أخبار عاجلة

«يوكوهاما، كاليفورنيا» لتوشيو موري نصب تذكاري كلاسيكي للأدب

تقديم: لوسون فيوساو إينادا
ترجمة: مها لطفي*

أدب يحرك المشاعر:
إن كتاب «يوكوهاما، كاليفورنيا» كتاب يحرك المشاعر يشعر به القلب بالاستمتاع والعاطفة. هنالك قوة داخل صفحاته، وهنالك شجاعة وقناعة. وهنالك أيضاً روح فكاهية وفيرة – سعادة الحالة الإنسانية. إن اشد الصفات إنسانية هي الضحك، قدرتك على الضحك، ان تلاحظ بشدة حكمة المرح، ومرح الحكمة.
قد يقال أن هذا الكتاب يكرّم تقليد «الشيباي» (1) في المسرح الشعبي والاسكتشات الهزلية. ليست كل القصص فكاهية ولكن في العديد منها فإن الشخصيات الهزلية والمواقف هي مصدر للحكمة والعمق. بعض القصص مثل «الاشجار» أو «بيض العالم» تبدو فكاهية لأن ابطالها وللأسف لا يبدو انهم قادرون على فهم بعضهم البعض ويتكلمون ولكن لا يستمعون، لا يستطيعون التواصل. يضحك القراء لملاحظتهم ذلك. هذه مواقف تعليمية، تحصل في كل وقت.
توشيو موري هو بمثابة معلم الأمثال، وكاتب شديد العاطفة. ليس هناك أي إسفاف في كل «يوكوهاما، كاليفورنيا». فكاهته هي الفكاهة اللطيفة المحترمة وليست الفكاهة التهكمية المتمسخرة.
أسلوب الكتابة كمادة:
إن «يوكوهاما، كاليفورنيا» لا تمتلك صفات العظمة بالنسبة لقيمتها الأدبية فحسب. إنها تمتلك كل المقاييس. إنها تمتلك الاصالة والامتياز. إنها عمل فني خالص. لقد تعامل توشيو مع إمكانياته بجدية، ككاتب جدي، كاتب يعمل على تطوير فنه ومهارته، وبالتالي فإن عمله يجب أن يقيّم من هذا المنطلق.
وعلى هذا الأساس، وبينما كانت بداياته اسطورية، فإن العمل هو ما يهم. وبالرغم من أنه لم يتجاوز التعليم الثانوي فقد علم نفسه. كان يقرأ بلا توقف أو كلما سمح له الوقت بين عمله. كان دائم الزيارة لأماكن بيع الكتب والمكتبات ومعظم ما كتبه كان يكتبه في الساعات المتأخرة من الليل. ورغم أنه شرقي وغير مسموع الصوت في العالم الصادم لتيار الأدب الأمريكي السائد.
درس توشيو الكتاب الفرنسيين والروس، ومثل كل معاصريه من الأمريكيين كان معجباً بشيروود اندرسون. وقد قال الناقد مالكولم كولي في مقدمته عن مجموعة قصص اندرسون، «وينسبورج، أوهايو»: أن اندرسون هو «القاص الوحيد في جيله الذي ترك بصمته على أسلوب ورؤى معاصريه الذين جاؤوا بعده: هيمنجواي، فولكنر، وولف، ستاينبك، كالدويل، سارويان وهنري ميلر…
إن اسم توشيو يستحق أن يكون ضمن هذه القائمة، وعدم تضمن هذه المجموعات الاساسية للأدب الأمريكي أعماله، يعتبر صفعة للقيم الأمريكية وليس لقيمة توشيو موري.
والذي يميز موري عن أندرسون حقيقة أو عن أي كاتب آخر بالنسبة لهذا الأمر فهو الكتابة نفسها. ليس هناك كاتب آخر يكتب مثل موري. لقد حقق ما حققه القلائل من الكتاب – الميزوراشي – «ما هو غير متداول بشكل كبير» – أسلوب فردي متميز.
لقد طور صوته هو، طريقته الخاصة مع الكلمات. أصبح استاذاً ماهراً. إنه متميز حقيقي.
حتى نمتحن أسلوب موري ونحكم على تأثيره، فمن السهولة بمكان أن نأخذ أية قصة وننزع عنها الاسماء اليابانية والعبارات ونحولها إلى «العام». ستفقد القصة شيئاً ولكنها ستبقى عملاً أدبياً مؤثراً. حيث نرى قيمة الأسلوب لذاته: جامد، فعال. القصص تروي نفسها – علامة استاذ كبير. القصص تبدو وكأنها تنمو من الداخل إلى الخارج، طبيعية، عضوية، من البذرة إلــــــــى الــزهرة. هنــالك تماســك وتصريــح مكبــوح، وعند اللزوم، مقاطع طويلة فخمة تتدفق وتحلق لتتحول إلى موسيقى. أسلوب موري يصل. إنه فطري أكثر منه منمق. لا زيادة ولا نقصان.

التاريخ كاستراتيجية
الباقي هو التاريخ. إن تاريخ نشر كتاب «يوكوهاما، كاليفورنيا» هو قصة بحد ذاتها تغزل الزمن. إنها علامة طريق ومياه مسكوبه، تمثل فترات مفصلية وتاريخ اليابانيين الأمريكيين في التاريخ الأمريكي: قبل الحرب، المخيمات، بعد الحرب. والآن، مهما سميت هذه الفترة، هنالك كلام حول الإصلاح والتعويضات، عندما يكون لدى ناشر مثل مطبعة جامعة واشنطن خط خاص بأعمال الأسيويين الأمريكيين.
هذا كله في الكتاب: 1942، 1949، 1985… لقد كتب الكتاب في أواخر عام 1930 وبدايات 1940، رغم أن بعض القصص قد حدثت في 1920 أو قبل ذلك. وتم قبول الكتاب للطبع في العام 1941، وكان مقرر إصداره في العام 1942، وظهر أخيراً في العام 1949، ونفذت نسخه جميعها.
التاريخ صحيح هنا بهذه الصفحات مثل حلقات الشجر: مقدمة سارويان الأساسية، تطويرها، إهداؤها (أم توشيو عاشت فترة المخيمات).
هناك نسختان من الكتاب إذاً – «الأصلية» و»الإضافية». أول قصة مضافة هي، «الغد قادم، يا اولاد» وهي تقوم بتقديم أمريكا اليابانية وتفسرها بأنها أمريكية. هذه المقاربة لم تكن ضرورية قبل الحرب ولكن في 1949 أصبحت كذلك.
ما قاله سارويان في مقدمته الأولى أصبح له نكهة مختلفة في العام 1949: بعد أن وُضع اليابانيون الاميركيون في معسكرات، أصبح توشيو أقل من كاتب والكتاب أصبح أقل من أدب.
التفسيرات والتبريرات كانت شغل النهار الشاغل في المعسكرات. ولذلك فإن الجدة في هذه القصة حاولت أن تفسر التاريخ لأحفادها. انابل وجوني. كانت تتكلم عن مغادرتها اليابان والعيش في كاليفورنيا، وكيف أعطتها الحرب هذه «الفرصة» للعيش في المعسكرات. قد لا تكون مواطنة بشكل قانوني ولكنها تشعر أنها أمريكية – بعد كل هؤلاء الأولاد والسنين – «أنا أنتمي إلى هنا».

عالم موري:
إن عالم موري هو عالم من الحرية – حرية أن تكون، أن تفعل، أن تحاول. ولذلك فالقصة الأخيرة في المجموعة هي حول امرأة عادية معجبة بكلارك غيبل.
«يوكوهاما، كاليفورنيا» مليئة بأمثلة كهذه – عن أناس يحاولون، يفعلون، يمثلون … عن أناس ملتزمون، عن أناس يقيمون وقفة. أناس تعيش وتجسّد فلسفة معينة. هنالك في هذا الكتاب أكثر بكثير… عن امرأة عجوز مجهولة الهوية، الفطير، رجل غسيل عجوز، بقال عجوز، كاتب وحيد، بائع أزهار، موظف، من سيصبحون كتّاباً، من سيصبحون رجال مال، أطفال يلعبون، رجال يعملون، أمهات مضطربات، بيض، وجوه ضاحكة، أشجار، زخارف، أفلام لكلارك غيبل…. إن عالم موري عالم رحب، يدور في كل مكان.
من الممتع أن تنظر إلى مقدمة سارويان من هذا المنطلق. فالمقدمة الآن هي جزء لا يتجزأ من «يوكوهاما، كاليفورنيا». ويمكن أن نقول أن سارويان وجد له مقراً – كشخصية مطعمه، «فيلسوف منطقة فريزنو». المقدمة ليست مقدمة فحسب… إنها سارويان يكتب عن سارويان. إنها مليئة بالطروحات، المواقف، الحركات، الألفاظ. إنها تملك الظلمة والنور والصراخ والهمس … تبدأ بالعنوان الطويل ونغمة الجملة الأولى: «عن آلاف الكتاب الغير منشورين في أمريكا…» بها وقع الموعظة، المحاضرة. إنها تعبر بشكل قوي، بقصد أو بدون قصد، عن سارويان.
كان سارويان كاتباً ممتازاً وصديقاً حميماً، ولم تكن صدفة ما فعله من تعليق على أول كتاب شعر ياباني-أمريكي. وكما قال توشيو «أي واحد بمقدوره أن يكتب مقدمة، ولكن هناك سارويان واحد لا غير».
هناك توشيو موري واحد، وهناك «يوكوهاما، كاليفورنيا» واحدة… نقف عند الشارع السابع… «أعد القارئ بتجربة قراءة ممتعة».

مقدمة الطبعة الأصلية
مقدمة غير رسمية لمجموعة القصص القصيرة يوكوهاما، كاليفورنيا Yokohama, California للكاتب الأمريكي الجديد من كاليفورنيا، توشيو موري Toshio Mori .
بقلم: وليام سارويان William Saroyan – نيويورك – أكتوبر، 1948
_ من بين الآلاف من الكتاب الذين لم ينشر لهم في أمريكا، ربما يكون هناك ثلاثة كتاب على الأكثر، لا يستطيعون الكتابة بإنجليزية أفضل من توشيو موري. قصصه مليئة بالأخطاء النحوية. واستخدامه للإنجليزية، وبالذات عندما يكون متشوقاً لقول شيء ما جيد، هو سيء جداً. أي مدرس لغة انجليزية في الإعدادية يسقطه في النحو والتشكيل.
بالرغم من كل هذا فإن توشيو موري ربما يكون، في هذه اللحظة، واحداً من أكثر الكتاب الجدد أهميةً في البلد.
إنه وُلد كاتباً بالطبيعة. وكونه هكذا، فإنه لا يكتب باللغة. الكاتب الذي لا يملك ملكة الكتابة بالطبيعة في أفضل حالاته، يكتب باللغة؛ ليس لديه خيار آخر. الكاتب بالطبيعة لا يستطيع إلا أن يقول شيئاً يستحق أن يسمع. أي كاتب آخر يجب عليه أن يحاول كل جهده ليفعل هذا.
سوف يكون من الأفضل لتوشيو موري لو أنه أصبح أكثر وضوحاً، لكن ما يملكه بالفعل هو ما قد يستغرق الكتاب الآخرون سنوات للوصول إليه، وفي بعض الأحايين قد لا يستطيعون. وأعني بهذا العين. إنه يستطيع أن يرى. إنه يستطيع أن يرى عبر الصورة المادية للشيء الحقيقي؛ عبر إنسان إلى الحقيقة الغريبة والساخرة والكئيبة التي تحيل أحمقاً إلى بطل عظيم فعلاً. انه يملك القلب بالإضافة إلى العين. القلب الجميل للكاتب الحقيقي. إنه يملك الفهم والتعاطف والكرم والحنان.
هو ياباني شاب، مولود في مكان ما من كاليفورنيا. وهو الكاتب الأمريكي الحقيقي الأول من أصل ياباني. إنه يكتب عن يابانيي كاليفورنيا. لو أن أحداً آخر حاول إخبارك عنهم، فلن تعرفهم. حتى لو أن ياباني آخر، لا يملك عين موري وقلبه، حاول إخبارك عنهم فلن يظهروا كما هم في قصص موري الصغيرة. سيكونون يابانيين؛ في قصص موري هم يابانيون بعد أن تعرفهم كرجال ونساء أحياء.
أنا أعتبر توشيو موري كاتب أمريكي مهم. حتى لو لم ينشر في دار نشر نيويوركية فإنه يظل كاتباً مهماً، إلا أنني موقن أنه لن يمر وقت طويل على قيام دار نشر في نيويورك بنشر كتاباته.
الكتاب لا يكتشفون مطلقاً. أنهم يعملون جاهدين لسنوات، في إحساس وحدة لا يجب أن يساء تأويله، وبعد ذلك يقوم أحد بنشر واحدة من قصصهم ويحدث التغيير الأكبر في العالم: هذا الكاتب الذي لم ينشر أبداً يقوم بمصادرة الإحساس بالوحدة الذي عرفه قبلاً وعمل على تغذيته، لصالح التقدير الذي كان يتطلع إليه عبر وحدته. فلولا هذا الإحساس بالوحدة لما كان حاز الاعتراف أبداً؛ ولولا العمل لما عرف القبول المريح والسار اعترافاً بوصوله. هذا الشعور بالوحدة هو الإحساس الذي يعرفه كل من كان إحساسهم بوحدتهم ليس شخصياً، الشعور بالوحدة هو الجزء الأكثر نمطية والأكثر سخرية لدى كل الناس. عندما يحدث هذا التبادل، يغدو الوقت صعباً بالنسبة للكاتب، إلا أنه مفرح أيضاً.
أنا لا أريد أن ينظر إليّ كأنني انا المكتشف لهذا الكاتب. إنني سعيد بظهوره، بوصوله من يابانيي كاليفورنيا، إلا أنني منزعج قليلاً أيضاً، من كتابة هذه الكلمات القليلة لتقديم عمله. إنني منزعج لأنني أعلم كم سيكون تقبله مخلصاً بشكل كبير. إلا أن الأسوأ بالنسبة له لم يأتِ بعد. سيحدث أحد أمرين: إما أن ينجح بشكل مزعج ويواجه مشاكل جديدة من كل نوع بين نفسه والعالم وكتابته؛ أو أن يخطو بداية ويفشل، ويواجه مشاكل أخرى من كل الأنواع. وفي كلتا الحالتين، أنا أعلم أنه سيستمر بالكتابة. إذا نجح، سوف يتساءل حول كتابته إذا ما كانت في الحقيقة ما يجب أن تكون؛ وإذا فشل، فسوف يتساءل حولها لأسباب أخرى، ويواجه أنواع أخرى من المشاكل. لا شيء مما سيحدث بشكل أو بآخر، لن يسبب مشاكل، فيمكن اعتبار هذا الجزء غير ذي أهمية. تم نشر قصة موري الأولى عن دار نشر The Coast، في سان فرانسيسكو. وفي اعتقادي أن كريستوفر راند Christopher Rand هو الذي نبش القصة وأحبها وساعد في نشرها. كان اسمها «الأخوة»، وهي موجودة في هذا الكتاب الصغير.
لا أحد يستطيع مطلقاً أن يخبر الكاتب ماذا يفعل بكتابته لجعلها أفضل مما هي عليه. كل ما أستطيع فعله هو التمني بأن ينمو توشيو موري ويصبح أكثر صفاءً، وفي الوقت ذاته يحافظ على الأشياء التي تخصه وحده. وفي هذه الأثناء يبقى عمله في هذا الكتاب يتصف بالشباب والنقاء والبراءة والكآبة، ومليئاً بالمواقف المضحكة.

ملاحظة: تمت كتابة السطور السابقة منذ ما يقارب الست أو السبع سنوات. كما تأجل نشر كتاب توشيو موري الأول، ولكن ها هو ذا أخيراً، طازج كما العهد به. إنني أعد القارئ بتجربة حقيقية في القراءة.

حول توشيو موري
دخل توشيو موري عامه التاسع والستين. إنه ألطف الكائنات البشرية. وكما تقول هيساي ياماموتو(1921-2011)، فإن كتابة توشيو موري كان لها تأثير كبير على الأجيال الآسيوية الأمريكية من الكتاب.
ولد توشيو موري في زمن عندما كان الحلم الأمريكي يقدم خيارات لكل من آمن به – كل صبي، مثلاً، كانت أمامه فرصة أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة. تعلم الفن أولاً في مدارس أوكلاند، وفيما بعد فكر في أن يصبح مبشراً بوذياً، ثم كان هناك الحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم مهم، إلا أن هذا الحلم لم يستمر طويلاً. فقد أوحت له مدرسة الإنجليزية في مدرسة أوكلاند الثانوية، ماري ب. شريدان، التي اعتبرت أن ما كتبه من اسكتشات كان «مليئاً بالحيوية» لدرجة أنه بدأ يفكر أنه ربما سيصبح كاتباً، وقرر أن يتبع هذا الطريق.
درس توشيو أيضاً في مدرسة يابانية كما فعل كل هذا الجيل الثاني من اليابانيين. كان يذهب إليها من الساعة الرابعة حتى السادسة. ومع ذلك، فهو لم يزر اليابان بتاتاً، كما فعل العديد من الكتاب الآسيويين الأمريكيين.
عندما كان توشيو في الثانية والعشرين ويعمل من عشر إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً على مدار الأسبوع في مزرعته، قرر مرة أخيرة أنه سيصبح كاتباً. كان يقضي وقته الفائض في مخازن الكتب والمكتبات. عرف أن أرنست هيمنجواي وشيروود أندرسون وآخرين، استطاعوا أن يتركوا بصمتهم في العشرينات من عمرهم. فوضع لنفسه برنامجاً زمنياً قاسياً يكتب خلاله من العاشرة مساء حتى الثانية صباحاً، بعد ساعات عمل عادي. قال أنه لم يضايقه عمل الحقول لأن الأعمال اليدوية كانت تطلق لعقله العنان في أن يدور بإرادته بين الأفكار والحبكات الروائية التي كان يحاول وضعها على الورق بعد تناول العشاء.
عندما أصبح توشيو في الثامنة والعشرين، حصل على القبول من مجلة على الشاطئ، كان يمولها أثرياء أمريكيون من كاليفورنيا، يريدون مجلة في الشاطئ الغربي على خطى مجلة النيويوركر. وتبقى الحقيقة أننا جميعاً لم نساعد توشيو موري في بداياته. كان وليم سارويان الذي رأى القصة في مجلة الشاطئ، فاتصل به. ذهب ليتمشى معه. جلس على قهوة معه. كان سارويان يشجعه أن يرسل المزيد من أعماله للطباعة. وهكذا، فإن توشيو موري في 1940-1941، كان قد صنع اتجاهه في عالم الأدب مع مجلات مثل الكليبر، آيكونوجراف، فوروم الكتاب، وكومون جراوند.

المرأة التي تصنع فطيراً رائعاً
ليس هنالك ما أرغب فيه أكثر من أن أذهب إلى منزلها وأقرع الباب وعندما تفتحه أدخل. إنها من التجارب التي أذكرها طويلاً – ربما هي الأزلية التي سوف يكون لي شرف الاجتماع بها خلال حياتي القصيرة – وعندما أقول تجربة فلا أعني الحركة الفعلية، تحرك حياتنا. أعني بالتجربة رقص العواطف أمام أعيننا وفي داخلنا، الرقص الجامد ولكنه الزئير والقوة القادرة على تحريك الارض والناس.
حتماً، هي، المرأة التي أزور، كبيرة في السن ولم يبق من جمال صباها إلا النزر اليسير. وجهها اليوم قاس بماء ثقيل وليس هنالك من يتساءل حول انها عاشت حياتها: خلفت ستة اولاد، عملت جنباً إلى جنب مع رجلها لأربعين عاماً، تعمل في الحقول، وتعمل في المنزل، تهتم بأحفادها، تواجه الصيف والشتاء وكذلك الربيع والخريف، تدير المنزل الذي هو عالمها كله. وعندما ادخل في المشهد، عندما اكتشفتها في منزلها في الحي السابع، حياتها كلها كانت وراءها، كافة مهامها المنوطة بها، أدتها على أكمل وجه. كل ما كان امامها في الحياة والعالم، كل ما يمكن أن يكون امامها الآن هو أن تجلس وتخدم، أدت واجباتها، عملها انجز، ساعة الزمن توقفت، راتبها التقاعدي وتأمين شيخوختها، كرسيها الهزاز، اوقاتها اللطيفة الهادئة حتى يأخذها الموت. ولكن هذا لم يكن منها، ليس منها بتاتاً.
عندما أزورها تأخذني إلى اكثر كرسي مريح في غرفة الجلوس حيث توجد مجلاتها وكتبها باليابانية والانكليزية. «اجلس». تقول «خذ راحتك. سوف اعود ببعض الفطائر التي خرجت تواً من الزيت».
وقبل أن اقلب صفحة في مجلة تعود بطبق مملوء بالفطائر السخنة. لا أستطيع أن أفعل شيئاً يمكنني من وصف فطائرها السخنة. إنها بمستوى تنفرد به، لا يوصف بكلمات، ولا يمكن الإشارة إليه. إنها فطائر. فطائر بسيطة أخرجت تواً من الزيت ولكنها مختلفة، فريدة في نوعها. ربما عندما آكل فطائرها فأنا حقاً آكلها. تمر هذه الفكرة الغبية في رأسي عدة مرات وكلما التقط نفسي وانا افعلها اقول، إنها ليست كذلك، هذا ليس حقيقي. فطائرها في الحقيقة بنكهة رائعة، إنها أفضل طباخة عرفتها سواء بالأطباق الشرقية أو الامريكية.
أحني رأسي بتواضع لكون هذه الغرفة، مثل هذا البيت موجود بجواري بحيث أستطيع أن ادخل وأخرج عندما تضعف روحي وعندما ينطلق الجحيم؟ أغني شاكراً أن مثل هذه التجربة البسيطة والعمومية تصبح حدثاً، حدثاً للحاجة والنمو. إنها حدث، هو جزء مني مضاف إلى مكونات الأرض: الماء، النار والهواء. وأبحث عن اليوم عندما يصبح جزءاً من كل واحد.
جميع أصدقائها كباراً وصغاراً، ينادونها ماما. الجميع يناديها ماما. هذا ليس جديداً، إنه منطقي. أعتقد أنه في كل مقطع في كل مدينة في أمريكا هناك امرأة يمكن أن تدعى ماما من قبل أصدقائها والغرباء الذين يلتقون بها. هذا مكان مألوف، إنه ليس جديداً. والعاطفة القديمة قد تكون في فك هذا اللقب. ولكن ماذا عن امرأة هي ليست ماما ولكنها كذلك، وبدلاً من أن تفخر باتساع عالمها الصغير، تأخذ دائرتها الصغيرة. تعيش أيامها في الدائرة الصغيرة. ربما لا تُستغل أبداً في مذكرات أو على لسان كل أحد، ولكنها محاطة، مقفلة بعيدة عن أخبار العالم ونشرات الأخبار. مجرد جالسة، مجرد متحركة، مجرد حية. تزرع الزرع في الحقول، تهتم بالأولاد والأحفاد، وتخبز أطيب فطائر في هذا الجانب من العالم الثاني.
عندما اجلس معها لا احتاج لأن اسأل اسئلة عميقة، لا احتاج لأن اعرف افلاطون أو الكتب المقدسة الشرقية أو الرقص. لا احتاج لأن أكون مشدوداً… ولكنني مشدود ومتحرر القدمين لأن الغرفة حية.
«أين الأحفاد؟» اقول، «أين ميكي، تاداو، دياكو؟» «إنهم في الخارج في الساحة»، تقول، «أقول لهم، العبوا العبوا بشدة، اخرجوا إلى هناك والعبوا بشدة. سوف تكونون سعداء فيما بعد لكل شيء فعلتموه بكل قوتكم».
أحياناً نجلس العديد من الدقائق صامتين. الصمت لا يضايقها. تقول أن الصمت هو أجمل سيمفونية. تقول الهواء الذي يتنفس بصمت هو أحلى وأكثر حزناً. هذا كل ما نتكلم عنه.
أحياناً أجلس وأحدق من النافذة وأرقب قطارات الباسفيك الجنوبي تمر أمامي والعربات تخترق بسرعة. وأحياناً تلتقطني وأنا أفعل ذلك وتطأطئ رأسها وأعرف أنها تدرك أنني أعتقد أن الصمت في الغرفة شيء عظيم، وأيضاً الزئير والغبار في الخارج عظيم، وعندما تهز رأسها أفهم أنها تقول أن هذه، غرفتها الصغيرة، دائرتها الصغيرة، هي مخزن، موقف للمسافر التعب، ولكن في الخارج، خارج عالمها الصغير هنالك تنافر، ضخامة من نوع آخر، وسفر علينا أن نقوم به. وتلك هي لديها بيتها الصغير تخبز أفخم فطائر، وفي داخلها فهي تقيم مخزناً صغيراً.
إنها مازالت حيه، لم تمت في وقتنا، مازالت في عنوانها القديم على الحي السابع، وتوقف السرد حولها هنا، حول فطائرها الفريدة وعن شخصيتها، أفضل مقطع فكرت به حتى الآن. كونها ما زالت حيه، بفكرة أن اراها مرات عديدة، فلدي اشياء عديدة لأفكر بها واتوقعها في المستقبل. معظم القصص تنتهي بموتها، فننتظر حتى تموت بسلام وبسلام ترتاح ولكني لا أستطيع أن انتظر كل هذا. اعتقد انها ستكبر، وفطائرها الساخنة الخارجة تواً من الزيت سوف تكبر من النعومة واللمس. واعتقد انه من العيب أن نتكلم عن فطائرها بعد موتها. بعد أن تصبح بلا شكل.
بدلاً من ذلك أخذت اليوم لأتكلم عنها وفطائرها الرائعة عندما تكون الأرض شيئاً لها، عندما يأتي الناس من كل بقاع الأرض ويتذوقون النكهة، نكهتها، التي هي نكهة كل واحد والجميع، يكلمونها، يجلسون معها، وأيضاً يتذوقون صمت غرفتها والصمت الذي هو هي نفسها، وأخيراً يذهبون متأملين ويبقون ما هو حي فيها حياً، على الأرض وبالرجال، ممثلين بي.

فيلسوف شارع سبعة
هو من تسميه جماعتنا بفيلسوف شارع سبعة. هذا لأن موتوجي تسونودا اعتاد أن يعيش في شارع سبعة منذ ست أو سبع عشرة سنة، وحتى في ذلك الوقت أحب أن يدفق فلسفة ويتحدث إلى الناس. اليوم هو يعيش في عزبة سيدة عجوز استأجرته كغاسل منذ ما يقرب من اثنتي عشرة سنة. أوقات كثيرة كان يخرج من غرفة الغسيل، خارجاً من الغرابة، ليختلط بشعبه وهذا يكون عادة بداية لشيء من الضجة، شيء يقلق الجماعة، الشعب، وموتوجي تسونودا بذاته.
ليس من شيء يشبه هذا في جماعتنا، شيء بدون جدوى ومقلق يمكن أن يظل هكذا فترة طويلة ويصر على تقديم العرض؛ فقط موتوجي تسونودا فريد بذاته. ربما كونه وحيداً أرملاً يعمل وحده في غرفة غسيله التعسة في قبو السيدة العجوز يغسل الأشياء التي تسقط من المزلق ويجففها على الخط، له علاقة إلى حد ما بسلوكه عندما يقابل أناساً من جماعتنا. على أي حال، عندما يأتي موتوجي تسونودا إلى البلدة ويدخل في الصحبة المسائية فإن كل ساعاته وأحلام يقظته الصامتة مع أفكاره العميقة وكتبه تصبح في المقدمة وليس ممكنا إيقاف تدفق كلماته وأفكاره. وبشكل عام فإن الناس لا يكونوا لطفاء عندما يبدأ موتوجي تسونودا بالكلام، والصحبة المسائية إما تتفرق مبكرة على غير العادة أو تتجاهل بشكل تام أفكاره الفلسفية وتبدأ أحاديث حول العمل أو الطقس أو كيف تسير أمور الأصحاب هذه الأيام. والغرابة في هذا كله أن موتوجي تسونودا رجل هادئ جداً، يجلس بهدوء في الركن، يستمع إلى الآخرين يتكلمون إلى أن تحين الفرصة. عندها يصبح حياً فجأة ويستحيل الموضوع وكل المواضيع في العالم خاصته، والصحبة في المساء جمهوره.
عندما يأتي موتوجي تسونودا إلى المنزل فإنه يبقى حتى الواحدة صباحاً، وربما أكثر من ذلك إذا كان كل أفراد العائلة لطفاء أو متعاطفين معه. في بعض الأحيان قد لا يكون هناك موضوع يتحدث فيه كونه قد استنفذ كل الأحاديث، لكن هذا لا يبطئه أبداً. بدلاً من ذلك، فإنه سيفكر للحظة ومن ثم يبدأ في موضوعه المفضل: ماذا هناك ليفعله المرء اليوم؟ وبينما أستمع إليه وأراقبه يومئ بيأس لتوضيح نقطة، غالباً ما أؤخذ بهذا الرجل الوديع الذي يغسل لسيدة عجوز في أيام الأسبوع. ليس بأفكاره العميقة أو الجنونية ولكن بما هو عليه وبما يحاول يائساً أن يوضحه للناس والعالم.
«سيد تسونودا، عما تريد أن تحدثنا الليلة؟»، قالت أمي عندما استقر تسونودا وعائلتنا في غرفة المعيشة.
«ماذا تريدون أن تسمعوا؟»، أجاب تسونودا. «هل هو عن فترة صبا شاكياموني أو نكمل حيث توقفنا الأسبوع الماضي ونتكلم عن ديوي؟»
هذه بداية. مع بدء الكلمات ليس هناك من إيقاف لموتوجي تسونودا، لا شقاء يتملك صوته أو موقفه في ذلك الوقت كما سيتملكه بالتأكيد في غرفة الغسيل القديمة. ينتعش صوته ويستقيم جسمه، وبشكل ما فإن هذا الرجل اللطيف يصبح جباراً، قوياً وحتى ملهَماً. إنه يفتخر بحواراته مع العديد من رجال الدين البوذيين، وعندما يكون في حال جيد يخوض في مختلف النقاشات التي خاضها في الماضي لأجل أصدقائه. وبغض النظر عما يقال أو يحدث في الأمسية فإن موتوجي تسونودا سوف ينهي خطابه الرسمي ومحاورته بشيء حول التقليد وسريان الدم الخاص بشاكياموني، القديس شن ران، آكيجاراسو، وموتوجي تسونودا. إنه لا يمزح بينما يقول هذا. إنه جدي جداً. عندما يسخر أحد من هذا، فسيحدق بحزن إلى الشخص الساخر ويهز برأسه.
في نفس ذلك الوقت، حدث شيء في بلدتنا جعل موتوجي تسونودا فخوراً للغاية حتى يومنا هذا. كان حدثاً أدى إلى إطالة حياة موتوجي تسونودا، لاعباً دور المحفز، وهو إعلان إلى العالم بشكل عام اعتذاره لكونه على قيد الحياة.
بدأ الأمر بشكل بسيط، لا شيء مخطط قبلاً، ليس من قبيل الكبرياء أو الغرور بل ببساطة الحدث الذي يقع كظاهرة حظ. كان الكلام عن الوقت الذي أتى فيه آكيجاراسو، فيلسوف اليابان العظيم، إلى بلدتنا لإلقاء محاضرة. كان آكيجاراسو يطوف أمريكا، يحاضر ويدرس ويزور قبر إيمرسون، لذلك فقد كان احتمالاً جيداً أن يحضر هذا الفيلسوف العظيم إلى مجتمعنا ويلقي محاضرة. وقبل أن ينصحه أحد حول حكمة خطوته، كتب موتوجي تسونودا متطوعاً إلى آكيجاراسو يطلب منه أن يحاضر ليلة 14 يوليو لأن هذا هو الوقت الذي حجز فيه القاعة. وقبل أن يصله رد كان موتوجي تسونودا يجوب أرجاء البلدة، قائلاً أن الفيلسوف العظيم سوف يأتي، سوف يأتي ليحاضر في القاعة.
جاء متقطع الأنفاس بالخبر إلى منزلنا. وسأله أحد حول ما إذا كان قد استلم رسالة قبول وما إذا كان آكيجاراسو قد وافق على الحضور.
«كلا، ولكنه سيأتي،» قال موتوجي تسونودا. «سيأتي ويلقي محاضرة. تأكد من هذا.»
جال لأيام عدة يحضر للاستقبال الكبير، ناسياً غسيله، متخلياً عن وداعته، يعمل كأربعة رجال في تجهيز قاعة أساهي للمحاضرات. خلال أيام، أتم وضع الكراسي في صفوف تكفي لجلوس خمسمائة شخص. وعندها جاءه خبر أن الفيلسوف في طريقه إلى سياتل ليغادر إلى اليابان. ترك هذا موتوجي تسونودا مسطوحاً، واضعاً إياه تحت رحمة الناس الذين لم يفوتوا الفرصة ليضحكوا عليه ويسخروا منه.
«ماذا تستطيع فعله؟» قالوا وهم يضحكون. «ماذا تستطيع فعله غير الكلام؟»
جاء موتوجي تسونودا إلى المنزل يبدو مكتئباً ومتبلداً. لم نستطع أن نسري عنه هذه الليلة؛ لم نستطع انتشاله من البؤس ولو للحظة. إلا أنه في الليلة التالية جاء مهرولاً إلى المنزل، عيناه تلمعان، وكل كيانه مليء بالحياة والقوة. «أوتدرون؟» قال لنا. «لدي فكرة! فكرة عظيمة.»
جلس وأخبرنا أنه بدلاً من تضييع القاعة الجميلة، المزينة بالكامل والنظيفة والجاهزة لخمسمئة شخص سوف يأتون ويجلسون، فإنه، موتوجي تسونودا سوف يلقي محاضرة. لقد أخبرنا أنه قام بمهاتفة الصحيفتين اليابانيتين لتسجيل محاضرته وجعل العالم كله يعلم أنه سيحاضر في 14 يوليو. أخبرنا أن نتأكد من قدومنا. وأنه قد هاتف جميع أصدقائه ومعارفه والصحفيين ليتأكد من قدومهم. قال أنه سيذهب إلى البيت الآن ليخطط للمحاضرة، وأن هذه اللحظة هي أسعد لحظات حياته وتعجب كيف أنه لم يفكر من قبل في إلقاء محاضرة في قاعة آساهي. وبينما انطلق إلى منزله وخطط محاضرته، اعتقدت للحظة أنه تجاوز حياته كغاسل ثياب، تجاوز الوداعة والسخرية، تجاوز التعاطف معها والوحدة. ولدى رؤيته ينطلق بقوة غير معروفة وطاقة غير معلومة اعتقدت جازماً أن موتوجي تسونودا كان وحده، فيلسوفاً مع حقوقه، كما كل الرجال في العمل والتفكير فيلسوف مع حقوقه.
لم نر موتوجي تسونودا لأيام عديدة. إلا أنه في بعد الظهر من يوم 14 يوليو جاء راكضاً على درجاتنا. «الليلة هي الليلة الكبيرة، الكل،» قال. «تأكدوا أن تكونوا هناك الليلة. إنني أتكلم على موضوع ذي أهمية كبيرة.»
«متى الوقت؟» قلت.
«المحاضرة في الثامنة،» قال. «تأكدوا من أن تحضروا، كلكم.»
ليلة 14 يوليو كانت مثل أي ليلة، جديرة بالذكر، ساحرة، بائسة؛ تجمع الكل تحت ظلمة مفردة، ليلة واحدة من العرض، من صبر العالم ولهفته، من بطولة مواطن فرد وكل البطولات الغير محكية لكل سكان الأرض، في التضرع للخلاص وعدمه والبكاء بنفس الدرجة؛ ايماءات جميلة وأخرى كئيبة تأتي وتذهب، في الأفكار الغير معبر عنها ومتابعة الأحلام التي تنتظر تحقيقها.
كنا من أوائل الناس الذين جلسوا، وجلسنا في المقدمة. كنت أنظر بين الحين والآخر إلى الخلف لأرى ما إذا كان الناس يدخلون. في الثامنة وعشر دقائق كان هناك ستة أشخاص في القاعة. صعد موتوجي تسونودا على المنصة وجلس وعندما رآنا هز برأسه. جلس وحيداً هناك، كان عليه أن يقدم نفسه.
جلسنا لمدة ساعة أو أكثر لنرى إذا كان هناك سبب لتأخير قدوم الناس. مرة واحدة نزل موتوجي تسونودا وسار بنفسه إلى المدخل ليرى إذا كان الناس قادمون. في التاسعة وثمانية عشر دقيقة وقف موتوجي تسونودا وقام بتقديم نفسه. كنا أحد عشر شخصاً في القاعة بحساب طفلين اثنين.
عندما بدأ يتكلم عن موضوعه للأمسية، «اعتذارية العيش»، لم يكن صوته يرتجف مع أن موتوجي تسونودا غير معتاد على مخاطبة الجمهور وأنا أعتقد أن هذا رائع. لا أظن أنه كان واعياً لجمهوره عندما بدأ يتكلم، إذا كان جمعاً كبيراً أم صغيراً. وأنا أظن أن هذا رائع أيضاً.
خاطب موتوجي تسونودا الجمهور لثلاث ساعات متواصلة بدون انقطاع. لم يأخذ وقتاً حتى ليشرب كأساً من الماء. وقف أمامنا وبطريقته الجميلة الحزينة، حاول أن يجعلنا نفهم كما كان هو؛ حاول بكل براعة وتفكير عميق أن يكشف لنا العالم الجميل الذي يستطيع هو أن يراه ويعجب له، الذي لم يكن في استطاعتنا أن نراه.
ومن ثم انتهت المحاضرة وجلس موتوجي تسونودا ومسح وجهه. كان رائعاً، المشهد؛ الفرد يقف ويعبر عن نفسه، الأرض، الخلود، الجمهور الذي يستمع ويشخر، والقاعة الجميلة تقف جاهزة لاستيعاب أشخاص آخرين.
بالنسبة لخطاب موتوجي تسونودا فقد كان هذا موضوعاً آخر. إلا أنني، بطريقة ما، اعتقدت انه قدم شيئاً جميلاً بفلسفته هذه الليلة. بغض النظر عما كانت تعنيه كلماته، أو الإيماءات والمواضيع المثيرة التي قد تكلم فيها سابقاً، فقد كان هذا الرجل هناك، يقف مخاطباً العالم، ويتكلم ليبرر نفسه للناس، محاولاً بأقصى ما يستطيع ألا يساء فهمه. وبينما يواجه الأحد عشر شخصاً من المستمعين بالطفلين، لم يبد أحمقاً، لم يكن كحقيبة مملوءة بالريح. بالعكس كنت متأكداً أن لديه سبباً ليقف ويمتلك الشجاعة والجرأة لإزالة الغموض، اللغو، وعدم الفهم.
وعندما أنهى محاضرته كان هناك شيء ذا قيمة لكل الناس ليسمعوه ويروه، ليس فقط للأحد عشر شخصاً في القاعة ولكن لكل الناس على الأرض: شيء يتعلق بصوته، إيماءاته، حزنه، تعاطفه، جراءته، كلها أشياء مشتركة، والناس، المقيمون في الأرض يستطيعون استيعابها، والتعاطف معها وتذكرها لفترة طويلة.

بيض هذا العالم
كل من في المحيط تقريباً يعلم أن سيسو ماتوي هو سكير من الدرجة الأولى. كان من النادر أن يمر وقت لا يراه الإنسان يتمايل مملوءاً بالمشروب. المشكلة كانت أن الناس لم يكونوا يعرفون متى يكون صاحياً أو سكراناً. كان ذكياً جداً عندما يكون سكراناً وأيضاً ذكياً جداً عندما يكون صاحياً. كان الناس يخافون من ملامسته. كانوا يخافون هذا الرجل سواء كان صاحياً او سكراناً بسبب لسانه وعقله. لم يتجرأوا على العبث معه ومناقشته أو أن يسخروا منه كما يفعلون مع الناس السكارى الآخرين. قد يكون الناس غير راضين عنه ولكنهم كانوا خائفين وصامتين. وكان سيسو ماتوي يقوم بعمل ضئيل. كنا نقول أنه يعيش عملياً على الحسنة والذكاء. وهذا ليس بعيداً عن الحقيقة.
كنت عند السيد هسيجاوي عندما ترنح سيسو ماتوي في المنزل ومعه مجموعة مشروبات تحت حزامه. والسبب المنطقي الوحيد الذي فكرت به لزيارته تلك الليلة كان أن سيسو ماتوي قد يكون علم أن السيد هسيجاوي حمل العديد من زجاجات الساكي المستوردة من اليابان. ليس هنالك أي سبب آخر يدعوه لأن يقوم بزيارة هسيجاوي. أعرف أن السيد هسيجاوي لم يكن يتحمل السكارى. كان يكره مشاهد العربدة وأناسها.
في البداية ظننت أن السيد هسيجاوي قد يكون خائفاً من هذا السكير، وأن سيسو ماتوي استغل هذا الموضوع. ولكن الأمر لم يكن كذلك. فالسيد هسيجاوي لم يكن خائفاً من سيسو ماتوي. وبينما كنت اجلس بين الاثنين ذلك المساء عرفت أنني أعيش فكاهة، وانه في اية لحظة قد ينفجر الموقف.
«جئت لأراك من اجل قضية مهمة جداً، يا سيد هسيجاوي»، قال سيسو ماتوي دون أن يرف له جفن. «أنت في وضع خطير جداً، سوف تفقد حياتك».
«عن ماذا تتكلم؟» قال السيد هسيجاوي.
«أنت في بيضة»، قال سيسو ماتوي. «لم ترى شيئاً سوى داخل بيضة. وأنا آسف من أجلك. أنا أشفق عليك».
«أنا لست مجنوناً. أنا أراك بوضوح شديد في بيضة»، قال سيسو ماتوي، «هذا شيء سيء جداً. قريباً جداً ستتعفن».
كان السيد هسيجاوي رجلاً جاداً، غير معتاد على الضحك والمرح. ولكنه ضحك عالياً. هذا كان شيئاً سخيفاً. ثم تذكر أن سيسو ماتوي كان سكراناً.
«ما رأيك بهذا الشاب؟» قال السيد هسيجاوي، وهو يشير إلي. نظر سيسو ماتوي إليّ وكأنه يمتحنني. بدى وكأنه يدرسني من كل الزوايا. ثم قال، «بيضة تتشكل سريعاً، عليه أن يكسر قشرة بيضته أو بعد قليل سنجد أنه أصبح أضعف بكثير من فعل أي شيء بها». لم أقل شيئاً. جلس السيد هسيجاوي وعيناه تبرقان.
«ماذا عنك، يا سيسو ماتوي؟» قال. «هل تعيش في بيضة؟»، «كلا» قال سيسو ماتوي. «البيض يكون عندما تكون أنت محاطاً بحيطان، مسجوناً داخل نفسك. أنا حر، لقد كسرت البيضة منذ زمن بعيد. أنت ترى ما أنا عليه. أنا لست مخبّأ داخل قشرة ولست مقفلاً داخل واحدة ايضاً. أنا اسير على هذه الأرض بساقاي الجيدتين وكذلك أنا أشرب واستمتع، ولكنني حزين عندما أرى العديد من البيض في العالم، غير مكسور، لم يتذوقه أحد، ولم يتعفن.»
«هل أنت تهين العالم كله أم أنك تهينني فقط؟» قال السيد هسيجاوي.
«أنا لا أهين أحداً. أنظر، أنظر في عيني، يا هسيجاوي. أنظر كم أنا صاح»، قال. «أنا لا اهينك. أنا أحبك. أنا أحب كل العالم صاحياً أو سكراناً ليس لهذا أي فرق. ولكن عندما أقول أن البيضة هي بيضة فأنا أعني ذلك. لا تستطيع أن تكسر البيض الذي أراه».
«ألا تستطيع أن تكسر البيض من أجلنا؟» قال السيد هسيجاوي.
«يبدو أنك ترى البيض جيداً. ألا تستطيع أن تدور وتكسر القشور وتجعل من هذا العالم مكاناً للتفقيس؟»
«كلا، كلا!» قال سيسو ماتوي. «لقد فهمتني خطأ! لا أستطيع كسر البيض، أنت لا تستطيع كسر البيض. تستطيع أن تكسر بيضة مع ذلك».
«أنا لا أفهم ما تقول»، قال السيد هسيجاوي.
«البيضه تكسر من الداخل»، قال سيسو ماتوي. «قشرة البيضة تذوب بنفسها بسبب الحر أو الدفء وهذا طبيعي، ومستقل».
«هذا شيء هزلي»، قال السيد هسيجاوي. «ممكن لبيضة أن تكسر من الخارج. أنت تعرف جيداً أن بيضة قد تكسر بنقرة من الخارج». «بإمكانك أن تغتصب وتهجم ايضاً»، قال سيسو ماتوي.
«هذا ابتدأ يصبح خيالياً»، قال السيد هسيجاوي.
«هذا شيء سخيف! هنا نحن نحترق كلنا بسبب بيضة صغيرةة، نناقش سخافات».
«هذا شيء مهم لي»، قال سيسو ماتوي.
«ربما الشيء الوحيد الذي أعرف حوله. أدرس ثقافة البيض أربع وعشرين ساعة. أعيش من اجلها».
«ومن أجل الساكي»، قال سيسو ماتوي.
«هل سندرس عن الساكي الليلة؟ هل سنتذوق الساكي وأنت تخبرني حول النكهة؟» قال السيد هسيجاوي.
«حسناً، حسناً، حسناً!» قال السيد ماتوي.
ذهب السيد هسيجاوي إلى المطبخ وسمعناه يتحرك سريعاً عاد ومعه زجاجة ساكي تتبخر. «هذه هالوشيكا»، قال.
«حسناً، حسناً، حسناً!» قال السيد ماتوي. «جميع الأنواع سيان بالنسبة لي، كل النكهات تتناسب مع نكهتي. عندما اشرب فأنا اشرب نكهتي».
صب له السيد هسيجاوي بضعة كؤوس بلعها ساسو ماتوي بسرعة – وبلغ ساسو ماتوي بضعة أخر. «آه عندما اشرب الساكي أفكر بالبيض الذي في العالم»، قال. «كل البيض الذي لم يفتح في العالم فقطعاً ما الذي ستفعله بكل هذا البيض الملقى حول المكان؟ ألن تفعل شيئاً له؟ ألا تستطيع أن تضع بعض هذا البيض جانباً وتسخنه أو تدفئه وتساعد في كسر القشرة من الداخل؟» قال السيد هسيجاوي.
«كلا» قال سيسو ماتوي «لن أفعل شيئاً كهذا. إذا فعلت كل ما تعتقد انني يجب أن افعله، عندئذ لن يكون لدي الوقت لأجلس واشرب. وأنا أحب أن أشرب. لا أستطيع أن أفوت يوماً دون أن أشرب لأنني عندما أشرب فأنا أكون خارجاً حقاً، لا أشرب تماماً ولكن أعبر عن نفسي في الخارج، أتكلم كثيراً، وأقول قليلاً، حزيناً وكئيباً.»
«قل لي، سيسو ماتوي»، قال السيد هسيجاوي. «هل أنت حزين في هذه اللحظة؟ ألست سعيداً بأسلوبك الوثني، تشرب وتضحك خلال أربع وعشرين ساعة؟».
«الآن أنت تشعر بأسى نحوي، يا هسيجاوي»، قال سيسو ماتوي. «أنت أصبحت عاطفياً. لا تفكر بي بهذه الطريقة. فكر بحالتي المزرية. أنا مزر. ثم اضحك بشدة، تابع ضحكك المتواصل الآن. قل آه يا لها من بيضة قد فتحت! انظر إلى قشرتها، انظر إلى السكارى دون زجاجة.»
«لماذا تقول هذه الأشياء؟» قال السيد هسيجاوي.
«أنت تشعر بمرارة شديدة».
«أنا لا تشعر بمرارة، أنا لست مجنوناً تجاه أحد» قال سيسو ماتوي. «ولكنك ما زلت تتكلم من خلال القشرة».
«أنت تهينني ثانية»، قال السيد هسيجاوي.
«لا تسمح لبيضة أن تدخل بيننا».
«هذا شيء سخيف»، قال سيسو ماتوي، ينهض من كرسيه
«أنت سخيف جداً، سيدي. البيضة هي أهم شيء وأكثر ما يتعلق في العالم. بما أنك بيضة فأنت لا تعرف بيضة. هذا شيء محزن أقول، مساء طيب، أيها السادة».
انحنى سيسو ماتوي، قال السيد هسيجاوي. «أنت لم تقل لي عن نكهة الساكي الخاص بي».
«أنا قلت لك»، سيسو ماتوي قال. «قلت لك عن النكهة فوراً».
«هذه هي المرة الأولى التي اسمعك تتكلم عن نكهة الساكي الليلة». قال السيد هسيجاوي
«أنت تسيء فهمي مرة ثانية»، قال سيسو ماتوي.
«عندما تريد تذوق نكهة الساكي الذي شربته عندئذ عليك أن تشرب نكهة ما كنت انفثه كل المساء. مرة ثانية ليلة سعيدة،ايها السادة.
مرة ثانية انحني بشكل رسمي عند الباب ومشى مترنحاً خارج المنزل.
توقعت أن أرى السيد هسيجاوي منفجراً من الضحك مجرد أن يخرج سيسو ماتوي خارج المنزل. ولكنه لم يفعل.
«أعتقد أنه سياتي حول المكان خلال بضعة أيام ليتذوق الساكي الخاص بك. هذا يجب أن يحصل كلما جاء ليراك»، قلت.
«كلا» قال السيد هسيجاوي. «من الغريب، أن هذه المرة الأولى الذي يسير بها خارجاً هكذا. لا أستطيع أن افهمه. لا اعتقد أنه سيعود قبل زمن طويل».
«هل كان سكراناً أم صاحياً هذه الليلة؟» قلت.
«أنا لا أعرف حقاً»، قال السيد هسيجاوي.
«لابد أنه صاح وسكران في نفس الوقت».
«هل تعتقد حقاً اننا لن نراه لفترة من الزمن؟» قلت.
«نعم، أنا متأكد من ذلك. أنا أفكر أن بيضة سوف تقف بيننا!»

الأشجار
«صباح الخير ياهاشيموتو، صباح الخير»، قال فوكوشيما لصديقه.
«اه، فوكوشيما، ماذا تريد؟» قال هاشيموتو.
فرك فوكوشيما يديه وداس قدميه «أنها بارده. الشمس ليست دافئة كفاية».
ضحك هاشيموتو « أنت عادة تكون نائماً في مثل هذا الوقت، قل ماذا تريد في مثل هذه الساعة المبكرة»
«جئت لأراك وشجر الصنوبر» قال فوكوشيما «ألا تسير بين اشجارك كل صباح؟»
«نعم أنت تعرف ذلك» قال هاشيموتو.
«هل سبق ومشيت هذا الصباح؟ اريد أن اسير معك بين شجر الصنوبر الخاص بك» قال فوكوشيما. «كلا ليس بعد، قال هاشيموتو ينظر بفضول «أنا ذاهب إلى حديقتي الآن. تعال يا صديقي.» سار الإثنان إلى وراء المنزل تسلقت الشمس إلى أعلى واصبحت الحديقة دافئة سارا بين شجر الصنوبر قطعا مرات متعددة الساقية الصغيرة الجارية على جانب الممر زقزق السنونو عالياً فوق رأسيهما دار الاثنان الحديقة بضع مرات ثم ذهبا إلى أعلى وأسفل عدة مرات، قاطعين المكان، وأخيراً جلسا ليستريحا على مقعد حجري قديم.
«هاشيموتو، أنا صديقك القديم» قال فوكوشيما « ماذا ترى في الأشجار؟»
نظر هاشيموتو بشدة نحو صديقه «لماذا، أنا أرى الأشجار»، قال بعد دقائق.
«كلا لا أعني الأمر هكذا» قال فوكوشيما.
« هذا تعبير عام أريدك أن تقول لي كيف ترى حقا أشجار الصنوبر هذه.»
ضحك هاشيموتو.
« من فضلك، أنا صديقك،» قال فوكوشيما «رجاء أخبرني سر سعادتك». «فوكوشيما ليس هنالك شيء في ذلك أنا ببساطة أرى الأشجار هذا كل شيء»
«كلا هذا ليس كل شيء. لماذا، أي إنسان يمكن أن يرى الأشجار» قال فوكوشيما. «باستطاعتهم وعليهم أن يفعلوا»، وافق هاشيموتو.
« جئت إلى هنا باكراً لأرى الأشجار وسرت معك بين الأشجار، وما زلت لا أرى شيئاً في الأشجار لما هذا؟» سأل فوكوشيما. نظر الصديقان بصمت إلى بعضهما البعض. «ألم تقل أنك كنت بارداً منذ بضع دقائق؟» قال هاشيموتو.
«نعم كنت بارداً» أعترف فوكوشيما.
انظر إليك الآن «قال هاشيموتو» انت دافئ وتعرق انت دافئ جداً».
«ماذا في هذا؟ هذه حقيقه،» قال فوكوشيما «عن ماذا تتكلم؟»
«الاختلاف بين الدفء والبرد هو الحركة» قال هاشيموتو «الحركة هي التي تصنع الدفء والبرد.»
« هاشيموتو، أنا لا أريد أن اسمع عن الدفء والبرد،» تكلم فوكوشيما «اريد أن اشارك سعادتك. اريدك أن تفسر الشجر الذي تراها.»
«لا أستطيع أن أفسر الأشجار، فوكوشيما،» قال هاشيموتو «ولكن اسمع، يا صديقي. الدفء والبرد الذي اكلمك عنه هو في الأشجار».
هز فوكوشيما رأسه «انت لست صديقي أنت لا تريد أن تخبرني بسرك.»
هز هاشيموتو رأسه «انت صديقي» والسر الذي ذكرته هو أكثر الأشياء المكشوفة.»
نظر فوكوشيما ببرود نحو هاشيموتو «إذا لم تقول لي سرك فلن نعود اصدقاء تعلم ما الذي جرى لي منذ عام كنت غنياً إلى حد ما أمتلك أسهم وممتلكات ثم غدرني الحظ وخسرتها كلها أنا إنسان مهزوم ولكنني أريد أن أكافح ثانية وجئت إليك». هز هاشيموتو رأسه «دعنا نجرب ثانية كنت بارداً عندما جئت إلى هنا ولكن عندما مشيت حول الحديقة أصبحت دافئاً وجربت الدفء هل ترى، يا فوكوشيما؟ لم تكن تعرف الدفء لو لم تسر؟»
«ولكن الاشجار – الناس تقول لي أنت تملك أشجارك ولذلك فأنت سعيد،» قال فوكوشيما.
هز هاشيموتو رأسه حزيناً عيناه طافت حول الحديقة «لماذا أنت سعيد هكذا؟» سأل فوكوشيما.
« أنا لست دائما سعيداً» صرخ هاشيموتو «أنا بارد ودافئ أيضاً»
«زماننا ليس لطيفا مع الرجال،» قال فوكوشيما بمرارة « وأنت لا تساعد صديق.»
«حاولت جهدي» قال هاشيموتو» يوما ما ستراني انضم إلى صديقي ساكينو، سوف انضم إليه في مستشفى المجانين في ستوكهولم إنه يقرأ كتب عديده مثلك ولكنه جن،» قال فوكوشيما
نظر الإثنان إلى بعضهما بصمت.
«هاشيموتو، عندما أغادر هنا اليوم سوف لا أراك مرة ثانية»
«من فضلك قل لي» توسل فوكوشيما. نظر هاشيموتو إلى أعلى بشغف «حسناً اسمع كنت بارداً عندما جئت إلى هنا ولكن عندما سرت حوله……»
« لا أريد أن أسمع أكثر» صرخ فوكوشيما قافزاً على قدميه «إذا لا تستطيع أن تقول لي عن الأشجار فلا تتكلم» «فوكوشيما» صرخ هاشيموتو «فوكوشيما»!
وقف عند المقعد الحجري القديم وأخذ يراقب صديقه وهو يخرج من البوابة نحو الطريق السريع.

الأخوة
هذا حقاَ يدور حول جورج وتسنيو، صبيان يابانيان ضئيلان شقيقان، إلا أنني يجب أن أذكر، بدايةً، شيئاً عن والدهما لأنه من خلاله اصبحت أعرف شيئاً عن تلك الحيوات الضئيلة. كان الأب طبيب أسنان رائعا بنى سمعة في المدينة ويعمل جيداً حتى في فترة الركود. كنت أذهب إلى مكتبه صباح كل يوم ثلاثاء على العاشرة لأرى ماذا سأفعل بأسناني الثلاثة المصابة بخراج. ومن الغريب أنني أصبحت أتطلع بعد فترة إلى تلك المواعيد. وهنا حيث يدخل الصبيان الضئيلان، جورج وتسنيو.
تسنيو في الثالثة وجورج في الخامسة وهما مطابقان لسنهما بغض النظر عن جنسيتهما. بشكل مشابه، كان يمكن أن يكونا أولاد ألماني أو بريطاني أو فرنسي أو روسي أو صيني أو أمريكاني أو اسكيمو. كان سنهما هو ذلك الوقت الذي تكون فيه أفعالهما من عالمهما الخاص، ويكون تأثير البالغين على تصرفاتهما محدوداً إلا بالقدر الذي يرغب فيه الطفل بالانصياع للبالغ. كنت أذهب بشكل مستمر طوال فترة شهرين إلى مكتبه قبل أن يذكر الطبيب شيئاً عن أولاده في المنزل. قبل هذا، كنا نحب أن نتحدث، أنا والطبيب، حول مختلف الموضوعات. ولكن عندما ذُكرت مغامرات الطفلين الصغيرين من قبل الأب، لم يعد من موضوع آخر مهم. بدأت بشكل بالغ البراءة والطبيعية، قصة هاتين الحياتين الصغيرتين، ولم يكن استيعابها سهلاً ولكنها وصلتني ببطء حتى النهاية أو الذروة في حلقات أخيرة.
وربما كانت بداية الصراع بينهما عندما امتلك جورج طاولة مكتب قديمة كان والده قد أعطاه إياها. كان هذا عندما كان تسنيو الأصغر يبلغ سنتين من العمر أو يكاد. عندما أصبح تسنيو بعمر ثلاث سنوات لم يكن هناك طاولة مكتب قديمة لإعطائه إياها، ولذا لم يفعل الأب شيئاً بهذا الخصوص. كان الأب يعلم أن ابنه الأصغر يتوق إلى طاولة مكتب جورج وأنه دائماً ما شوهد يحوم بالقرب بينما كان جورج يضع ألعابه وأشياءه في أدراج المكتب العديدة. وهكذا فقد ذهب الأب إلى محل الألعاب وأحضر طاولة مكتب لعبة لأجل تسنيو. بدا أن هذا كفيلاً باسترضاء الأصغر وكل شيء يصبح مرتباً، هكذا فكر الأب.
وفي ظهيرة أحد الأيام بينما كان في مكتبه، رأت الأم تسنيو يلقي بطاولة المكتب اللعبة في أحد الزوايا. كان هذا نهاية طاولة المكتب اللعبة وبداية الصراع بين الحياتين الصغيرتين على طاولة المكتب المرغوبة، بالرغم من أن جورج كان لا يزال غافلاً عن ذلك.
وبينما كان الأب يجلس في غرفة المعيشة يقرأ صحيفة المساء، أخذ يسترق النظر بين الحين والآخر إلى غرفة اللعب الملاصقة. لاحظ أن ثمة شيئاً ما يحصل في الغرفة، بالرغم من أنها كانت هادئة، ومن أن تسنيو لم يأت إليه من أجل طاولة المكتب القديمة. لليال عديدة متتالية، كان هناك تغيير لا يكاد يلحظ في غرفة اللعب. بعد ذلك، وبينما كان الأب في مكتبه، حدث شجار متوحش في غرفة اللعب. لم يحدث تبادل لكمات أو خدوش؛ ظهرت الأم في الوقت المناسب.
وظلت المشكلة عالقة كما هي إلى حين وصول الأب إلى المنزل عند المغرب.
بينما كان طبيب الأسنان يعالج أسناني، حكى لي كيفية إيجاده مخرجاً لهذا الوضع. قال أنه كان هناك أربعة أدراج في المكتب، ثلاث منها على الجانب وواحد في الوسط أعلى الركبتين. قال أنه جعل جورج يتخلى عن الدرج الأسفل لتسنيو حتى يستطيع الصغير أن يحوز جزءاً من المكتب. مقاطعة، هكذا أسماها. في ذلك الوقت، كانت المسألة المنشورية طاغية في العناوين الرئيسية وأينما ذهب هناك كلام عن الحرب وغيومها. وهكذا، عندما ناقشنا مشكلة جورج وتسنيو وصراعهما كان التوقيت مناسباً. كان الأب منتبهاً إلى العلاقة قبل هذا بوقت طويل، لهذا، فقد تكلم عن ولديه الصغيرين وهز رأسه وابتسم. «يا لهم من همج»، كان يقول.
«لديك حرباً في عقر دارك أكبر من أي مكان آخر»، قلت له ذات صباح من على المقعد المريح لطبيب الأسنان.
«أجل، هذا صحيح تماماً»، قال.
كان طبيب الأسنان مهتماً حقاً. كان لديه وقت يخصه كأب. لم يستطع أن يستوعب أي حيوانات متوحشة يمكن أن يكون أولاده، ليتفاعلا بدوافع بدائية.
نظرت إلى الأب عندما قال هذا. كان رجلاً صغيراً دقيقاً مع أيد حساسة بيضاء دقيقة الأطراف، يحيا حياة مليئة بمشاكل دقيقة من طب الأسنان. كان أمراً استثنائياً كيف أن رجلاً كهذا، مثقفاً، يمكن أن يكون أباً لصبيين صغيرين قريبين بهذا الشكل من الطبيعة. كان أمراً يدعو للعجب. بشكل ما، هكذا كان.
عوضاً عن الكلام عن الطقس تكونت لدينا، أنا وطبيب الأسنان، عادة أن نحيي بعضنا صباح كل يوم ثلاثاء بشيء عن جورج وتسنيو وتقدم كل واحد في مقاطعة الآخر. وبلمعة في عينيه، بدأ طبيب الأسنان يسميهما الذي لديه والذي ليس لديه، وبعد ذلك عندما أصبحت ممعناً في الجدية بما يخص هذين الصغيرين، كنت مقتنعاً بأن الأب لم يكن بهذا السوء. كل ثلاثاء كان هناك شيء جديد لأسمعه. كل ثلاثاء كنت هناك باهتمام ويقظة.
«حسناً، كيف الولدان هذا الأسبوع؟»، قلت.
«تسنيو أخذ درجاً آخر من أدراج المكتب القديم،» قال طبيب الأسنان. «منذ عدة ليالٍ لاحظت حيازته ملكية درجين.»
«هذا يترك درجين لجورج»، قلت.
«أجل»، قال طبيب الأسنان، «لكن الأمر لا ينتهي هنا. فالأصغر لا يزال يضع عينيه على الدرجين الأعلى، الأكبر والأكثر اتساعاً.»
«لماذا لا يفعل جورج شيئاً بهذا الخصوص؟ هل يقف جانباً ويدع تسنيو يجرده من ملكية الأدراج؟» قلت.
«هذا حيث تحكم ظواهر الطبيعة في كل منهما. تسنيو، ذو الثلاثة أعوام، هو الأقوى لأن خوفه من فقدان ممتلكاته أقل. إنه قوي وجبار لأنه ببساطة يملك القليل ويتطلع إلى حيازة الكل كغنيمة،» قال طبيب الأسنان.
«وجورج؟»، قلت.
«إنه يبلغ خمسة أعوام وهو أقوى بكثير،» قال طبيب الأسنان،» إلا أن لديه أشياء أخرى ليفكر فيها. يجب أن يحرس متعلقاته وهذا يأخذ من قوته كثيراً. وفي سن الخمس سنوات يعرف تماماً أن يعطي ويخسر قليلاً بدلاً من أن يخسر أكثر بالمعاداة.»
ضحكت. «في عمر خمس وثلاث سنوات تدور حرب أكبر بكثير من كل حروب البالغين المسجلة في التاريخ».
«أجل،» قال طبيب الأسنان، «حروب الطبيعة المتوارثة تظل غير مذكورة وأكثر عدداً.»
منذ اليوم الذي وضع فيه تسنيو يده على الدرج الأول، لم يكن هناك بداية للحديث عن كل الموضوع وبالتأكيد لا نهاية له بالرغم من أن حادثة كهذه يمكن أن تنتهي وتُنسى. وكذلك فليس هناك نهاية ولا بداية لامتلاك الأشياء. وفقاً لوالدهما، فإن جورج وتسنيو كان في حيازتهما كل الأشياء التي كانوا سيطالبون بها ويحصلون عليها فيما بعد. عندما بدأ الصراع بينهما لأجل أدراج المكتب، كل شيء في نطاقهما ومعرفتهما بدأ يتحرك في الوقت ذاته. كان لدى جورج نصف دستة من السيارات، وكذلك لدى تسنيو. بهذا القدر من المساواة في الملكية. فيما بعد أصبحت كلها لجورج. كان لديه ثلاثة قطارات لعبة بينما تسنيو لديه واحد. جورج لديه أربع دفاتر تلوين وخمس علب من أقلام التلوين وثلاثة أقلام رصاص جديدة. تسنيو كان لديه دفتر تلوين وعلبتي أقلام تلوين وقلمي رصاص أحدهما جديد والآخر قصير وقديم. وكذلك الأمر بالنسبة للبلي و ZEE NUTS والمكعبات الخشبية ومسدسات الفلين وكل الأغراض الأخرى من اللعب التي يمتلكانها.
وفي صباح يوم ثلاثاء قال طبيب الأسنان أن تسنيو حاز على درج آخر، درجه الثالث. وجورج أصيب بالجنون فعلاً، وأنه لولا رجوعه البيت في وقت مبكر لحصل شجار حقيقي. قال أنه فرق بين الطرفين واعداً كلاهما بدراجات ثلاثية العجلات لأجل الكريسماس.
«لديك وظيفة إرضاء الطرفين»، قلت.
«المشكلة في كل هذا هو أن جورج دائماً متقدم. إنه متقدم بسنتين وسوف يظل هكذا بقدر ما يستطيع،» قال.
بعد أسابيع عدة وقعت المشادة الحتمية. لقد أزعجت الأب لدرجة أن كل ما فعله لأسناني هذا الصباح كان تنظيفها بمعجون لزج لإزالة الجير. وفي هذه الأثناء ظل ممسكا لسانه كأن العالم قد انقلب رأساً على عقب.
«متى حدث الأمر؟» قلت.
«الليلة الماضية»، أجابني، «لقد جعلتهما ينامان بدون عشاء. هذا كان عقابهما.»
كانت الخناقة حول الدرج الأخير الذي بحوزة جورج في المكتب القديم. أحد عينا تسنيو أصبحت سوداء، وحمل جورج العديد من الخدوش والكدمات من جراء ركلات عديدة. كانت الخناقة قصيرة ومختصرة لدى حضور الأم مهرولة إلى المشهد. تبادلا الركلات والصراخ والخدش واستحال المنزل إلى هرج ومرج.
عندما قدم الأب إلى المنزل ليلاً، استتب السلم وإن كان مؤقتاً. تسنيو، الأصغر، كان لا يزال هجوميا بعض الشيء، ولكن جورج كان مع إحلال السلام بشكل كلي.
وهكذا في الصباح، قال الأب، جلس الصبيان إلى المائدة وأكلا قصعة إضافية مملوءة برقائق الذرة. جلسا في هدوء وتناولا إفطارهما ولوهلة ظن الأب أنه لم يكن هناك من خناقة بينهما.
ولكن بينما جلس الصبيان أمامه لم يعجب الأب الهدوء الكائن في الزمان والمكان وبينما راقب ولديه يلتهمان بهدوء رقائق الذرة عرف أن وراء الهدوء، خلف الرؤوس الصغيرة، عيونهما الصغيرة تتوق للأشياء ويداهما تتطلع للكم والتحطيم، والمشكلة المختمرة التي هي القلق والتعاسة في الأرض تنشط مرة أخرى.

