحين أمسكوا به جروه الى السجن. بعدها بساعات فقط كان رجال قويته وأطفالها متوزعين كالنمل في بيت الشيخ ومركز الشرطة ولم يعودوا من هناك إلا وحميد معهم. سينقب أهل اللبيتم عن سلوم, وسينبشون تراب الأرض كي يعثروا عليه, والويل لخلفان حينها مهما كانت جبروته وحدة بطشه اذا ما عثروا على سلوم ميتا.

البعد الثاني لوجه سلوم

سيدي…

استيقظت ذلك الصباح محاطا بالأفكار والصداع في آن, كانت الرؤية أمامي مضببة ورأسي تتجاذبه أمواج, لم أنم قبلها جيدا، أشعلت لفافة التبغ فداهمني صوت سلوم المسكين, كنت أعتقده قد غادر البحر بأغنيته الجديدة عن الوجوه والأبعاد الثلاثة, لكنه جاءني في ذلك الوقت الباكر جدا مهموما طالبا مني أن أشرح له معنى أن يكون للمخلوقات ثلاثة أبعاد. سلوم لا يعرف ما الذي تعنيه تلك الجملة التي تعلمها في المدرسة أنا أيضا لا أعرف, فخرج من عندي تماما كما جاء. هل يكفي ذلك سيدي ليعلم الكل بأن سلوم, الذي صرخ بأعلى حسه بأن لوجهه ثلاثة أبعاد وأن لوجه خلفان مائة بعد وبعد وهو لم يفهم بعد ما يقوله, لا يحمل وجهه سوى بعد واجد لا غير، وأنه مظلوم لا محالة.

البعد ألثالث لوجه سلوم

لا يوجد لوجه سلوم البدوي بعد ثالث.

 
 
يونس الأخزمي (كاتب من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …