أزمة التلقي أم أزمة المُتلقي -بحث مؤطر بوعي الأسلاف

فاطمة الشيدية


ليس على المرء أن يكون متشائمًا أكثر مما ينبغي، وليس عليه أيضا – وبالضرورة – أن يكون متفائلا أكثر مما ينبغي. نحن بلد الشعر والدّين والتاريخ والعزلة البهيّة، وكل ما حدث ويحدث ما يزال ضمن هذه المنظومة اللغويّة والدينيّة والتاريخيّة.
الخمسون عاما كانت تحوّلا ماديًّا نحو التحديث، وقد كان تحوّلا هادئًا، وليس سريعًا أيضًا؛ فالبلاد ما تزال تعيش كينونتها الدينيّة وعيًا وفكرًا في عقول أبنائها، تماما كما تعيش العزلة الرتيبة والوعي الهادئ والهانئ بسيرورته البطيئة.
إن خمسين عامًا لا يمكن أن تشكّل انعطافة تاريخيّة فكرية في حياة شعب من الشعوب أو بلد من البلدان، فالانعطافات لها طريقتها الخاصة كالطفرات تماما، والظواهر الفكرية والثقافية غالبا تحتاج مائة عام في الأقل لتتجلى واضحة جلية.
لن نقول إن البحث المعرفي في عُمان جديد؛ إنه قديم قدمَ الإنسان واللغة والشعر والمدوّنات التاريخيّة والفقهية في عمر بلادنا الممتد لآلاف السنين؛ ولكنّه بحث مؤطر بوعي الأسلاف التاريخي واللغوي والديني فقط.
ولن ندّعي أن البحث الجديد في عمان غائبٌ كليًّا؛ ولكنه طفلي يتلمس خطاه في زمن القلقلة، زمن الارتباك الضوئي «زمن التفاهة» كما يرى آلان دونو.
أن تبدأ الكتابة الأدبيةُ بعض فنونها الحديثة كالرواية في عمان الستينيّات أو السبعينيات من القرن العشرين في محاولات متعثّرة؛ فهذا يعنى أن ننتظر زمنا طويلا حتى تتشكل ظاهرة نصيّة جادة تستحق البحث والدراسة ليبدأ الاشتغال عليها نقدا علميا وبحثا معرفيا، يعني أن ننتظر المدينة والمدنيّة لتأتي ثمارها استقرارا ثقافيّا ليقطفها الكتاب ويعيدوا تأويلها عبر نص عميق؛ ولاحقا وبعد زمن طويل نسبيا يتلقف النقاد والباحثون هذه النصوص فيمعنون في قراءتها تشريحًا وتحليلًا.
يحدث هذا والعالم الآخر (الغرب) يبني نظرياته على أنقاض نظريات أخرى عظيمة ومؤثرة (قبل تلمسنا الأول للكتابة النصية الحديثة بزمن طويل جدا)، يحدث هذا والعالم العربي قد عاد إليه أبناء البعثات الأوروبية محملين باللغات الحيّة والشهادات، يحدث هذا والترجمات تشكّل رصيدا حقيقيا في الكتابة المعرفية والبحثية والنصية للآخر العربي بينما نحن نسعى للتعليم توا.
يحدث هذا والاهتزاز المعرفي يبدأ في المخاض بنظرياته الجديدة الهادمة من أجل البناء مثل «موت المؤلف» و»نظرية التلقي» وغيرها من كتب المتأخرين، المتقدمين جدا بخطوات واسعة للأمام.
ثم هل كانت الطرق معبدة وسهلة لتبدأ الأقلام الساعية للبحث الهرولة نحو ذلك الهدف البعيد والمرهق! هل قدمت المؤسسة ما تستطيع من دعم غير محدود أم أنها وضعت العراقيل بدل من أن تسهل الأمر، وحجزت الباحث في خانة أكاديمي مدرس مرهق بالأعباء التدريسية، أو وضعت في رأس المؤسسات الثقافية من يحجب الضوء ويساند العتمة، وهل وهل مئات الأسئلة التي ليس لها جواب تامّ أو بضع جواب أو حتى محاولة صادقة لذلك!
وهل كان هناك استعداد فعلي لمن تجرّأ على الذهاب نحو تلك المناطق الوعرة، استعداد يتنامى بالمعرفة، ويكبر بالثقل البحثي الذي يضيفه الشخص إلى ذاته كل يوم ليكون ناقدًا وقارئًا حصيفًا؛ أم هي مجرّد محاولات مستميتة لإثبات الذات، ولرفع اليد في الجمع ليشار لها بالتميز دون قدر كاف منه.
لا يمكن التكهّن بالنوايا، ولكن النتائج لم تكن راسخة في الحقيقة وواسعة في الزمن والمكان، تماما كما كان المتلقي المحمّل بأوزار العزلة والدين واللغة القديمة وغبار التاريخ وغروره غير جاهز لتقبل النقد وفهمه واستيعاب نتائجه ومخرجات أعماله، وربما وقف باعتداد في عداء ضمني لهذا الناقد وذلك النقد!