الغد واليوم
هاتسوي هي الشقيقة الأكبر لمينيكو، الحلوة. أنهم يسكنون في البيت اعلى شركة يوكوهاما للأسماك على الشارع الثامن وبينما تعمل مينيكو داخل البلدة في مخزن لبيع الأدوات الفنية، تبقى هاتسوي في البيت فتريح والدتها من الأعمال المنزلية والطبخ والخياطة. مازالت تقوم بنفس العمل الروتيني لمدة ثماني سنوات أو أكثر ولكنها لا تنعق.
هنالك القليل الذي باستطاعتي فعله لأظهر هاتسوي بمظهر رومانتكي مثلما قد أستطيع فعله لشقيقتها الصغرى التي هي صغيرة وحلوه وحيوية. كل ما يستطيع الإنسان قوله عن هاتسوي هو انها عادية وربة منزل قديرة. وإذا كنت تتكلم بقسوة عن الموضوع كله فتقول انها قبيحة، أقبح فتاة شابة تراها في حياتك.
هنالك مرة في الأسبوع رفع معنويات في حياة هاتسوي.
مثلاً ذهبت هذا الأسبوع لتشاهد كلارك غيبل في فيلم «قبطان البحرية» في سينما فوكس – اوكلاند. لا اعتقد انها فوتت فيلماً من افلام كلارك غيبل منذ أن بدأت تهتم به. في غرفتها لديها نسخ من جهاز صور قديم في هوليود وسكرينلاند تتضمن صوراً لكلارك غيبل. انها خجولة جداً لتقصي حول صورة وجهه وتلصقها على الحائط كما تفعل ينيكو بممثلها المفضل روبرت تايلر.
إذا هاتسوي تفعل الشيء الثاني الأفضل. فهي تجمع النسخ القديمة وتضعها جانباً في رف خاص. عندما تكون في حالة نفسية سيئة وتشعر أنها تريد أن تغني وترقص في داخلها، تذهب إلى ذلك الرف الخاص وتشد المجلات وتتأمل الصور ملياً.
بطريقتها الهادئة تحسد هاتسوي اختها الحلوة الدائمة الدخول والخروج من وإلى البيت، تتحرك بخفة هنا وهناك دون لحظة من الراحة. اعتقد انه بإمكانها السفر بعيداً لو كان باستطاعتها تبني موقف مينيكو من الحياة، من الرجال، وكل شيء آخر، تواجه الاشياء مباشرة ومعالجتها مباشرة. هي متأكدة أن مينيكو حتماً أكثر سعادة لأنها تهتم فقط بالحاضر وما تبقى فليذهب إلى الجحيم.
تصرف شقيقتها الصغرى غير مسؤول وسطحي. حتما مينيكو تحصل على كل شيء يأتي لها، ملابس جيدة، عديد من الرجال تخرج معهم، جسد جيد، رياضة جيدة، وقليل جداً من القلق حول أي شيء يدور حولها. من الغباء الظن أن هاتسوي بإمكانها أبداً أن تقف بنفس الموقف وتصبح مينيكو ثانية. بالنسبة لها، ذلك بمواجهة الأمور مباشرة، نادراً ما يفيدها. كل ما تستطيع فعله بما لديها هو أن تنظر إلى المستقبل الذي هو مظلم، مجهول متأملاً في أبسط الامور. هذا ما تفعله عندما يكون هنالك احساس مشجع في ذاتها وهي ترى كلارك غيبل يؤدي على الشاشة.
الشجار بين هاتسوي ومينيكو يحدث بسبب شيء تافه قد لا يحسب له حساب مرة ثانية. ربما تكون حول الفوضى الدائمة في غرفة مينيكو، أو عن طريقة هاتسوي الرديئة في كوي فستان مينيكو. واحد أو أخرى لا يهم. والشيء الوحيد الذي يهم في الشجار هو طريقة مينيكو بالكلام عن الاشياء الواضحة عن هاتسوي والتي كان منبعها الكره وحقيقة القول.
قالت في حمى الصراع، «أنت قبيحة، يا هاتسوي! أنت قبيحة لدرجة أنك لن تجدي رجلاً ينظر إليك».
وبهذه الضربة القاضية من مينيكو كل شيء آخر توقف، وأصبح مباشرة بلا لون، ضعيف، وخامل. كانت تعرف مباشرة انها ليست جميلة. اعترفت لنفسها بأنها ليست حتى مقبولة الشكل. لذلك فعندما قالت اختها بشكل فجائي انها قبيحة لم ترتعب. كانت متوقعة تعليق من هذا النوع. ولكن الاعتراف بانها قبيحة مرة تلو الأخرى وفاقدة للأمل جعلها مريضة. لم تخف كونها قبيحة في نفسها، هذا قبلته. ولكن أن يرى الآخرون بها كل هذه القباحة لم يعطها أي أمل وخيبة أمل شديدة تنتظرها.
بعد بضعة أسابيع، عندما كانت تذهب بشكل دائم إلى السينما وتشاهد كلارك غيبل وآخرين، تبخر الجو الرومنتيكي القديم، والأمل الرومنتيكي الذي كان لديها وكانت تحافظ عليه بدا وكأنه نكته. وبعد فترة قليلة كل شيء بدا هزلياً وطعنة في إنسان مثلها. كل شيء كان فكاهياً وبائساً. لم يكن لديها أي شيء لتكسبه وتتأمل منه. لم تعد حتى تستمتع برؤية كلارك غيبل يثب امامها بأدوار رومانتيكية. في الأعلى في غرفتها كانت تجلس وتنظر في صور كلارك غيبل وتهز رأسها تنتظر المستقبل لينزل.
فيما بعد، عندما استعادت هاتسوي نفسها وفقدت مينيكو عدائيتها واستعاد كلارك غيبل شهرته في عينيها، بدأت تتحرك حول البيت كما كانت تفعل. بدأت تنسحب إلى الخارج مرة أو اثنتين في الأسبوع إلى السينما، ورغم انها لم تعد تستطيع أن تكون متأملة وحميمه كالسابق.
وجدت انها مازالت تملك أملاً ضئيلاً بأن شيئاً سيحدث يوماً ما. بالطبع، لم تكن تتوقع أن تلاقي أو تتكلم مع كلارك غيبل، لم تكن تتمنى أو تريد ذلك. ولكن إن كانت مرة قد تراه في هوليود يأتي لافتتاح فيلم، ينزل من سيارته الفخمة، فهذا سيكون شيئاً لطيفاً.
ألطف ما في هاتسوي هو أنها متأملة بالرغم من حقيقة أنها فاقدة الأمل. تعرف أنها ليست جميلة ولكنها متفائلة انها ليست كل القباحة للآخرين. هذا شيء. وعندما تملك بصيص أمل بالمستقبل أو بكلارك غيبل، فهي مازالت تمتلك شيئاً حياً لتعمل به وهذا شيء.
هذا يوم الغسيل لهاتسوي. من شرفتي الخلفية أستطيع أن أراها تتحرك حول ساحتها. خلال عشرين دقيقة عليها أن تعود إلى المطبخ وتجهز العشاء للعائلة. في الصباح انهت مهام المنزل الاسبوعية. غداً عندها خياطة لتقوم بها وكوي وغسيل بعد الظهر. يوم السبت ليلاً عندما تنتهي من مهامها تذهب إلى السينما حيث يمثل كلارك غيبل أحد المفضلين. عندما تعود من السينما تأخذ حماماً ساخناً وترتاح.
عندما يكون واحد حول المكان لفترة من الزمن، فالنظام مألوف ولا يركز عليه. يبدو خاملاً وباهتاً. ولكن في هذا النظام هنالك الإثارة التي تقبض الانفاس الحية والغريزة، رغم أن نتاجها ومستقبلها شيء واضح جداً. بالرغم من كون أملها غير محقق فليس هناك من سبب لأن لا تكون محبة لكلارك غيبل.
تعود هاتسوي إلى المطبخ تراقب حلة بخار بها رز، تقطع لحمة السوكوياكي وتغسلهم وتقطعهم إلى قطع صغيرة. هذا النوع من الاشياء يستمر كل دقيقة، كل ساعة، كل يوم في المنزل وم ازلت هاتسوي تزداد قوة. بينما تتحرك حول المكان يوماً إلى الداخل ويوماً إلى الخارج فهذا ليس لأنها شجاعة ومقدامة أو مأساوية وسوداوية هذا شيء مهم حول حياتها، ولكنه يومها هو الحاضر واليوم الذي هو غداً الذي هو يومها والذي لن يكون.
هامش
(1) الشيباي: مصطلح يستعمل في ولاية هاواي. يستعمل لمن هم مدّعون أو منافقون.

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …