أحمد يوسف دخلتُ إلى عالم المناهج النقديّة الحديثة من بوّابة الأدب الشعبي!

حاوره : عبدالرحمن المسكري

ارتبط اسم الأكاديميّ الجزائريّ أحمد يوسف بانهمامه العميق بالدرس النقديّ والفلسفيّ، ارتباطًا كبيرًا أوثقه منجزُه البحثيّ الواسع والمؤسِّسِ في الدراسات النقديّة الحديثة على وجه العموم، وفلسفة العلامة والدراسات السيميائيّة على وجه الخصوص.
نصُّه النقديّ؛ تطبيقا وتنظيرًا، زاخرٌ بالرؤى والتحليلات العميقة، يُقيم علاقات حواريّة بين المعطيات الفكريّة الغربيّة، وبين ما ينضح به تراثنا العربيّ؛ أدبًا ونقدًا وفكرًا وفلسفة، جامعًا كل هذه المعطيات في رؤية نقديّة تتشافع فيها الروافد المعرفيّة المتعددة.
وقد تمخضت عن هذا المنجز النقديّ عشرات الكتب والمقالات المحكّمة والأعمال المشتركة، من أهمها: “السيميائيّات الواصفة، المنطق السيميائيّ وجبر العلامات 2005″، ” الدلالات المفتوحة، مقاربة سيميائيّة في فلسفة العلامة 2005″، “سيميائيّات التواصل وفعالية الحوار2004″، “السلالة الشعرية في الجزائر، علامات الخفوت وسيمياء اليتم 2004″، ” القراءة النسقية، سلطة البنية ووهم المحايثة 2003″، “يتم النص والجينالوجيا الضائعة 2002″،”علامات فارقة في الثقافة والفكر والأدب 2013″، “النظريّة السيميائيّة، من العلامة إلى الخطاب 2018” وغيرها من الكتب والأبحاث المحكمة التي يضيق المقام عن تعدادها.
وهو إلى جانب ذلك، أستاذ أكاديميّ من الطراز الرفيع، لا يقتصر انشغاله بأعباء التدريس المعتادة وحسب، بل يحمل إلى جانب ذلك حُلُم تأسيس جيلٍ من الباحثين النقاد، كما أنّه استطاع أن يُخرج الدرس الأكاديميّ من الجامعة إلى الفضاءات الاجتماعيّة الرحبة، من خلال إقامة الفعاليّات الثقافيّة العامّة المؤطرة بالإطار المنهجيّ، مستدعيًا عددا من التجارب الأدبيّة القارة في المشهد العُمانيّ.
حصل الأستاذ أحمد يوسف على دكتوراه في الأدب العربيّ عام 1999، وعلى دكتوراه الفلسفة ثانية في 2002، وزاول تكوينه في جامعة ستراسبورغ بفرنسا. عمل في عدد من الجامعات العربيّة، وهو حاليًّا أكاديميّ في جامعة السلطان قابوس.
في هذا اللقاء الذي أجريناه في مقر مجلة نزوى، سعينا إلى تقفي أثر العلامات في تجربة الأستاذ أحمد يوسف النقدية، بحضور الكاتبة الروائية هدى حمد.
•أود بداية أن أسألك عن المرجعيّات العلميّة التي تأسّست عليها، والتي أطّرت مجال بحثك النقديّ؟
ألخّص تكويني في ثلاث محطّات أساسيّة: الأولى هي المحطة العلميّة التي تتعلق بتخصصي الأوّل في الرياضيّات، وأحسب أنّني كنتُ شغوفًا بهذا العلم، ومتميّزًا فيه، وماهرًا في حساب النّهايات؛ وهو ما أسهم في تكوين روحي العلميّة وتفكيري النقديّ، فروح الرياضيّات أكسبتني روحَ الصّرامة والدقّة العلميّة التي ترى بأنّ الحقيقة لا يمكن أن تكون إلا على أسسٍ سليمة في التّفكير والاستدلال والبرهان؛ ولذلك أنا مدين للرياضيّات في تشكيل وعيي وتفكيريّ وحتى كتابتي؛ ولكنّي لم أكتشف قيمة الرياضيّات حتى اطّلعت على الفلسفة والمنطق والسيميائيّات، وتحسّرت كثيرًا على أنّني لم أواصل دراستيّ. وكان ذلك يمكن أن يجعلني أقرب إلى فيثاغورس وإقليدس والخوارزميّ وديكارت ولايبنتز ونيوتن وجورج بول وآلان تورنغ وبورس وبيانو وفريجه ورَسل. إنّ الرياضيّات والسيميائيّات كلاهما أمّ العلوم.
وما كنت أحسب أنّ القدر سيُلقي بي ذات يوم في محيط الأدب واللغة والفلسفة؛ وعليه فإنّ المحطة الثانية كانت الفلسفة والدين، التي بدأت معي في وقت مبكر وأنا في المرحلة الإعداديّة، وتعود ثقافتي الدينيّة إلى اشتراكي في مجلة الأصالة التي كانت تصدرها وزارة الشؤون الدينيّة آنذاك، وكانت تنشر بعض محاضرات ملتقى الفكر الإسلاميّ الذي كان يُعقدُ سنويًّا وفكرتُه تعود إلى المفكر الجزائريّ مالك بن نبيّ، فقرأت في هذه المجلة أبحاثًا علميّة رصينة في الفقه وأصوله وفي المذاهب والعقائد.
أمّا في مجال الفلسفةِ فالفضل يعود إلى مجلة العربيّ الكويتيّة التي كانت منارة ثقافيّة؛ إذ كان لها تأثير كبير آنذاك في الثقافة العربيّة؛ وذات مرة وقع بين يديّ عدد من أعدادها؛ وإذا فيه مقال عن شوبنهاور، فقرأته بنهم، وتأثّرت به أيّما تأثير، فأكسبني مسحة تشاؤميّة سطحيّة قاتمة عن الحياة، وأورثني إن شئت شيئًا من الحزن أو قليلًا من الشجن العميق. من هذه اللحظة بدأت تتشكل قراءاتي الفلسفيّة، وقد كان أوّل كتاب اشتريته في المرحلة الثانويّة عندما انتقلت من القرية إلى المدينة “السماء والآثار العلويّة” لأرسطو، ترجمة عبد الرحمن بدوي، -وكنت أحلم بأن أصبح عالمًا وفيلسوفًا في يوم من الأيّام- لماذا هذا الكتاب بالذات الذي لم أفهم منه شيئًا؟! لعله ذلك الطموح، وتلك الروح العلميّة والحنين إلى الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة التي لم أرد لها أن تتزعزع في داخلي، وقلت لا بد أن يلتقي العلم بالفلسفة؛ فالسماء هي الظاهرة الطبيعيّة، والآثار العلويّة هي الميتافيزيقا، وسأدرك فيما بعد أنّ ديكارت كان أوّل من فصل بين الفيزيقا والميتافيزيفا.
وعندما بدأت أقرأ الأدب، وهو محطتي الثالثة، أسرني الشاعر العربيّ الكبير أبو العلاء المعرّي، وأورثني أيضًا ما أورثني إياه شوبنهاور من حسٍّ مأساويّ ونظرة سلبيّة عن الحياة، ووجدت استجابة عندي، وأنا في عزّ المراهقة؛ حتى إنّني اشتريتُ كرّاسًا صغيرًا، وقلت إنّني لا بدّ أن أكتب كتابًا يجمع بين شوبنهاور والمعرّي. لا أعرف ما الذي كتبته حينها في ذلك الكرّاس؛ فقد ضاع أثناء تنقلاتنا من مكان إلى آخر.
تعود قراءتي للأدب في بداية الأمر إلى والدي – رحمه الله – الذي أهديته كتابي “علامات فارقة 2013″؛ إذ اشترى لي وأنا في الصف السادس الابتدائيّ كتابين صغيرين؛ أمّا الكتاب الأول فربعٌ من القرآن الكريم مرسوم بالخط المغربيّ على أوراق صفراء، وأمّا الكتاب الثاني فقصّة منتخبة من حكايات ألف ليلة وليلة، بطبعة تونسيّة، وكانت هذه من أولى الهدايا التي تلقيتها من والدي رحمه الله. وفي هذا السياق أتذكر أنني قرأت عن ابنة أحد المستشرقين -عندما كان سحر الشرق مستوليًا على ألباب الغربيّين – وهي تلحّ على أبيها لزيارة الشرق، والعيش فيه، فقال لها إذا أردت أن تعرفي الشرق فعليك بالقرآن الكريم وألف ليلة وليلة.
لقد أهداني أبي في بداية حياتي القرآن الكريم (الكتاب المقدس)، وحكاية ألف ليلة وليلة (الكتاب الدنيويّ)؛ ولهذا قلت في الإهداء: “وضع بعفويّة اختياره بين يديّ الدين والدنيا، وترك لي طريق البحث عن بهاء النسق وهباء التأويل”. ولا أنسى ذلك التشجيع الذي حباني به معلّمي أولهاصي نور الدين متّعه الله بالصحة والعافية.
وعندما انتقلت إلى المرحلة الإعداديّة درّسني أستاذ مادة اللغة العربيّة واسمه غول محمد، وقد كان أستاذًا نشيطًا وحيويًّا أثّر فيّ أيّما تأثير؛ إذ كان شعلة وليت المعلّمين يكونون من طينته، ومما أذكره عنه أنّه ذات مرّة قدّم لنا طه حسين بطريقة عجيبة، ويندرج هذا في الإبداع التربويّ؛ فقد أخذ شريطًا مسجلًا لحوار مع طه حسين في أثناء زيارته للمغرب، فاستمعنا إليه، ثمّ وزّع علينا الأسئلة التي طُرحت عليه من قبل الصحفيّين والحضور، وكنا كأنّنا نحن من يسأل طه حسين في الشريط المسجل، وأذكر أنّ السؤال الذي طرحته على طه حسين: ما رأيك فيما قلتَه عن الشعر الجاهليّ؟ لاحظ أنّ موضوع التشكيك في الشعر الجاهليّ نشأ معي وأنا في المرحلة الإعداديّة، وأتذكر الآن صوت طه حسين يرنّ في أذني عندما أجابني بقوله: لقد كانت نزوة من نزوات الشباب!
سلكت في الثانويّة المسلك العلميّ، ووُجِّهت إلى تخصص الرياضيّات، وقبل دخولي الجامعة لم يكن حلمي بأن أكون أكاديميّا على الإطلاق؛ فقد كان مبلغ حلمي أن أكون معلّما؛ وحسبي من الأمر كله أن أكوّن عائلة، وأصنع بيتا، وأستقرّ فيه، وينتهي حلمي عند هذا الحد! لذلك بدل أن أتوجّه إلى الجامعة، يمّمت وجهي قِبَل معهد تأهيل المعلمين، واخترتُ تخصّص اللغة العربيّة؛ ذلك أنني أحببت العربيّة حبًّا جمًّا وتشرّبت روحها بعشق.
وقد كنّا حينها في الجزائر حديثي العهد بالاستقلال بعد خروج “الاستدمار” الفرنسيّ كما يطلق عليه المفكّر الجزائريّ مولود قاسم؛ إذ كاد يطمس هُويَّتنا الدينيّة والثقافيّة، ويقضي على عربيّتنا التي هي قوام وجودنا، فكانت الحاجة ماسّة إلى تدريس العربيّة، ورأيتُ أن من واجبي تكريس جهدي لتعليم العربيّة ونشرها؛ ولأنّني متخصص في الرياضيّات، كان تكويني المدرسيّ في العربيّة ناقصًا؛ إذ لم يتحْ لي دراسة الموادّ الأدبيّة بالتفصيل المعروف، وعندما تقدّمت إلى اختبار المسابقة، تفاجأت بأسئلة لا علاقة لتكويني الأوليّ بها؛ ولذلك توقعتُ أن لا يكون لي حظ في النجاح، غير أنّني فوجئت بنيلي الرتبة الأولى من مجمل 500 متقدم!
التحقت بمعهد التأهيل؛ لكنّني اصطدمتُ أول يوم بسؤال أستاذ العربيّة عن تخصّصي، وعندما أخبرته به استشاط غضبًا، واستنكر عليّ التحاقي بتدريس العربيّة أيّما استنكار، بل قال لا أريد أن أراك بعد اليوم في الصفّ، وكان مبعث استنكاره أنني فوّتّ على نفسي الحاجة إلى التخصّص في الرياضيّات، وأنّ العربيّة ما ينبغي أن تكون مطيّة للفاشلين في التخصّصات العلميّة، بغض النظر عن تفوقهم وتميّزهم!
تقبّلت هذه الصدمة؛ ولكن أصررتُ على اختياري، ومن محاسن الأقدار أنّ هذا الأستاذ أصبح قدوة لي، وأبًا وصديقًا حميمًا ما زالت تربطني به أواصر المحبّة. كان لهذا الأستاذ – واسمه أحمد صالحي- فضلٌ كبيرٌ عليَّ في تكويني التراثيّ الرصين. فقد كان معلّما مثاليًّا اكتسبت منه الدقّة والصرامة والإخلاص والتفاني في العمل، فكان يشجّعني على قراءة أمَّات كتب التراث، ويوجهني إلى البحث العلميّ؛ إذ ساعدني الأستاذ أحمد صالحي على بناء أسس صلبة في قراءة التراث العربيّ وتمثّله؛ ولذلك لم يكن لديّ لاحقًا أيُّ شعور بالانفصام بين الحداثة والتراث، وترسّخ هذا الشعور أكثر بفعل ما وجدته في صورة أستاذي الدكتور عبد الملك مرتاض الذي كان حجابًا لنا في الجامعة ضد سطوة التقليديّين، وداعمًا لنا في ارتياد آفاق الحداثة.
وأذكر في هذا السياق، أنهّم كانوا يعطوننا منحة ماليّة صغيرة في معهد التأهيل هذا، وهي أول دخل ماليّ أحصل عليه، فاشتريتُ بهذه المنحة الزهيدة كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهانيّ بأجزائه الثلاثة والعشرين، وهذا المصدر ما زال في مكتبتي. وأذكر وأنا خارج من تلك المكتبة في المدينة القديمة بوهران أحمله رفقة زميليّ؛ واجهني أحدهم عند باب المكتبة بقوله: هل أنت تحضر الدكتوراه؟! وما كنت أدري حينذاك ما الدكتوراه؟! وأذكر كذلك أنّ ثمن الكتاب لم تكفه تلك المنحة، فاستلفت من صاحبي جزءًا من منحته، وقرأت كتاب الأغاني بأجزائه الثلاثة والعشرين قبل أن أدخل الجامعة!
• أما كنت قد قررت العدول عن دخول الجامعة؟
بعد أنهيت معهد التأهيل، كنت مصمّمًا على تحقيق حلمي، وأكتفي بأن أكون معلّمًا في المدرسة وحسب. ومع أنّ نظام المعهد ينصُّ على أنّ المتفوقين والحاصلين على المراتب الأولى في الدفعة يحقّ لهم إكمال التعليم الجامعيّ (مرحلة الليسانس) للتدريس في التعليم الثانويّ مع حصول على منحة محترمة طوال أربعة أعوام؛ إلا أنّني وعلى الرغم من ذلك، كتبتُ لهم يومها بأنني لا أريد المواصلة، وأكتفي بالتأهيل!
غير أنَّ الأستاذ أحمد صالحي، الذي آمن بقدراتي وراهن على إمكاناتي؛ أصرّ على أنْ أواصل الدراسة، وقد دفع بالملف في غيابي للالتحاق بالجامعة؛ ومع ذلك “عصيتُ” أمر الأستاذ! والتحقت بإحدى المتوسطات الإعداديّة؛ فإذا بي أصطدم بمديرة كانت في غاية القسوة والتسلّط؛ فساقها القدر لتكون سببًا في إكمال دراستي الجامعيّة، وكان المجال أمامي ما زال مفتوحا، حينها عدلت عن قراري، والتحقت بجامعة وهران.
أذكر أنّني عندما التحقت بالجامعة، كنت أشعر بأنّ تكويني متقدم على أقراني، فكانوا يسألونني في السنة الأولى ما إذا كنتُ أدْرُس في مرحلة الماجستير أو أنّني طالب في مرحلة التخرّج؟! وفي إحدى المحاضرات سألت أستاذًا كان يدرس لنا الأدب الجاهليّ، فأثاره سؤالي الآتيّ وأنا في السنة الأولى: لماذا يغيب الحسّ الدراميّ في الشعر الجاهلي؟ وعندما انتهت الحصة طلب منّي أن أبقى معه، وسألني باستغراب: ماذا تقرأ؟ فقلت له قرأت الثابت والمتحول ومقدمة للشعر العربيّ لأدونيس.
كان عندي إقبالٌ منقطع النظير على قراءة التراث متأثرًا بأستاذي أحمد صالحي؛ لكن في الوقت نفسه نما عندي ميل إلى الحداثة بحكم متابعتي للحراك الثقافيّ والأدبيّ آنذاك وخصوصًا أنّني كنت أتابع مجلة آمال للأدباء الناشئين وكذلك ملحق النادي الأدبيّ لجريدة الجمهوريّة التي تصدر بوهران، وقد تمكنت من النشر فيهما وأنا طالب، كما نشرت مقالًا عن موقف الإسلام من الشعر وأنا في السنة الثانية الجامعيّة في جريدة العصر. كان جيلي يحلم ببناء دولة حديثة، منفتحة على العالم ثقافيًّا وفكريًّا.
كان يشغلني الشعرُ أيضا، وفي الشعر التقيت بشاعر مصريّ أحببته كثيرًا، ألا هو الشاعر صلاح عبدالصبور، الذي سيأتي مع كوكبة شوبنهاور والمعرّي، فورّثني الحزن هو الآخر، وقد كنت اقتنيت ديوانه قبل أن أدخل الجامعة، وأدندن بأشعاره في الطرقات، وما كنتُ أدري أنه سيكون موضوعًا لبحثي في الدراسات العليا! هذا الشاعر قادني إلى أن أقرأ نيتشه؛ لأنّني عندما قرأت تجربة عبد الصبور وتفاصيل حياته؛ وجدته يقول بأنّ الذي انتشله من جبران خليل جبران في “دمعة وابتسامة”هو”هكذا تكلم زرادشت” لنتشه! وقادني ذلك إلى فلاسفة الاختلاف.
قرأت صلاح عبدالصبور، مع أنّ السائد آنذاك كان قراءة شعراء الواقعيّة الاشتراكيّة، مثل: ناظم حكمت ولوركا وعبد الوهاب البياتي وعبد الرحمن الشرقاوي ومعين بسيسو، وشعراء آخرين مثل بدر شاكر السيّاب وخليل حاوي، ونزار قباني وبلند الحيدري وعبد المعطي حجازي وتجربة مجلة شعر. وقد تأثّرت في هذه المرحلة انطلاقا من صلاح عبدالصبور بالواقعيّة من وجهة وبالفلسفة الوجوديّة من وجهة أخرى. وكانت الفلسفة الوجوديّة هي المحطة الأولى التي التقتْ فيها الفلسفة بالأدب، فقرأت فلسفة هيدغر وكيركيغارد وجون بول سارتر، ووجدتني أقرأ الوجودية العبثيّة لألبير كامو، والذي قربّني إلى هذه العوالم مؤلفات عبدالرحمن بدوي “الموت والعبقرية” و”الصوفية والوجوديّة”. هؤلاء كلهم شكلوا قراءتي الأولى في مرحلة الليسانس بالجامعة؛ ولذلك عندما ولجت عالم صلاح عبدالصبور الشعريّ ولجته من منظور الفلسفة الوجوديّة.
تشاء الأقدار في السنة الثانية من الجامعة، أن أحضر مناقشة عبد الله العشيّ وهو من الأساتذة المتميّزين لرسالته في ماجستير حول الحس المأساويّ في شعر صلاح عبدالصبور، وعندما قرأت رسالته الجادة؛ وجدت صلاح عبدالصبور غير الذي ارتسم في وعيي النقديّ، وقرّرت آنذاك أن أنجز رسالة ماجستير عن صلاح عبدالصبور، فشرعت في كتابة بعض فصولها قبل أن أنهي مرحلة الليسانس، وكان مدارها على القلق، فاصطفيت لها عنوان: “تجليّات القلق في شعر صلاح عبدالصبور”. درست فيها ثلاثة مستويات: القلق الرومانسيّ، والقلق الوجوديّ، والقلق الصوفيّ، وكانت الكتابة عندي مزيجًا بين الأدب والفلسفة. وعندما أكملت المرحلة الجامعيّة الأولى كنت الأول على المستوى الوطني في الدفعة. أنجزت بعدها الماجستير قبل كل زملائي، وأصررت على أن أكمل دراستي عن عبدالصبور فقد كان رفيقي في الحياة، وكنت أراه الإنسان النورانيّ مع أنّه كان يساريًّا ماركسيًّا؛ بيد أنّه صار في سلام مع الله.
وحينما حصلت على منحة لإكمال الدكتوراه في فرنسا، سجلت في جامعة ستراسبورغ، فالتقيت بالأستاذ المشرف لوضع الخطة والبرنامج، وجدته صارما لا عاطفة في حديثه، وطلب مني أن أقرأ عشرة كتب قبل أن نبدأ لقاءاتنا لمناقشة الخطة والبرنامج، وراح يعددها: رولان بارط، جوليا كريستيفا، إمبرتو إيكو، وبول ريكور، وأعطاني القائمة. حين نظرت إلى القائمة بدأت أبتسم، فسألني عن ابتسامتي فقلت له، هذه الكتب لم أقرأها وحسب؛ بل درَّستها لطلبتي!
وبالمناسبة، في مرحلة سابقة عندما عينت معيدا في الجامعة كانوا يسندون إليّ تدريس أدنى المقررات من وجهة النظر العامة، وهو مقرر الأدب الشعبيّ، الذي كان ينظر إليه نظرة دونيّة مقابل المقررات الأخرى كالنقد والبلاغة وغيرها، إلا أنّ هذا الباب كان مدخلي للحداثة، لأنّني عندما درّست الأدب الشعبيّ درّستهم إياه بمنظور فلاديمير بوب: مورفولوجيا الحكاية، والأنثربولوجيا البنوية لكلود ليفي ستراوش، فقد كنت أدرسهم الأدب الشعبيّ بالمناهج النقديّة الحديثة؛ هكذا دخلت إلى المناهج النقديّة الحديثة من بوابة الأدب الشعبيّ. وبعد ذلك أصبحوا يسندون إليّ تدريس مقرر النقد الحديث، فالتقيت بالأنثربولوجيا مرة أخرى وبالبنويّة وشيخها كلود ليفي شتراوس.
وأذكر من بين الأشياء أيضا في مرحلة لاحقة، أنه كانت تسند إليّ المقررات الجديدة والمستعصية؛ تخلّصًا منها؛ من ذلك مثلا عندما أسند إليّ تدريس نظريّة القراءة، أما أنا فقد كنت أراها سانحة لأقرأها. وعندما ذهبت في العام الذي بعده إلى فرنسا، اشتريت كتاب حدود التأويل لإمبرتو إيكو، وبعد أن اطلعت عليه قلت لو أنّ أحدًا قد استمع إلى محاضراتي لقال إن أحمد يوسف يدرّس من هذا الكتاب، لأنني وجدت بينهما نقاط تلاق وتشابه. والأمر نفسه حدث في كتابي: القراءة النسقية، حينما اضطررت إلى حذف ثلاثة فصول منه بسبب ترجمة عز الدين إسماعيل لكتاب نظريّة التلقي، لأن ما كتبته تقريبا هو نفس الذي كتبه، فحذفت الفصول خشية أن يقال بأن ما كتبتُه منحول، ذلك أنّ كتابه صدر قبل ذلك؛ ومع ذلك أعطاني هذا التقاطع والتشابه دافعًا نفسيًّا، وهو ما نفتقده في مجتمعاتنا التي لا تحسن إلا تحطيم الذات.
•حديثك هذا يقودني إلى سؤالك عن طبيعة المشهد الثقافيّ والسياسيّ في الجزائر آنذاك، لا سيما وأننا نتحدث عن مرحلة خرجت فيها الجزائر من أتون الاحتلال وقتذاك؟
في ذلك الوقت كانت تتجاذب المشهد السياسيّ والثقافيّ تيارات فكرية متباينة، وقد بدأ ما كان يعرف آنذاك بالصحوة الإسلاميّة. وقد لاحظ المحيطون بي من مختلف التيارات ولعي ودأبي على القراءة، فبدأوا يستميلونني ويستقطبونني، فقد كان معنا زملاء ذوو توجهات إسلامية، لم يجادلوني في بادئ الأمر؛ لكنهم بدأوا يعطونني كتبا، ككتب السيد قطب، وقد قرأت السيد قطب حينها؛ فأثر فيّ تأثيرًا كبيرًا، لا سيما كتبه: معالم في الطريق، وأفراح الروح، ومقدمته في ظلال القرآن، والآن أدركتُ سبب تأثري العميق به؛ ليس لأنه ذلك الرجل الإسلاميّ؛ الذي لا أعتبر اليوم فكره فكرا غاضبًا، ولّدته بيئة استبدادية، كانت تتعامل مع الخصوم بالتعذيب والتعنيف، فتحوّل فكرهم إلى ممارسة العنف والتكفير، وخسرنا ناقدًا سبق أن اكتشف موهبة نجيب محفوظ، وأدركت لاحقًا أنّه أديبٌ بارع البيان، وقرأت له فيما بعد روايته “المدينة المسحورة” و”طفل في القرية”. في المقابل؛ كان معنا أستاذ رحمه الله عراقيّ معروف بانتمائه الماركسيّ، يحاول أن يجنّد الطلاب النجباء، وكان يحترمني، وحاول أن يقربني إليه، لكنّه لم ينجح في أن يجعلني ماركسيّا شيوعيّا.
إضافة إلى ذلك قرأت في مرحلتي الجامعيّة من الكتب الفلسفية: الوجودية، والماركسية، والفلسفة النقديّة التي كانت تعتاص عليّ كثيرًا في ذلك الوقت. وأذكر أنّني قرأت كتاب الزمن والأدب لهانز ميرهوف، وحلّلت به قصيدة من حيث مفهوم الزمن، وأذكر أنني كنتُ في صراع مع الأستاذ، وكان أستاذًا ماركسيًّا، وعندما كنت أتكلم عن الزمان والمكان في الدراسة الأدبية في الشعر، كنت أتمثل مفهوم الزمن عند كانط الذي لا يرى له وجودًا ماديًّا، وهو المفهوم الأقرب إلى الأدب، لأنّ الزمن ليس متريًّا؛ وإنما هو مرتبط بالحس، فالزمان هو ما يُوجده الحس، أما الأستاذ فكان متشبّعًا بالواقعيّة الماركسيّة والشيوعيّة، وكان يقول لي أنت دائما ما تستشهد بفلاسفة رجعيين مثل هيجل وكانط، فقلت له إذا كان كانط رجعيًّا، فمن التقدميّ! هذه الرجعيّة كانت توزع بالمجان مثلما كان لوكاتش يرى أدب كافكا أدبًا رجعيًّا، كانت عنده الحداثة أيضا رجعيّة؛ لأنها ليست في الصف والنظام من منظور الأيديولوجيّة الماركسيّة.
في هذا المناخ المتجاذب عشت تلك المرحلة، وقد أفدت من الجامعة هذا الصراع الذي كان محتدمًا فيها بين التيّار الإسلاميّ وتيّار اليسار، هذا الجو الذي كان مشحونا بالاستقطاب، غير أنّني كنت حرًّا في تفكيريّ، ولم أكن منضويًا في أيٍّ من الفريقين، بل كان عندي أصدقاء من الإسلاميّين، وأصدقاء من اليسار، وكان اليمينيّون يحذّرونني من اليسار، والعكس كذلك. وبين هؤلاء وهؤلاء، كنتُ أشعر بالحريّة. من ذلك الوقت لم تكن العاطفة هي التي تقود تفكيريّ؛ بل التفكير النقديّ. وقد كنت أرى بأنّ هؤلاء على حق في جانب، وأولئك على حق في جانب آخر؛ وكنت أرى أن المشكلة ترجع إلى عدم فهمهم لأفكار الآخر؛ لذلك عندما أكون مع اليساريّين أدافع عن وجهة نظر “الإسلاميّين”، وعندما أكون مع “الإسلاميّين” أدافع عن وجهة نظر اليساريّين! وكنت أقول لهم لماذا لا تقرؤون!
في هذا الإطار تشكّل وعيي نتيجة هذا الجمع المحتدم بين هذه التناقضات التي تبرز جدليّة الفكر، وأنا أتحسر على حال الجامعات التي انعدم فيها هذا الحَراك الثقافيّ والفكريّ؛ لأنّ الوعي يحرّكه الصراع الذي به ندرك الواقع؛ وهو قائم على منطق الإيجاب والسلب.