فهل نستعين بالآخر المكتمل ليقدم لنا دراسات معرفية، وليقنع المتلقي المعتد بنصه؟! وهل يساعدنا فعلا بتقديم بحث حقيقيّ ونقد معرفي أم فقط يقدم لنا ما نريد، يصفق لنا لنحبه، ونصفق له ليكتب عنّا بامتداح فقط، يمتدح المسؤول والقائم بأعمال، والمشهور من المبدعين ويترك وظيفة الناقد الحقيقي وهي التقييم القائم على أسس ومعايير علمية ومنهجية، وقد حدث قليل من الأول، وكثير من الأخير!
ثم لننتقل من الأسئلة إلى تشعيب الفكرة ما النقد؟ وما هو البحث المعرفي؟ هل هو نص على نص يحدث أن يكون سهلا وعاما، هل هو صنعة أم طبع؟! وهل ينطبق على كل العلوم أم ينحصر في الأدب وتحديدا في الرواية والشعر كما يحدث لدينا، وأين البحث في علم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وعلم النفس وغيرها؟!
وأين الدراسات التي تتناول الأنثربولوجيا أو علم الأنسة؟! وأين مراكز الإحصاء التي تسم البحث العلمي بالدقة والموضوعية ؟ وأين المؤسسات الداعمة؟ وأين التفريغ البحثي؟ وأين المجموعات والفرق البحثية المدعومة ماديا ومعنويا؟ وأين .. وأين.. وأين؟
البحث المعرفي فعليا هو عمل المؤسسة وليس عمل الفرد؟ ابن المؤسسة الأكاديمية تحديدا، وخادمها في ذات الوقت، والدراسات الأكاديمية ولدت متأخرة بعد مخاضات عسيرة ولم تمض سنوات قليلة على افتتاح الدراسات الجامعية العليا في بعض أقسام الجامعة الأولى والحكومية الوحيدة في البلد، ولا مراكز بحوث متخصصة نسمع عنها في الجامعات الخاصة، وإن وجدت فهي غالبا مراكز بحوث علمية مادية أو طبيعية بحتة، في عملية فصل قاسية بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وعدم إيلاء الثانية أي أهمية أو دعم أو تشجيع! والإقلال من شأن المباحث الإنسانية في مقابل البحوث العلمية قضية كبرى يجب الانتباه إليها قبل أن نبحث غياب البحث المعرفي في عُمان!
ثم أين المكتبة الوطنية! ومراكز الأبحاث الأهلية والعامة! وأين المكتبات الأهلية التي تشجع البحث العلمي! وأين مسابقات البحث العلمي! وأين المجلات العلمية المتخصصة والمجلات المحكمة ؟!وأين نحن من كل هذا !
إننا مازلنا بعيدا لأننا لم نسلك الطريق الصحيح، ولم نتخذ الخطوات الطبيعية والمفترضة، ولم نذهب بعد أبعد من تمجيد الذات والحلم بغد أفضل لا نعمل له كما ينبغي. فالإبداع نفسه يحتاج للتشجيع والمساندة!
إننا بحاجة لنفض رؤوسنا من الوهم، وإنعاش أفكارنا بالجديد، والبعد عن تمجيد الذات والحياة في التاريخ، بل علينا صناعة تاريخ جديد يشبه هذا العصر تحديدا بدل من استحضار وتمجيد تاريخ لم يعد يفيدنا بشيء، أو الاتكاء عليه فقط والمضي به نحو الحداثة والتغيير.
إن وجود مؤسسات داعمة للبحث، وتفريغ الباحثين للعمل في فرق بحثية هو الحل، وتشجيع الباحثين في الدراسات العليا لطرق مناطق النقد بلا خوف ولا إضطراب؛ بل بوضع اليد على الجرح لإنعاش الحياة الثقافية والمعرفية والفكرية، وتكوين قاعدة معرفية قائمة على الوعي والمساءلة والنقد في كافة المجالات البحثية من الفلسفة حتى الأدب مرورا بالاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم الإنسانية إضافة للعلوم الطبيعية البحتة مع الحرص على توفير معلومات وإحصاءات دقيقة في كل المجالات .
وربما عندما نكمل المائة عام يمكن لمن تبقى منا على قيد الحياة أن يتساءل عن البحث المعرفي في عُمان، ونأمل حينها أن تكون الإجابة واضحة ودقيقة ودون أن تكون هناك الكثير من علامات الاستفهام فقط!

 

شاهد أيضاً

لِمَ ننادي بنظريّة نقدية عربية؟! الواقع المعرفي والثقافي يؤكد عالمية النظريات

فهد حسين إن الدعوة التي تطلق بين الحين الآخر في مشهدنا الثقافي والنقدي، وهي: الحاجة …