تصالحت في داخلي هذه الأضداد، وإن كان يرى بعضهم أنّ في ذلك تناقضًا، فكما يقول جلال الدين الرومي: “ما يبدو لنا متناقضا، إنّما هو انسجام خفي”. وهذه المنزلة الروحيّة ليست متاحة للجميع. فثمة تناقضات في الحياة؛ لكن الإنسان هو من يجعلها متناغمة ومنسجمة مع ذاته؛ هذا هو أنموذج الإنسان الذي أنشده فهي ليس ملاكًا، وليس شيطانًا؛ لهذا أقول بأنّ الطريق الذي وجدت فيه نفسي هو أشبه بحال اللامنتمي! لكن هذا اللاانتماء له أبعاد إيجابيّة. إنّه اللاانتماء المنحاز إلى كل ما هو إنسانيّ. فالإنسانيّة هي سدرة المنتهى في عالم الناسوت.
ولذلك أحب أن أشير في هذا السياق إلى فضح محمد الغزالي لظاهرة التديّن المغشوش. فكما أنّ لدينا تديّنًا مغشوشًا، هناك أيضا إلحادٌ مغشوشٌ ويسارٌ مغشوشٌ وعلمانيّةٌ مغشوشة ووطنيّةٌ مغشوشة؛ لدينا في الحالات كلِّها غشّ! وهذا مؤشرٌ على أنّه ما إن دخل الغشّ مجالًا إلّا شانه، وفقد معه الإنسان إنسانيّته.
وقد تعلمت فيما بعد أنّ أعلى الدرجات التي يلتقي فيها الدين والفكر والفلسفة هي الإنسانيّة، فلا يكون المتديّن متديّنًا حقيقيًّا إذا لم يكن إنسانيًّا، ولا اليساريُّ يساريًّا أو أي شيء آخر لا يكون كذلك إلا إذا كان إنسانيًّا؛ ففي المبتدى والمنتهى تكون الإنسانيّة هي المحجّ الأكبر. هذه الفكرة تشرّبتها من التربية التي تلقيتها من والدتي بالدرجة الأولى، ومن السرديّات الروحانيّة؛ إذ قرأت ذات مرّة قصة لمالك بن دينار، وأحسبها من السرد التخييليّ، ومدار الحدث في هذه القصة أنّ مالكًا قد مرّ على رجل مخمور، وإذا به يجلس إليه؛ ليمسح فمه، فقال له القوم: أمثلك ينزل إلى هذه المنزلة؟! فردّ بقوله: لقد سمعته يتلفظ باسم الجلالة؛ وأحببت أن يخرج اسم الله من فم نقي وطاهر. وفي الصبح ناداه هاتف في المسجد، قائلًا: أنت طهرت فمه من أجلنا، ونحن طهرنا قلبه من أجلك.
•من يقرأ لك أو يسمع منك، يجد سمة بارزة في مجمل أعمالك النقديّة، وهي أنك تقيم صلة بين معطيات الفكر الغربيّ فلسفة ونقدا وأدبا، وبين ما ينضح به تراثنا العربيّ من فكر ونقد وفلسفة، تدمج كل هذه المعطيات وتخرج بها ضمن رؤية نقديّة واحدة.. ما مدى أهمية تواشج العلوم والروافد المعرفيّة في مشروعك النقديّ؟
عندما أقرأ الجاحظ والمعتزلة اليوم، أو كبار البلاغيّين كعبدالقاهر الجرجانيّ؛ فإنّني أستدعيهم إلى حاضري؛ لأقرأهم بعيون زمنيّ من دون أن أغفل الشرط التاريخيّ الذي أنتج فكرهم، لأنّ الحداثة ليست إطارا زمنيًّا، هي لحظة تنبثق في جانب زمنيّ؛ لكنّها متعاليّة على الشرط الزمنيّ. ألج هذه الأيام في أدغال مارتن هيدغر، وأدرس علاقة الدلالة بالوجود، وأقرأ لفريجه ورَسل وكارناب ودافيدسن وكواين وكريبكه؛ وأرى أنّ الفكر هو واحد تجمعه نقاط تلاق؛ فعندما أقرأ أبا حامد الغزالي أرى ثمّة مواطن تلاق بينه وبين ما أثاره ديكارت وفريجه على سبيل المثال؛ لكننا نحن الذين لم نهتدِ إلى اللغة الواصفة التي تجعلنا ننظر إلى التراث والإبداع الفكريّ بغض النظر عن قوميّته أو جغرافيّته.
فعندما أقول إنّني معجب بمنطق ابن تيمية، فأنا لا أعني ابن تيمية السلفيّ، فما ذنب فكر ابن تيمية بأن يُستعمل من قبل آخرين استعمَالًا لا يرضينا؛ كثير من الناس يسقطون في هذه الأحكام، وفي هذه العداوات؛ مع أن ابن تيمية وغيره أنتج فكره في عصر معين، قبلناه أو لم نقبله هذا شيء آخر. وأقول يا ليت السلفيّين مثل ابن تيمية يقرؤون أرسطو، ويردون عليه في كتاب من مجلدين: “الرد على المنطقيّين”. ما قام به ابن تيمية في بحث “الحدّ والتصوّر” و”القياس والتصديق” ونقد منطق أرسطو هو نفسه ما قام به فرانسيس بيكون مؤخرا؛ ولكنّنا نحتفي ببيكون، ونكتفي بأن نحمّل ابن تيمية عيوبنا، ونغفل ما هو مشرق في تراثه إذا قدّرنا أنّه يوجد ما هو مضيء في هذا التراث. ما ينبغي أن نمجّد ابن تيمية أو غيره، وما ينبغي أيضًا أن ننشئ عداوة معه، بل المطلوب هو إعادة قراءة هذا التراث قراءة نقديّة علميّة موضوعيّة.
يوجد في هذا التراث الجاحظ والتوحيدي والكندي وابن خلدون، والغزالي وابن رشد، والنوبختي والسهروردي وابن تيمية وابن حزم وابن طفيل وابن باجة وابن العربي والحلاج والشبلي والمتنبي والمعري، وما ينبغي لنا أنّنا نسقط الشرط التاريخيّ في أثناء استدعاء أفكار هؤلاء إلى عصرنا، بمعنى أننا نعيد قراءتهم، ولا ندخل لا في الرفض ولا في التبجيل، لأنّ الاعتقاد في أنّ ابن رشد الذي عاش في سياق معين هو من يحّل مشكلاتنا؛ وإنّما هو إسقاط للشرط التاريخيّ، ونحن اليوم بحاجة إلى ابن رشد آخر وابن تيميّة آخر وابن خلدون آخر. نحن بحاجة إلى تنوير جديد. إنّ الحداثة لا تحصل فقط بتقليد الماضي، ولا بتقليد فكر الأنوار.
عندما ينضج فكر المرء تزداد خبراته في الحياة، فينتقل من التعلّق بالأشخاص إلى محاورة الأفكار، وعندما أتحدث عن ماركس وفرويد أو غيرهما في الفكر الغربيّ فإنّني أنصرف إلى مناقشة أفكارهم، فما يعنيني هو كيف تصمد هذه الفكرة في سياق تدافع الأفكار، وتتمخض عنها فكرة تصبح في دائرة الامتلاك؛ ومع ذلك فالإنسان المتسلح بالتفكير النقديّ مستعد لمراجعة أحكامه باستمرار، ويمكنه التخلي عن هذه الفكرة أو تلك متى اقتنع أنّها فقدت مبرِّرات وجودها، ومثل هذا الفكر الحرّ لا يقبل أن يكون سجين معتقد بعينه؛ ولذلك كنت دائما أقول مع فيتغنشتاين إنّ الإنسان يجب أن يتحرّر عقله من فتنة سحر الكلمات التي لا تتوافر على قيم الصدق. وهذا ما فهمته لاحقا من تلك المرويّة التي وردت في أخبار أبي نوّاس؛ إذ أقدم أبو نوّاس على خلف الأحمر الرَّاوِيَّة يستأذنه في نظم الشعر، فأشار عليه أن يحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة، ثم عاد إليه بعد أن حفظ ما طلب منه، واستظهر هذا المحفوظ أمامه، ثمّ طلب منه أن ينسى ما حفظ، وصعُب عليه الأمر حتى نال المبتغى. وهذا هو نفسه ما عبر عنه جيرار جينيت بمصطلح الأطراس، بمعنى إذا كانت الكتابة نكاحًا حسب صاحب الفتوحات المكيّة لكونها عبارة عن ضمّ الحروف بعضها إلى بعض؛ فإنّها في نهاية الأمر عمليّة محو، بمعنى عندما نكتب؛ فإنّنا نمارس دائما فعل المحو، لكن داخل هذا المحو تبقى هناك نتوءات نصيّة باقية تترسخ فيك. وقد عبّرت عن هذه الفكرة في كتابي “يتم النّصّ والجينيالوجيا الضائعة” حينما لاحظت بأنّ شعراء اليُتم في الجزائر دعوا إلى التخلّص من رمزيّة الأب. وسبق لرولان بارط أن ربط ميلاد القارئ بموت المؤلف.
لم أتشيّع لفكرة “موت المؤلف” التي نادت بها البنويّة، واجترحت منظورا آخر، وهو “وضع المؤلف بين قوسين”، على غرار نظريّة الإيبوخا لهوسرل التي دعت إلى “وضع العالم بين قوسين”، فلكي تفهم العالم فهما سليمًا يجب أن تُعلِّق معارفك السابقة. وعندما درست رواية الأمير لواسيني الأعرج، وضعت دراسة بعنوان فك الأقواس عن المؤلف؛ إذ نحتاج إلى استدعاء المؤلف عندما ندرس نصوص أدب الذات وأدب السيرة.
هذه الفكرة تخبرنا بأنّنا شركاء في إنتاج النصّ الأعظم، فالنصوص العظيمة نحن شركاء في بنائها ولو بقدر ضئيل؛ إذ لا يوجد نص لا يمتلكه الآخر؛ ولذلك فإنّ النصوص العظيمة هي التي تتوافر على الممكنات الدلاليّة، أو ما أسميه أنا بالدلالات المفتوحة. النص العظيم دائما هو دلالة مفتوحة، أينما قرأته وجدته.
• ما سبب هذه القطيعة؟ أمامنا أجيال منبتّة تماما عن هذا التراث، الذي لا يستدعى كما قلت إلا لمناوشات مذهبية ودينيّة أو للتبجيل، أكثر من كونه فكرًا يستوجب الدراسة والتفنيد؟
إذا ظللنا نبجل الأشخاص والأفكار، فإننا لن نتقدم خطوة إلى الأمام. وإذا تحدثنا عن عهد التنوير مثلا، فنحن اليوم بحاجة إلى تنوير آخر كما تقدّم، لا نكتفي بتنوير المعتزلة أو ابن رشد أو فلسفة الأنوار في القرن الثامن عشر، ولا حلّ لمشكلاتنا بمجر أن نردد أفكار لوك وهوبز وهيوم وروسو وفولتير، وديدرو، ومونتيسكيو، وكانط… إلخ. نحن بحاجة إلى تنوير آخر، هذا التنوير ليس بالضرورة كما يسوّق ويصوّر كأنه قطيعة مع التراث. يجب أن يكون الهدف الذي نتقصّده واضحا. وهذا الهدف هو فكرة التقدم التي هي مسألة جوهريّة. ومدار الأمر على السؤال القديم الجديد: كيف لنا أن نحقق هذا التقدم؟ ومن فرط البداهة ألّا يحصل ذلك إلّا بالتجاوز والإضافة، لأنّ التقدم لا يحصل بالتكرار؛ بل يجب أن نكتشف فكرًا جديدا، قد نستدعي فكرا؛ لكنّنا نستدعيه بعد أن يخضع للنقد، لا أن نحيطه بهالة التقديس، أو نقابله بالتبخيس والإساءة.
أينما حلّ العقل سهل التفاهم والتعاون والتراحم؛ لأنّه أداة التفكير النقديّ، وفي غيابه يصعب وجود أرضيّة للنقاش والتفاهم. ومن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، تصعب حينئذ محاورته. الفكر النقديّ يجعلك منفتحًا على الأفكار؛ ولذلك أقول إنّ التعليم الذي يخلو من التفكير النقديّ مخرجاته خاسرة.
•إذن هذا ما تعنيه في عبارة قرأتها عنك في مكان ما، بأن الفكر النقديّ يحمل في داخله نقد نفسه؟
نعم هذا صحيح، وهذا الأساس نجده أيضا عند إيمانويل كانط في نقد العقل الخالص حين ذهب إلى أنّ الآلة التي ظللنا نفكّر بها لم نخضعها للنقد. إنّ العقل عند كانط له حدود، فهو محكوم بالمعرفة القبليّة والمعرفة البعديّة، لذلك لا يستطيع العقل اقتحام أسوار الميتافيزيقا.
وإذا نظرنا إلى الاصطفاف الأيديولوجيّ، مع أنّ الأيديولوجيا ليست كلها شر، بل إنّها في الأصل هي “علم الأفكار”؛ فالأيديولوجيا كانت عند ماركس تعدّ وعيًا زائفًا، أمّا عند لينين فكانت أداة فعالة في أيدي البروليتاريا (الطبقة الكادحة) لكي تدافع عن مصالحها، لكنّي أقول مع ألتوسير بأنّ الأيديولوجيا هي مرحلة ما قبل العلم، ولا بد من نقدها وتفكيكها. ولهذا يجب أن نبدأ في نقد السرديّات، لأنّ السرديّات الكبرى والسرديّات الصغرى هي كثيرا ما كانت سبب انغلاق العقل وسبب التقديس؛ وأعني هنا جميع السرديّات الدينيّة والشعبيّة والوطنيّة … إلخ، فتحرير العقل يبدأ من نقد هذه السرديّات.
•إذا كنا نعي أهميّة نقد السرديّات، لماذا نشعر بأن واقعنا النقديّ غير قادر على التغيير، هل لأن هذه السرديّات يراد لها أن تبقى بهذه الصيغة؟ بدفع سياسيٍّ، أو بأي شيء آخر؟
إنّ التغيير الحقيقيّ يبدأ بالتعليم والتربيّة والتثقيف، وعليه مدار بناء الفرد والمجتمع على أسس صحيحة تؤدي بنا إلى الإبداع وإنتاج المعرفة والقضاء على كل مظاهر التخلّف، ولا سبيل إلى تجفيف منابع العنف إلا بوجود هذه البيئة التعليميّة والتربويّة والثقافيّة التي أساسها التفكير الناقد لهذه السرديّات.
أقول دائما لطلبتي الذين أدرِّس لهم المناهج النقديّة الحديثة: هناك فيلسوفان جديران بالقراءة النقديّة الواعيّة: ماركس وفرويد، لكونهما فَهِما النفس البشريّة، ولكن أفضل من غاص في النفس البشريّة، وأحسن من عبر عن مشكلاتها هو الأديب دوستويفسكي. لقد عِيب على ماركس وفرويد أنّهما نظرا إلى العالم من زاوية واحدة، فهذا جعل من الجنس كل شيء، وذاك جعل من المادة كل شيء؛ ليس لأنهما أخطآ، وإنما تطرفا في النظر تجاه هذين الأمرين؛ وإلا فنحن في كثير من الأحيان بحاجة إلى قليلٍ من ماركس وفرويد لفهم مشكلاتنا النفسيّة والاجتماعيّة، وإن كنت أعتقد أنّ الإسلام عالج هذه المشكلات معالجة واقعيّة.
•أود أنْ نتحدث عن مجالك البحثيّ، المجال الذي أسست فيه بمنجزك النقديّ سيميائيّات عربيّة كما يقرر ذلك بعض الباحثين، دعنا نتحدث عن هذا المشروع من أين بدأ، كيف اتجهت هذا الاتجاه؟
أتيت إلى السيميائيّات من باب الفلسفة ممثلة في الرياضيّات والمنطق، على خلاف كثير ممن تلقوها في العالم العربيّ من اللسانيّات والدراسات النقديّة، لأنّني بحكم تكويني كنت أميل إلى السيميائيّات الأمريكيّة بالدرجة الأولى التي أرسى قواعدها ش. س. بورس الموسوعيّ، والسيميائيّات الأوروبيّة ممثلة في المناطقة مثل لايبنتز وجورج بول وفريجه ورَسل وكارناب…إلخ.
لهذا عندما قدّمت أطروحة ثانية في الفلسفة، خصصتها لموضوع فلسفة العلامة، وتمخضت عنها كتب كثيرة؛ لذلك فإنّ الذي يقرأ ما كتبتُ سيجد كما قال لي أحد الأساتذة الفلاسفة وهو د. سامي أدهم، في مناقشته لأطروحتي: كيف استطعت أن تغوص في تاريخ الفلسفة، وتستنبط منها موضوع العلامة عند الفلاسفة على اختلاف اتجاهاتهم، في الوقت الذي لم ينتبه إليها الآخرون؛ وهذا العمل أخذ مني وقتًا ليس بالقليل؛ لكن ما ذلل الصعوبات في طريقي إقامتي في فرنسا بجامعة استراسبورغ، ويمكن أن أقول بتواضع إنّني استطعت أن أطّلع على أمّات المصادر في السيميائيّات، وكنت على تواصل مع السيميائيّ الإمريكيّ توماس سيبوك المتخصص في السيميائيّات الحيوانيّة.
هذا جعلني أعيد قراءة تاريخ الفلسفة من الإغريق إلى العصر الحديث، وحاولت أن أملأ ما رأيته فراغا في الكتابات السيميائيّة في الدراسات الفلسفيّة العربيّة الحديثة؛ لأن الغالب على الدراسات السيميائيّة في العالم العربيّ، هي تلك التي تأثرت بمدرسة باريس ممثلة في سيميائيّات ريماص السرديّة. وعلى الرغم من إحاطتي بهذه المدرسة بحكم عملي وتدريسي، فإنّني لم أكن متحمسا إليها، ولست من أشياعها؛ وإن كنت مؤخرًا عدت إلى تطبيقاتها على نصوص سرديّة عُمانيّة؛ ولكن من منظور نقديّ مغاير، وركّزت على المنعطف التصويريّ في سيميائيّات الخطاب امتدادًا لما طرحته في كتابي “النظريّة السيميائيّة من العلامة إلى الخطاب”، وانطلقت من فكرة أنّ الخطاب موضوع بينيّ.
• إذن هذا ما يفسر انتصارك الدائم لسيميائيّة بورس؛ إذ نجدك تحيل إليها دائما في محاضراتك ولقاءاتك وفي كتبك أيضا.
لأنني وجدت في دراستي المعمقة أن سيميائيّات بورس ليست سيميائيّات مغلقة، ومع أنّها منطقيّة ورياضيّة، فإنّها سيميائيّات تنتصر للنسق المفتوح، ونستطيع أن نطبقها على مناحي الحياة جميعها، هذا هو الفارق، وإن كنت أدرك أنّ أشياع مدرسة باريس حاولوا أن يعمموا تطبيقات السيميائيّات على مجالات عديدة. إنّ مفهوم العلامة عند بورس أقرب إلى مفهوم الدلالة عند الفلاسفة المسلمين وعلماء الأصول. وهذا ما لفت إليه عادل فاخوري -هذا المنطقيّ السيميائيّ العربيّ المغمور– الذي كتب كتيّبا عن علم الدلالة عند العرب في ضوء نظريّة بورس، واستخرج نصوصًا من كتب المنطق وشروح البلاغة التي تبدو وكأنّ أطاريح بورس حاضرة فيها؛ لأن سيميائيّات بورس – وأنا أبلور حاليا دراسات في هذا المجال- ترتاد آفاقًا مفتوحة تقوم على أنّ الدلالة لا نهائيّة، أو لا متناهيّة، واللانهائيّ هو مفهوم رياضيّاتي.
وقد كنت أستعمل في السابق مصطلح “السيميوزيس” بمعنى الدلالات اللا نهائيّة، وعدلتُ عن هذه الفكرة، وسجّلتها في كتابي بأن الدلالة عندي مفتوحة، أي إنّها يمكن أن تنغلق عندما تتشبع بالدلالة؛ مثل الذرّة عندما تتشبع إلكترونيّا؛ فإنّها تصبح غير قابلة للتفاعل؛ ولهذا فضّلت كلمة المفتوح على اللانهائيّ.
ووجدت هذا عند أبي حامد الغزالي أيضا في المستصفى، وهو كتاب في أصول الفقه؛ ولكن مقدمته منطقيّة سيميائيّة خالصة. وشرعت في الأعوام الأخيرة أبحث فيما أسمّيه بالسيميائيّات الإسلاميّة على غرار السيميائيّات المسيحيّة التي نضجت في العصر الوسيط، والسيميائيّات الحديثة مدينة لها، وهذا ليس من باب أسلمة السيميائيّات؛ أقول هذا لأن السيميائيّات الحقة في نظريّ ولدت في أحضان المنطق مع أفلاطون وأرسطو، وتبلورت في كتابات اللاهوتيّين المسيحيّين في العصر الوسيط (أوغسطين والإكويني وأنسالم ودونيس سكوت…)، وعند العلماء المسلمين (الفلاسفة والمناطقة وعلماء الكلام وعلماء الأصول وعلماء اللغة)؛ خصوصا عندما تفاعل علم المنطق مع الميتافيزيقيا ومع اللاهوت؛ فتحولت العلامة إلى رمز؛ أو إلى أيقونة في التفكير المسيحيّ؛ فالفكر الدينيّ أنتج تصوّرات سيميائيّة. وصفة الإسلاميّة التي يطلقها المؤرخون على مختلف مناحي الثقافة والحضارة مثل العمارة الإسلاميّة والموسيقا الإسلاميّة …إلخ.
وقد كتبت مؤخرًا بحثًا نشر لي، بعنوان:” متى تتكلم السيميائيّات العربيّة؟” وهذا السؤال كنت ألقيته في محاضرة بجامعة فاس بالمغرب، عندما كان قسم اللغة الفرنسيّة يحتفي بأحد السيميائيّين الفرنسيّين، استدعيت يومها إلى للمشاركة بمحاضرة في هذا التكريم، والمحاضرة كانت بعنوان: السيميائيّات بين الفلسفة والعلم، هل السيميائيّات علم أم فلسفة؟ وقلت هناك بأنّه يجب أننا نستعيد مقولة هيدجر: على الفلسفة أن تتكلّم الألمانيّة؛ لأنّه كان يعتقد أنّه عندما نتكلّم الفلسفة؛ فإنّنا نتحدث الإغريقيّة، والألمانية، والفلسفة عنده لا لسان لها غير اللغتين اليونانيّة والألمانيّة. إذن نحن أيضا عندما نقول السيميائيّات الإسلاميّة، أو متى تتكلم السيميائيّات العربيّة، فإن ذلك ليس من باب “عربنَة” المعرفة أو أسلمتها، أو شيء من ذلك؛ وإنما أن تتكلّم السيميائيّات العربيّة يعني أن تدخل اللغة العربيّة درجة الحوار الفكريّ، وهذا يتطلب جهدًا أكبرَ من التفكير، حتى نخرج من دائرة التمثّل والاستيعاب إلى دائرة النقد والإبداع، وهذا لا يحصل ذلك إلّا بالحوار المتكافئ، أي إنّنا مطالبون بالتفكير الجدّي كيف نجعل العربيّة لغة علم وإنتاج معرفة، وليس فقط لغة قداسة ودين ودعاء؛ ولكن عندما نأتي إلى العلم والفلسفة؛ فينبغي أن تكون العربيّة لسانًا مُبينًا لعلوم العصر كما كانت في سالف العصر، وهذا لا يكون إلا بالتمثل والإبداع والابتكار واجتراح لغة واصفة. وقد قدّمت مقترحات في هذا الإطار، ولعل هذا البحث يتطوّر ليكون كتابًا في المستقبل.
حاليًّا يشغلني موضوع تصور السيميائيّات للعالم بعامة والطبيعيّ بخاصة، وفي ضوء الحوار بين الأنطولوجيا والمنطق، أو بين العلامة والعالم؛ ذلك أنّ دلالة الوجود هي معطى، أو كما قال هيدغر إنّ الميتافيزيقا وتاريخ الفلسفة ظلّا ينظران إلى الوجود على أنّه موجود، بات سؤال الكينونة نسيًّا منسيًّا، وهذا السؤال مرتبط بـ«الدازين» والزمانيّة؛ لهذا أعتقد أنّ السيميائيّات المنطقيّة تعميمًا وسيميائيّات بورس تخصيصًا تتوافر على رؤية عميقة تخترق جدار الوجود، وهو ما لا نجده في سيميائيّات مدرسة باريس باستثناء ذلك التطوّر الذي عرفته سيميائيّات الكينونة أو السيميائيّات الذاتيّة وانفتاحها على الفلسفة الظاهراتيّة.
وما يلاحظ على سيميائيّات مدرسة باريس أنّها تحوّلت عند بعض الأشياع في كثير من الدراسات النقديّة العربيّة إلى تطبيقات آلية مع استثناءات قليلة. ومع ذلك فقد قمتُ مؤخرا كما أشرت إلى ذلك بدراسات سيميائيّة مستوحاة من مدرسة باريس، ومن أبرزها تلك الدراسة التي تناولت فيها رواية “همس الجسور” لعلي المعمريّ، ونُشرت في كتاب موسوم بجمهورية ابن سولع في كتارا. إنّ هذه الدراسة طبّقت الدرس السيميائيّ؛ لكنها حاولت أن تنفتح على ما استجدّ فيها بتأثير من الفلسفة الظاهراتيّة؛ لأنّ سيميائيّات ريماص سجنت نفسها في سياج البنويّة، ولم تترك مجالا للتأويل. وهذا هو صلب الحوار الذي دار بين ريماص وبول ريكور، وفحواه أنّ سيميائيّات مدرسة باريس هي سيميائيّات تفسير، وليست سيميائيّات فهم.
دعوت دائما في بحوثي إلى التراحم بين السيميائيّات والتأويليّات، فيما أشتغل الآن على: سيميائيّات هيدغر التأويليّة وسيميائيّات غوتلب فريجه السياقيّة وأقارن بين سيميائيّات بورس وتداوليّات جاك بولان التجريبيّة. التأويل الذي أعنيه هنا ليس ذلك الإجراء المنهجيّ الذي يطبق على النصوص كما عهدناه عند علماء المسلمين وحتى عند أعلام التأويليّات التقليديّة (شلايرماخر ودالتاي)، وإنّما التأويل هو تلك العمليّة التي نلفي لها حضور في معترك الوجود وفلسفته، وهو الذي عبرت عنه سيميائيّات هيدغر التأويليّة، وانبثقت منه لاحقًا تأويليّات غادمير وريكور. إنّ هذه السيميائيّات التأويليّة تتيح لنا فرصة إنتاج المعرفة، وليس تكرارها، والتأويل دائما يعيدنا إلى الشرط التاريخيّ والبعد اللغويّ والبلاغيّ للفهم الإنسانيّ، والوعي التاريخيّ بالمعرفة الكونيّة التي مدارها على علاقة العلامة بالعالم.
• بمناسبة حديثك عن إنتاج المعرفة، وسابقا تساءلت: متى تتكلم السيميائيّات العربيّة، أود أن نسأل عن رؤيتك تجاه النظريّة النقديّة العربيّة؟
هذه المسألة في نظريّ شائكة ومعقّدة جدّا، وعندما أُسألُ هذا السؤال الذي يُطرَح عليّ منذ ما يقارب أربعة عقود من الزمن أجدني عاجزًا أمام اختراق هذا الإشكال، وهذا السؤال: لماذا لا تكون لدينا نظريّة نقديّة “عربيّة”؟ وقد أجيب بسؤال مضادّ. هل كانت لنا نظريّة نقديّة عربيّة قديمة؟ وأنا لا أملك سلفًا إجابة عن هذا السؤال المشروع. قد نتفق على أنّ إنتاج النظريّة ليس قرارًا فرديًّا أو جماعيًّا نتّخذه متى شئنا، وإنما هو نتيجة ومحصّلة لعوامل موضوعيّة ليس هذا مجال الخوض فيها؛ عندما تتوافر هذه الشروط الموضوعيّة ستصبح ثمة نظريّة نقديّة من دون أن ننتظر قرارًا من أيّ جهة كانت.
إنّ السؤال الجوهريّ ينصرف إلى الشروط الموضوعيّة التي بها ننتج النظريّة النقديّة. هل توجد بيئة حاضنة توفِّر هذه الشروط؟ من ناحية التفكير المنطقيّ؛ أقول لا أملك المعطيات الكافيّة لإصدار حكمٍ بالإيجاب أو بالسلب؛ لكن يمكنني أن أتكلّم في حدود معرفتي، وأقول ما زال الوقت مبكرًّا لرؤية هذا المولود الموعود، لسبب أنّ بيئتنا ما زالت غير صالحة وغير حاضنة للإبداع والفكر والابتكار. فعندما تكلمني عن هذه النظريّة أو تلك اسألْني أولا إذا كان عندنا فلاسفة كبار أو علماء فطاحل في مختلف العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة، وإذا وُجدوا هل لهم تأثير في مجتمع العلماء والمفكرين والنقاد؟ هل هناك تواصل بين هؤلاء العلماء لإنجاز ما يؤدي إلى هذه النظريّة على الأقل في مجال الدراسات البينيّة؟ ما دامت هذه الشروط غائبة، ولسنا قادرين على توفيرها؛ فإنّي أقول إنّ هذا الحلم الذي نتطلّع ونترقب بشغف إلى طلوع فجره ما زال بعيد المنال.

• إذن أنت لا ترى بأن النقد وتطوره منفصل عن الثقافة والفكر والفلسفة؟
نعم، ولا أجد غضاضة في أن أصدع بهذا القول إنّنا ما زلنا في المربع الأوّل وفي دائرة الاجترار لما قيل قديما أو حديثا. وإذا أردت أن أهذِّب القول، وألطِّفه قلت مازلنا في حدود التمثّل والاستيعاب والتراكم، ولكنّ التفكير النقديّ وإنتاج المعرفة ما زالت مساحته ضئيلة؛ لأنّ أواصر العلاقة بين النقد والثقافة والفكر والفلسفة ما فتئت ملتبسة.
لاحظ إذا ما أراد مؤرخ الفكر أن ينظر في تاريخ الفكر النقديّ الحديث، وأخذ على سبيل المثال التجربة المصريّة منذ مطلع القرن العشرين، سيجد عصر طه حسين يمثّل شعلة تنويريّة، ما لبثت أن انطفأت جذوتها، ولم تجد برومثيوس جديد ليواصل حمل المشعل، ويستمرّ في هذا النهج الذي قدّرنا –تجوّزًا- أنّه فعل نقديّ تنويريّ؛ لأن هذا الجيل كان يجمع النقد بالعلم والفلسفة وسائر العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة.
وإذا جاز لنا أن ننتهي إلى خلاصة ممّا سبق قلنا إنّ هذا عائد في جانب من جوانبه إلى ضعف السياسة من حيث هي تدبير. ومن أمارات ضعفها غياب مشروع المجتمع، مع أنّنا دائما نلهج في خطاباتنا السياسيّة بأنّنا أصحاب مشاريع حتى صار صاحب المشروع دجّالًا. لكن وجدنا طه حسين في زمانه يستدعي كبار الفلاسفة والمستشرقين للتدريس في كليّة الآداب بجامعة القاهرة، مثل: نالينو، ولالاند، وغيرهم. وكانت الجامعة آنذاك مفتوحة ومنخرطة في بناء مشروع مجتمع يمجّد العلم والتفكير النقديّ.
كان ثمة نقد من دون مجاملات، قوامه تلك “المعارك الأدبيّة” بين العقاد وطه حسين والرافعي التي كانت تموج بها الصحف السيّارة، وتتلهّف لها دور الطباعة، إنّها بوادر يقظة فكريّة، وأنا لا أسميها نهضة؛ لأنّني لست مؤمنا بوجود نهضة عربيّة، فهذا مفهوم استعرناه من سياق تاريخ الفكر الأوروبيّ. لقد أنتجت النهضةُ الأوروبيّة حداثةً، أما نحن فكل ما فعلنا أنّنا استيقظنا، ففتحنا أعيننا على عالَم متقدّم اسمه الغرب، فأُصِبْنا بصدمة حضاريّة، وانبهرنا بعالم الأشياء. نعم استيقظنا؛ لكن ليس كل من يستيقظ يستطيع بالضرورة أن ينهض، ربما يبقى مستلقيا طويلًا، ولا طاقة له بالنهوض! وأخشى ما أخشاه أن يكون هذا هو حالنا.
وعطفًا على ما تقدّم فإنّ النقد يحتاج إلى الحريّة مثلما يحتاج إليه الإبداع. وعندما أقول الحريّة؛ فإنّني لا أريد للحريّة أن تكون لها صفة بأن نقول الحريّة المسؤولة؛ الحريّة هي حريّة من دون صفة؛ لأنّ مسؤوليّتها كامنة في ذاتها، والإنسان الحرّ والمفكّر مسؤول في ذاته، لا يحتاج إلى أن تضع له ضوابط تقيّد حريّته في مجال الإبداع والابتكار.
وحتى لا نكون متشائمين تجاه الحالة النقديّة عندنا، أودّ أن أقول بأنّ ثمة تجارب نقديّة كبيرة عندنا في الوطن العربيّ، لكهنا يا للأسف ظلّت حالات فرديّة محدودة لم تتحول إلى حالات موضوعيّة “تتمأسس”، في مشروع المجتمع. ولا تكاد الحالة النقديّة في عّمان وفي غير عُمان وإن بدرجات متفاوتة تمرق من هذا التوصيف.
• يرى بعضهم أنّ لغة النقد لغة ثقيلة أو منغلقة في النظريّات، ومن ثمّ فإنّ القارئ العام لا يتفاعل أو يتجاوب هذا الخطاب النقديّ.. هل المشكلة في القارئ الذي لم يجتهد بوعيه ليصل إلى هذا الخطاب أو نلوم الخطاب النقديّ الذي يتعالى على الفهم العام؟
الحاصل أنّ ثمّة فجوة معرفيّة كبيرة بين النقد الأكاديميّ والقارئ العادي؛ لأنّ النقد بمفهومه الأكاديميّ معرفة علميّة مثل سائر المعارف الأخرى ينهض على عدّة منهجيّة وجهاز من المفاهيم ولغة واصفة شأنه في ذلك شأن الطب. فإذا أراد الطبيب أن يشرح للمريض ما به من داء بلغة الطب، سيصعب عليه فهم ما يتلفظ به هذا الطبيب. وحينئذ لا بد أن نميّز بين النقد “العالِم المتخصص الذي نصفه عادة بالأكاديميّ، وبين النقد غير المتخصص الذي نصفه بالانطباعيّ والصحفيّ الذي له دوره المحفوظ، ولكن يمكن للنقد أن يحافظ على عمقه، ويقدّم بأسلوب سهل ممتنع. وهذه مواهب ليست متاحة للجميع.
قد ينطبق عليه ما تفضّلت به؛ لأنّه يستند إلى العلم الذي بطبيعته جاف، فالطبيب مثلا عندما يُجري عمليّة جراحيّة لمريض ما؛ إذ لا يمكن أن نطلب منه أن يتوقّف عن العمليّة كلّما تألّم المريض، وكذلك هي طبيعة العلم، فالقارئ لا يُفرق بين التطبيق النقديّ بمنهج معين وبلغة واصفة، أو لا. وفصل الخطاب في هذا الباب أنّه لا يذهب إلى المعركة من لا يحمل السلاح، وأنّ العلم يوجد أين تسكن الشياطين.
• وكيف يمكننا أن نموضع تجارب نقديّة وازنة في المشهد العربيّ، كعبدالفتاح كليطو مثلا؟
ينماز عبدالفتاح كليطو بهذا الأمر لكونه قامة نقديّة موهوبة، لكنّنا عندما نضعه في ميزان المناهج النقديّة، فإنّك تجد كليطو أشبه برولان بارط. إنّ بارط لا يُعدّ ناقدا عند الأكاديميّين المحافظين من أمثال ريمون بيكار، وقد رفضته المؤسسة الجامعيّة. يذكر بارط مرة أنّه توجّه إلى أندريه مارتيني ليشرف عليه، وأخذ معه تصورًا لموضوع “نسق الموضة”، فقال له مارتيني: هذا الموضوع لا علاقة له باللسانيّات. وعندما اصطحبه ريماص إلى كلود ليفي شتراوس رجع بخفي حنين، إذ رأى أنّه لا يمكن أن يواصل معه الدرس. وبارط لم يحصل على دكتوراه، لكنّه كان مبدعًا خارج المناهج. هذا نمط من النقد فرض نفسه، والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على بعض النقّاد، ولكن عبد الفتاح كيلطو صوت نقديّ متفرِّد ينتمي إلى المؤسسة الجامعيّة.
• بعد سنوات مديدة قضيتها في العمل الأكاديميّ في عُمان، وفي النشاط الثقافيّ العام، كيف تقرأ الواقع النقديّ هنا؟ وما الذي نحتاجه؟
في واقع الأمر عرفت عُمان في بادئ الأمر من خلال مجلة نزوى الثقافيّة، فعلاقتي بمجلة نزوى كانت علاقة قديمة؛ بدأت في حقيقة الأمر بالانفتاح على عالم الحداثة النقديّة وتشجيع أقلامها، في الوقت الذي كانت بعض المجلات تتهيّب من أن تحتضن مثل هذا الفكر النقديّ؛ ولذلك أرسلت إلى المجلة مقالا حينما كنت مبتعثا إلى فرنسا. هذه المجلة الثقافيّة أعطتني الانطباع الأوليّ عن سلطنة عُمان، فرسمت صورة عنها في ذهني آنذاك على أنّها بلد منفتح ومتنوّر ثقافيًّا وفكريًّا، وهي تنشر لي مقالة في تحليل الخطاب من اللسانيّات إلى السيميائيّات.
ثم ارتسمت في ذهني البلد الحلم، وقلت إذا نويتُ في يوم من الأيام أن أنتسب إلى أيّ جامعة فستكون جامعة السلطان قابوس، وشاءت الأقدار أن يتحقق هذا الحلم، وأنا سعيد بوجودي في هذا الصرح العلميّ المتميّز، وأعتز بمستوى طلبتي واستعدادهم للتعلم والتميز.
لعُمان تراث أدبي عريق، ولها من الشعراء والأدباء ما لا يعدّ ولا يُحصى على الظروف الصعبة التي مرّت بها، وصارت جزءًا من المشهد الثقافيّ العربيّ العام، بل تصدّرت المشهد الثقافيّ بفوز الأديبة والأكاديميّة الدكتورة جوخة الحارثي بجائزة البوكر مان العالميّة؛ ولكن المنجز النقديّ ما زال متواضعًا، ويحتاج إلى التراكم، وبوادره تروح في الأفق انطلاقًا من الدراسات الأكاديميّة والكتابات الصحفيّة.
• كيف استطعت أن تخرج العمل الأكاديميّ من إطار الجامعة إلى الفضاءات الاجتماعيّة الأرحب؟ أعني نشاطك الدائم في صنع الفعاليّات الثقافيّة العامّة المؤطرة بالإطار المنهجيّ الصارم. وما أهميّة ذلك أيضا؟
يمكنني أن أقول لك بأنّني عندما كنت في الجزائر، لم أخرج من الدائرة الأكاديميّة الصارمة، وصرت منطويّا على نفسي، لكن عندما جئت إلى عُمان تغيّرت حياتي، ووجدت نفسي – أو هكذا أزعم أو يخيل إليّ – أنّني اندمجت بسلاسة ويسر في المشهد الثقافيّ العام في عُمان، وخضت تجربة، ولقيت تشجيعًا في البداية، خصوصا أنّ رؤية الجامعة ورسالتها وأهدافها تتضمن ثلاثة محاور: البحث العلميّ، والتدريس، وخدمة المجتمع؛ ولهذا وجدت البيئة مناسبة ومشجعة في البداية على أن نخرج الدرس على غرار ما هو في الغرب. وكان من أهدافي وأنا أدرس النقد الأدبيّ الحديث في الجامعة في البكالوريوس والدراسات العليا، أن أساعد على إبراز الطاقات الإبداعيّة والفكريّة، وهذا حق البلد علينا، وهي رسالة أؤديها، ليس باعتباري موظفا، وإنّما هي جزء لا يتجزّأ رسالتي الأكاديميّة التي يتوجب عليّ القيام بها.
اندهشت أول مجيئي إلى الجامعة بوجود طاقة كبيرة عند الشباب، وهذه البيئة أشعرتني بأنّني في جامعة ذات مستوى عال خلافًا ما كنت أتوجّس منه خيفة، وهو ما عزز إيماني بضرورة الانفتاح على المجتمع وخدمته. فعلى سبيل المثال، استدعيتُ كثيرا من التجارب الأدبيّة في عُمان إلى قاعات الدرس، وكان طلبتي يشاركونني اختيار هذه الأصوات لمحاورتها. وأشعر بأنّ لهذه التجربة جوانب إيجابيّة تعود بالنفع على تكوين الطلبة وإشراكهم في فاعليّة النشاط الأكاديميّ، ومن دون مجاملات كنا نحاور الأدباء؛ لأنّ مدار النقد على النقاش والحوار.
• حضرت لك مرة منشطا ثقافيّا في الجامعة، وكنت قد كلفت به مجموعة من طلابك في الدراسات العليا لتقديم أوراق نقديّة تتناول مجموعة من الأعمال السردية العُمانيّة، وكنت تُحدثنا يومها عن مشروع “حلقة مسقط للسرديّات” فإلى أين وصلنا؟
هذه واحدة من التحدّيات التي واجهتنا في الجامعة، كان ذلك حلما كبيرا، ولكن صغر بسبب الصعوبات الإداريّة التي نواجهها في المؤسسات، وكنت قد تحادثت مع زملائيّ في أن ننشئ حلقة مسقط للسرديّات، على غرار حلقة موسكو وبراغ وكوبنهاغن، وسطرنا برنامجًا لدعوة كبار علماء السرد ومنهم جيرار جونات قبل وفاته، وكذلك روائيّين عالميّين؛ ولكن هذا الحلم ما زلنا ننتظر أن يتحقّق.
• من درس معك، يعرف أنّك لا تقتصر على أداء الواجبات الأكاديميّة المعتادة، بل لديك رؤيتك ومنهجك الخاص تجاه العمل الأكاديميّ، إذ يلاحظ أنك تدأب على تأسيس جيل من النقاد والباحثين.. أو دعني أقول إنّك تعمل على تأسيس اتجاه بحثيّ ومنظار جديد للدرس النقديّ.
كان الهدف أن أسهم في إنشاء تيار سيميائيّ أكاديميّ في عُمان، وأحسب أنّني حققت بعضًا منه؛ إذ بدأنا أولا بارتياد السيميائيّات الدينيّة في بحث عالج علامتي الجنة والنار في القرآن الكريم مع الطالبة إيمان الشكيليّة، وقد أبلت بلاء حسنا في هذا الموضوع، ثم مع د. سعود الزدجالي وخضنا غمار أصول الفقه ضمن السيميائيّات التداوليّة، ودرسنا سيميائيّات الأهواء في الرواية العُمانيّة مع د. بدريّة اليحيائيّ، ثم درسنا مجال سيميائيّات المسرح مع د. خليفة اليعقوبيّ، وفي تحليل الخطاب أنجز د. حافظ أمبوسعيدي بحثًا في تحفة الأعيان لنور الدين السالميّ؛ ولكن ينبغي على هؤلاء أن يستمرّوا في تطوير الدرس السيميائيّ حتى يكون لعُمان حضور فاعل في المشهد النقديّ العربيّ، ولا يكتفون بالحصول على الشهادة. وفي المقابل لا بد من توفير البيئة المناسبة لكي يصبح للدرس السيميائيّ حضوره في عُمان.
• وكيف ترى مسار الحلم اليوم؟ وكيف ترى واقع النقد في عُمان؟
هناك أسماء بارزة في الدراسات السيميائيّة مثل الدكتورة عائشة الدرمكيّ، ويوجد أيضًا جيل من الشباب العُمانيّين متمثّل للسيميائيّات وتطبيقاتها. ويمكن القول إنّ هناك أصواتًا واعدة، لكنها حالات فرديّة لمَّا ترتق إلى الحالة الموضوعيّة. إنّ الحالة الموضوعية تتجسّد عندما نمتلك مشروع مجتمع يُسهِم في صناعة البيئة الحاضنة للإبداع النقديّ؛ وهذه البيئة النقديّة تعني بيئة متنوعة متعددة الأصوات كما ذكرنا ذلك سابقًا.
ما يحيِّرني أكثر: لماذا لا يوجد لحدّ الآن مؤرخ كبير في عُمان؟ مع أنّ تاريخ عُمان يضاهي تاريخ الدول العربيّة الكبرى. ولماذا لم تنجح مؤسسات التعليم في صناعة هذا المؤرخ الذي تنتظره بفارغ الصبر عُمان؟ نعم، هناك بعض الكتابات لكنها محتشمة ومكرورة وتابعة لمدارس تقليديّة. إذ كيف نتطلّع إلى صناعة هذا المؤرخ ونحن لا ندرِّس فلسفة التاريخ، ولا نبتدع مناهج جديدة؟!
ومع ذلك؛ أرى أنه بعد عقد من الزمان أن الوضع بدأ يتغيّر، علمًا أنّ هناك ذهنيّات تعادي التطور، ولا تتقبّل التفكير النقديّ، وتقف عائقًا في وجه التجديد؛ وعلى الرغم من ذلك؛ فإنّ ثمة اقتناعًا بأهميّة الاتجاهات الجديدة في النقد والتفكير؛ لأن الناس شهدت بأن موضوع المناهج النقديّة ليس من قبيل الحروب الأيديولوجيّة، وإنما هي أداة من أدوات التفكير العلميّ في إطار البحوث الأكاديميّة التي تدرس الأحداث وَفق مناهج علميّة.
• ولكن كثيرا من هؤلاء الباحثين والنقاد ينطفئون، ومن جانب آخر كثير من الدراسات تبقى حبيسة الأدراج، كيف نفسّر هذا الانطفاء؟
نعم، بعض هذه الطاقات ينطفئ ويموت؛ لذلك اقترحت على النادي الثقافيّ في زمن إدارة الدكتورة عائشة الدرمكيّ مشروع الناقد الأدبي، وهو مشروع يستقطب الباحثين الشباب، الذين تخرجوا في الجامعة، وتسلحوا بالمعرفة والمناهج النقديّة الحديثة، بحيث يقدمون خلاصة تجربتهم في البحث النقديّ، وقدمت لها قائمة بأسماء الطلبة الباحثين. وكان الهدف هو أن تدخل هذه المناهج إلى رحاب المجتمع والفضاءات العامة، لكي تخرج الدراسات النقديّة الحديثة من أبراجها العاجيّة؛ ومن جهة أخرى هو تحفيز للنقاد والباحثين لمواصلة الدرس.
غير أّن جانبا من هذه المسؤوليّة يعود إلى الباحثين أنفسهم، وإلى الإعلام الثقافيّ الذي عليه أن يرافق هذه الطاقات العلميّة، ويشجعها، ويحرج كسلها، فمسؤوليّة الإعلام خطيرة، إذ لا نريد للإعلام أن يكرس الرداءة.
• ولماذا لا يكون جزء من هذه المسؤولية راجعًا إلى الناقد ليطرق باب الإعلام؟
هذا مرده إلى أسباب عديدة، منها ما هو راجع إلى التكوين النفسيّ الداخليّ، ففي واقع الأمر هناك من يحسن تسويق نفسه، وهناك من لا يحسن. ومنها ما هو راجع إلى فكرة أخرى وهي أنّ الدرجات العلميّة عند بعضهم أقرب إلى “البريستيج”! فهم يريدون فقط الحصول على لقب “دكتور”، ولا همّ لهم إلا أن ينادوا بهذا اللقب أو للحصول على وظيفة، أو للترقي الوظيفيّ!

شاهد أيضاً

محمد سيدة شاعر ولا شيء آخر

منذر مصري* سقط الشاعر محمد سيدة، في سوق الجمعة، عند حدود مدينة اللاذقية، تاريخ 15/ …