الحديقة تأليفٌ متكامل كالفنّ ((فان غوغ منتحر المجتمع)) لأرتو و((ضفاف أخرى))

عيسى مخلوف

يصدر عن دار الرافدين كتابان جديدان، الأوّل عنوانه “ضفافٌ أخرى” – العنوان مستوحى من عبارة للشاعر الفرنسي سان جون بيرس: “موعودةٌ أقدارُنا بهذا الهُبوب الآتي من ضفافٍ أخرى” – وهو حوار طويل أجراه الشاعر علي محمود خضيّر مع الشاعر والكاتب عيسى مخلوف الذي ينطلق من ذاته ليذهب أبعد منها فتصبح سيرته سيرةَ الكتب التي قرأها واللوحات التي شاهدها والموسيقى التي سمعها واللقاءات الإنسانيّة التي حفرت في نفسه. والكتاب، بهذا المعنى، رحلة في الزمان والمكان والثقافات المختلفة. الكتاب الثاني بعنوان: “فان غوغ مُنتَحر المجتمع” للكاتب الفرنسي أنطونان أرتو، نقله إلى العربيّة وقدّم له عيسى مخلوف أيضًا. ولقد اخترنا، هنا، فصلًا من “ضفاف أخرى” عنوانه “الحدائق الزّمنيّة والحدائق اللّازمنيّة”، كما ننشر مقدّمة كتاب “فان غوغ مُنتَحر المجتمع”.

اللُّغز الخالص للزّهرة المعذَّبة
(المقدّمة التي وضعها عيسى مخلوف لكتاب “فان غوغ مُنتَحِر المجتمع”
لأنطونان أرْتو).
في الثّاني من شهر شباط/ فبراير 1947، توجّه أنطونان أرتو إلى متحف “أورانجوري” الباريسيّ الكائن في حديقة “تويلري”، والمطلّ على ساحة “كونكورد”. هناك، كانت تُعرَض أعمال الفنّان التّشكيليّ الهولّنديّ فانسان فان غوغ (1853-1890). شاهد أرتو اللّوحات والرّسوم بعين نافذة، وكان هو نفسه رسّامًا أيضًا، فضلًا عن كونه كاتبًا وشاعرًا وممثّلًا، وأحد أبرز مُنظِّري المسرح في النّصف الأوّل من القرن العشرين، وقد عُرفَ بنحته مفهوم “مسرح القسوة” الّذي يتطلّع إلى ابتكار مسرح جديد. في الفترة نفسها، خصّصت مجلّة “فنون” مقالةً عن فان غوغ تحتوي على فقرات من دراسة تحمل توقيع الطّبيب فرانسوا-خواكيم بير، وفيها أنّ “هذا الفنّان النّابغة كان يعاني اضطرابات نفسيّة ازدادت حدّة مع مرور الوقت”. مشاهدة أرتو المعرض وقراءته المقالة دفعتاه إلى الكتابة عن فان غوغ، وتقديم رؤية مغايرة إلى سيرته ونتاجه الفنّيّ. ولقد كتبَ انطلاقًا من تجربته الشّخصيّة، لأنّه جرّب المعاناة والعذاب أيضًا، وحاول أن يعالج الآلام التي رافقته طوال حياته بالأدوية والصّدمات الكهربائيّة والمخدّرات. كما أنّه عاش سنوات عدّة متنقّلًا بين مستشفيات الأمراض النّفسيّة ومصحّات خاصّة كانت الأخيرة في مدينة روديز الفرنسيّة. لذلك، بدا وهو يكتب عن فان غوغ أنّه ينظر إلى وجهه في المرآة ويكتب عن نفسه. بالسّكّين كتب وبالصّراخ الّذي نسمعه في كلّ كلمة، وكذلك في غضبه وإدانته الّذين يتّهمون المبدعين ويحاكمونهم، معتبرين أنّهم مرضى؛ فيما المجتمع؛ بالنّسبة إليه، هو المريض، وهو الّذي جسّد الظّلم والجريمة، و”خنقَ في مصحّاته أولئك الّذين أراد التّخلُّص منهم جميعًا أو الدّفاع عن نفسه أمام اتّهاماتهم، لأنّهم رفضوا أن يكونوا متواطئين مثله مع أبشع القذارات”.
كبهلوان يسير فوق حبل وتحته هاوية بلا قعر، أمضى أرتو حياته. كان يقيم عند الحدود الّتي تلتقي فيها الدّقّة العالية والهذيان، يصوغها بلُغة تتوهَّج أمامنا وتجعلنا نرى، بسرعة البَرق، كيف تبطل المسافة بين النّبوغ والجنون. إنّها لغة خاصّة داخل لغة موليير، وقد استطاع من خلالها أن يقدّم نتاجًا له فرادته في الأدب الفرنسيّ.
كتاب أرتو عن فان غوغ ليس كتابًا بل عاصفة تتحفّز في صفحات كتاب، يحرّكها الألم وما هو أبعد من الألم. الغضب، هنا، كاسر الأبواب ومسعًى إلى التّحرُّر من الأغلال، لا مراجعة الذّات كما مع الشّاعرة اليونانيّة سافو الّتي عبّرت عن غضبها منذ أكثر من 2600 سنة وسوَّغته بالقول: “لأنّ في نفسي روحَين لا أعرف ما أفعل: روح الصّيّاد وروح الطّريدة”، أو، كما قال الشّاعر الفرنسيّ شارل بودلير: “أنا الجرح والسّكّين”. إنّه، في جميع الحالات، الألم الّذي يصبح تُربة تتفتّح فيها الأزهار بما فيها “أزهار الشّرّ”.
ثمّة نصوص كثيرة كتبها أرتو مهَّدت لما كتبه عن فان غوغ. في مقالة نشرها في العام 1936، عرَّف بدور المبدع، بشكل عامّ، بالطّريقة الآتية: “الفنّان الّذي لم يصغِ إلى قلب الإنسان، الفنّان الّذي يجهل أنّه كبش محرقة، أنّ واجبه أن يجذب كالمغناطيس، أن يستميل، أن يُسقط على كتفه غضب الزّمان الشّارد ليحرّره من الشّعور بالضّيق النّفسيّ، من لا يكون كذلك ليس فنّانًا”.
كتبَ أرتو عن فان غوغ ليبرِّئه من الجنون وينتقد بشدّة علماء النّفس والمجتمع الّذي يحميهم، ويحمّله مسؤوليّة انتحار فان غوغ، وقبله جيرار دو نرفال. من جانب آخر، أمعن في تشريح عدد من اللّوحات بحثًا عن أسرارها، ومنها: “حقل القمح وغربان”، “كرسيّ غوغان”، “حديقة دوبينيي”، “رصيف مقهى، مساءً”، “سنابل القمح”، “اللّيل المُكَوكَب” و”دوّار الشّمس”. أصبحت هذه الأعمال مدخلًا إلى عالم فان غوغ الّذي “ينفذ إلى أعماقنا” وأعماق الموضوعات الّتي يرسمها ويؤنسنها، من أنجم اللّيل وأزرقه الصُّوفيّ، إلى سَوسَن الحقول المُواسي، المائلة أوراقه مع ريح منطقة “البروفانس”، فالحذاء الّذي “يرشح بؤسًا” ويختزل مأساة البؤساء والعبيد. لكن، إلى مَن تتوجّه جميع هذا الأعمال؟ إذا طرحنا السّؤال على أرْتو، فهو لن يتوانى عن الإجابة الآتية: “ليس لهذا العالم، وليس أبدًا لهذه الأرض، عَمِلنا كلّنا دائمًا، وصارعنا، وصرخنا من الرّعب والبؤس والحقد والفضيحة والاشمئزاز، ومن هذه الأشياء كلّها تسمّمنا جميعًا، مع أنّنا كنّا جميعًا مسحورين بها، وانتحرنا أخيرًا، لأنّنا كلّنا معًا، كفان غوغ المسكين نفسه، مُنتحرو المجتمع!”.
هكذا يروي أرْتو، بطريقة أخرى، ما سبق أن أشار إليه أرتور رامبو في ديوانه “فصل في الجحيم”: “الحياة الحقيقيّة غائبة. نحن لسنا في العالم”. لذلك، يبحث الفنّان عن الحياة الحقيقيّة في الفنّ كأنّما الإبداع لحظة جمال تقرّبنا من حرّيّة الرّؤيا وتبعدنا من شوائب الحياة اليوميّة والبشاعات المتراكمة وسطوة الابتذال. أمّا الطّبيعة الّتي يلجأ إليها فان غوغ ويتأمّل عناصرها فهي الطّبيعة العارية النّقيّة الّتي تكشف لنا نفسها حين نعرف كيف نقترب منها. “لأخرج من الجحيم، أُفضِّل المَشاهد الطّبيعيّة الّتي أنجزها هذا المُختلِج الهادئ”، يردّد أرتو الّذي ينظر إلى فان غوغ بصفته موسيقيًّا وكاتبًا أيضًا. إنّه “عازف أُرغن لعاصفة انتهت وتضحك في قلب الطّبيعة الصّافية”. هذا العزف لا يحتاج إلى آلة موسيقيّة كما كانت الحال مع فنّانين آخرين احترفوا الموسيقى ومنهم بول كْلي وفاسيلي كاندنسكي. كانت موسيقاه جزءًا من أحلامه ومن تلاعبه باللّون والضوء وسَبر الأبعاد اللّامرئيّة في الكائنات والأشياء.
من الموسيقى إلى الكتابة، يتوقّف أرتو عند رسائل فان غوغ إلى أخيه – تجاوزَت السّتمئة والخمسين رسالة – ويُورد اثنتين منها في كتابه. في هذه الرّسائل الّتي طُبعت أوّل مرّة في أمستردام، العام 1914، وتعكس ثقافة أدبيّة وثقافة فنّيّة مميّزتين، يحكي فان غوغ عن لوحاته وأسلوبه وتقنيّاته وعن المشهد الفنّيّ في زمنه، ويعبِّر كذلك، بأسلوب حيّ يذهب مباشرةً نحو الجوهر، عن تأمّلاته وأفكاره وحياته الدّاخليّة ونظرته إلى العالم، وهذا ما يجعل الرّسائل تخرج من خصوصيّتها الذّاتيّة لتندرج في إطار الأدب الفنّيّ، على غرار يوميّات الفنّان الفرنسيّ أوجين دولاكروا. لقد تحوّلت رسائل فان غوغ مرجعًا أساسيًّا يعتمد عليه مؤرّخو الفنّ والفنّانون والنّقّاد والكتّاب، للاقتراب من حياة الفنّان ونتاجه، كما الحال مع أرتو الّذي تحدّث عن أهمّيّتها ووضعها في مستوى واحد مع أعماله الفنّيّة.
كان فان غوغ يعي أهمّيّة الكلمة المكتوبة، وكان مواظبًا على القراءة، ومن كتّابه المفضّلين إميل زولا وألفونس دوديه وجون كيتس وفيكتور هوغو وفولتير وشكسبير. كان يرى أنّ التّعبير بشكل جيّد عن شيء ما لا يقلّ أهمّيّة وصعوبة عن رسم شيء جيّد. رسالته الأخيرة غير المكتملة إلى أخيه، وُجدت في جيبه بعد أن أطلق رصاصة في صدره في 27 تمّوز/ يوليو 1890 في بلدة أُوفير سُور واز حيث أمضى أيّامه الأخيرة. ذلك النّهار، وفي تلك اللّحظة بالذّات، لم يرَ الطّبيعة بل صورته فيها، وكم كان وحيدًا أمام سنابل القمح الّتي لطالما هرب إليها من أمواج جنونه العالية !
فان غوغ الّذي يحتلّ موقعًا خاصًّا في البورصة الفنّيّة، وتُعدّ أعماله من الأغلى ثمنًا في العالم – كلّ لوحة منها تقدَّر بملايين الدولارات – لم يبع إلّا لوحة واحدة طوال حياته. المال الّذي يهيمن على الثّقافة والإبداع وحتّى على عواطف البشر وأحاسيسهم، ماضٍ في تسليع أعماله وكلّ ما يمتّ إليه بِصِلة، بما في ذلك المسدّس الّذي استعمله من أجل أن ينتحر. ولقد عُرض العام 2009 في المزاد العلنيّ في مركز “دْرُوُو” الباريسيّ للمزادات، وبيع بمبلغ 162500 يورو. أمّا الشَّفرة الّتي صلم بها شَحمة أذنه فثمّة من لا يزال يبحث عنها للترويج لها.
أخيرًا، لم يكن من السّهل مقاربة لغة أنطونان أرْتو الهاذية الجامِحة المُكَهربة، ولم أسع إلى ترويضها على الإطلاق، بل ذهبت في محاذاتها، ومحاذاة إيقاعاتها، قدر المستطاع. حافظتُ على التّكرار المتعمَّد في مطالع الجُمَل والمقاطع، وترديد بعض الأسماء والكلمات وأدوات الرّبط والوصل، كما حافظتُ على العبارات الطّويلة المتداخلة حينًا، والمتقطِّعة حينًا آخر، مع تغييرات طفيفة يقتضيها الانتقال من لغة إلى أخرى. إذا كانت التّرجمة قراءة تغوص تحت جلد النّصّ، فهي، هنا، قراءة لنصٍّ مشتعل يحتمل قراءات كثيرة. إنّه “اللّغز الخالص للزّهرة المعذَّبة”، وفق تعبير أرتو الّذي رحل في الرّابع من شهر آذار/ مارس 1948، بعد أشهر قليلة من صدور الكتاب. وكتابه هذا هو أيضًا وصيّته الّتي عبَّر فيها عن رفضه الامتثال للأعراف السّائدة ولكلّ ما من شأنه أن يعرقل الإنسان في صعوده نحو الأعماق.
– للطّبيعة والحدائق حضور بارز في نتاجك: الأشجار والينابيع والنّباتات والأزهار والغيوم، بل أكثر من ذلك، هما رحلة في الذّات والكون. نظرتك إليهما تتجاوز البعد الجماليّ وتلامس البعد الإنسانيّ المَحض. ماذا تمثّل الحديقة بالنّسبة إليك؟
الحديقة، كالكتابة والفنّ، لحظة تأمُّل واختلاء بالذّات وبالطّبيعة من دون الانفصال عن العالم. إنّها فسحة تعكس تصوُّرًا مثاليًّا لنظام الكون ولعالم يسوده التّناغم والانسجام، بعيدًا عن الصّخب وصراع الحياة اليوميّة. وهي المكان الّذي تركن إليه النّفس لتستريح، ومن خلالها نسمع دعوة ابن حزم الأندلسيّ: “أريحوا النّفوس لأنّها تصدأ كما يصدأ الحديد”. الحديقة ترتقي فوق مظهرها الخارجيّ وتتوق إلى المشهد الأعلى. تنطلق من الواقع إلى الميتافيزيقا واللّامحدود. وهي، في هذا المعنى، أقرب إلى نتاج فنّيّ. إنّها، في أحيان كثيرة، لوحة فنّيّة.
الحديقة نقطة مركزيّة في المخيّلة الإنسانيّة، رافقت البشر منذ أقدم العصور وتعود جذورها الأولى إلى بلاد ما بين النّهرين. وقد طالعتنا في الأساطير منذ أسطورة “جلجامش” و”حدائق بابل المعلّقة”، وفي “أناشيد الأناشيد” حيث “يفيح النهار وتنهزم الظلال”، وكذلك في “كتاب الأناشيد” المنسوب إلى كونفوشيوس، لكن صياغته التي امتدّت من القرن العاشر إلى القرن السادس قبل الميلاد تعود إلى مجموعة من الكتّاب، ويتضمّن قصائد تضع الإنسان في قلب الكون وتعتبر أنّ التناغم مع الطبيعة هو الركيزة الأساسيّة للحضارة. كانت الشّجرة، إضافة إلى بعدها الجماليّ وما يمنحه حضورها من راحة وعطاء وظلال، رمزًا دينيًّا وقيمة روحيّة، كما الحال عند الآشوريّين مع شجرة الحياة المقدّسة الّتي يعتليها رمز الإله أشور. مصر القديمة أيضًا تركت لنا، من خلال الرّسوم والمحفورات الحجريّة، صورة عن الحديقة الّتي ابتكرتها.
في “سفر التّكوين”، كانت “جنّة عدن” مليئة بأشجار من كلّ صنف ونوع. في مكان مُنَزَّه كهذا، رفعَ “العهد القديم” قصّة آدم وحوّاء. “كلّ شجرة شهيّة للنّظر وجيّدة للأكل”، إلّا شجرة واحدة محرَّمة، “في وسط الجنّة”، هي شجرة معرفة الخير والشّرّ. إنّها الشّجرة الّتي تحوّلت معبرًا للخطيئة ومدخلًا للموت ورمزًا لدونيّة المرأة: “إلى رجُلكِ يكون اشتياقكِ وهو يسود عليكِ”! الحدائق، في بعض النّصوص الدّينيّة، مكافأة “الصّالحين”: “جنّة عدن” و”جنّات تجري من تحتها الأنهار”.
– هناك حدائق متخيّلة وأُخرى واقعيّة، وليس ثمّة تصوُّر واحد ومعنًى واحد للحديقة، ولا ثمّة أسلوب واحد!
تتنوّع أساليب الحدائق وتتعدّد، من الحديقة الفرنسيّة إلى الإيطاليّة، ومن الحديقة اليابانيّة إلى الحديقة في الإسلام. لكلّ ثقافة حديقتها ولكلّ حديقة خصائصها ومميّزاتها. أذكر منها، على سبيل المثال، حدائق “بحيرة ماجيوري” الإيطاليّة التّاريخيّة، ومنها حديقة “إيزولا بيلّا”، وهي صورة لجنائن معلّقة مُحاطة بالماء ومليئة بأشجار البرتقال، وورود ونباتات متوسّطيّة وطواويس بِيض. الحدائق الأندلسيّة من “جنّة العريف” في غرناطة وورودها وخُضرَتها ووَشوَشة مائها، إلى جنائن قرطبة المسوّرة بأزهار السّوسن والجَهَنَّميَّة المتعرّشة (بوغنفيلييه)، وأيضًا تلك المدعوَّة “ياسمين اللّيل” الّتي تتفتّح ليلًا ويضوع عطرها الأخّاذ. ترتفع وسط الحدائق الأندلسيّة، كالمسلّات، أشجار السّرو، رمز الأبديّة وجمال المرأة، وحولها أشجار البرتقال واللّيمون والرّمّان والزّيتون. صيف 2018، زرتُ “متحف الغريكو” في مدينة طليطلة الإسبانيّة ولفتتني حديقته الصّغيرة الّتي ذكّرتني بتلك الحدائق. من أكثر ما يميّز الحديقة الإسلاميّة الّتي تركت أثرها على الحديقة الأوروبيّة منذ القرون الوسطى، تمحورها حول الماء ودوره الأساسيّ في تقسيمها الهندسيّ. أذكر أيضًا الحدائق اليابانيّة القائمة على الإشارات والإيهام وأزهار الكرز المتلألئة في عبور زمنها السّريع، ومنها حديقة “الجناح الذّهبيّ” في كيوتو وحوض مائها الواسع. والحدائق اليابانيّة، سواء الخاصّة أو الموزّعة في المدن والمواقع الأثريّة، صورة مصغّرة للمناظر الطّبيعيّة الشّاسعة، وأشكالها متنوّعة، منها حديقة الزّنّ الّتي تحتوي على صخور وحصى ورمل ونباتات طحلبيّة تنمو في مستوى التّربة. هذه الحديقة، يتنزّه فيها المتأمّلُ بفكره لا سيرًا على القدمين، ويكفي أن يجد موقعه فيها ليصبح أحد عناصرها الحيّة. للحديقة اليابانيّة نماذج خارج اليابان، إمّا داخل حدائق كبيرة، أو قائمة في ذاتها مثل حديقة متحف “غيميه” في باريس، أو “حديقة السّلام” في اليونيسكو، أو “حديقة ألبير كان” في الضّاحية الباريسيّة “بولون”، وهي من الحدائق الّتي أتردّد إليها. بالنّسبة إلى الحدائق الفرنسيّة، هناك أوّلًا “حديقة فرساي” الّتي صمّمها المهندس أندريه لونوتر، في عهد الملك لويس الرّابع عشر، وطبعت تصاميم الحديقة الفرنسيّة الّتي تتميّز بمساحاتها الفسيحة وأشكالها الهندسيّة المنتظمة وأشجارها – خصوصًا الدّلب والحَور – وأزهارها وتماثيلها وأحواض مائها… حَلُمَ لونوتر بفردوس أرضيّ وحقّقه بالإمكانات الكبيرة الّتي أُتيحَت له في القرن السّابع عشر، كما حَلُم دانتي أليغييري، مطلع القرن الرّابع عشر – في كوميدياه الإلهيّة – بفردوس سماويّ فَصَّله على قياس حُبِّه لبياتريس ومن أجلها. ولم يكن ثمّة أثر لهذا الفردوس في خرائط الأزمنة القديمة المتخيَّلة. جغرافيّون من القرون الوسطى حدّدوا موقع السّماء، في مكان يتعذّر تبيانه، بين روما والقدس. هناك وطئت قَدَم بياتريس وتفجَّر نبع ماء كان ينهل منه نهرا دجلة والفرات. هكذا، يتداخل الواقع بالمتخيَّل في الحدائق. تتقاطع الحقائق الملموسة والأساطير. وفي بعض المعتقدات، يصبح الخيال نفسه واقعًا يتعذّر النّظر إليه خارج هذا السّياق.
– إلى أيّ مدى يحضر الشّعر في هذا المجال؟
الحديقة ليست خُضرة وماء وضوءًا وظلالًا ومسعًى إلى بلوغ سلام داخليّ وحسب، بل هي لحظة تأمّل شعريّ وباب مفتوح على الأسطورة الغنيّة بالتّحوّلات أيضًا. “دافْنِي، في الأسطورة الإغريقيّة، تتحوّل شجرةَ غار لتتخلّص من أبولون. لحظة تحوّلها هذه، يصفها الشّاعر الرّومانيّ أوفيد وصفًا رائعًا في كتابه “التّحوّلات”. في الأسطورة أيضًا، وفي احتفالات أدونيس السّنويّة، كانت النّساء الإغريقيّات يزرعنَ حدائق صغيرة فوق السّطوح ويسقينها دموعهنّ على أمل انبعاثه من الموت.
– سنعود إلى الحديث عن الحديقة في الفنّ، لكن هنا لا بدّ من وقفة: كيف تنظر إلى الواقع الرّاهن للحديقة في العالم العربيّ؟
في موازاة الإهمال الّذي تشهده حدائق قليلة موجودة في العالم العربيّ، وعدم الاهتمام بهذا القطاع وقلّة وعي أهمّيّته، هناك مساعٍ الآن في عدد من الدّول العربيّة إلى خلق فسحات خضرٍ وحدائق، بعضها انطلق من حدائق قديمة كانت موجودة ومهملة، وبعضها الآخر أُنشئ في السّنوات الماضية أو هو قيد الإنشاء. في مراكش، مثلًا، حدائق عدّة منها حديقة “ماجوريل” الّتي أنشأها الفنّان الفرنسيّ جان ماجوريل، مطلع ثلاثينيّات القرن العشرين، وتحتوي على نباتات وأزهار نادرة، و”الحديقة السّرّيّة” الّتي افتتحت في العام 2016 في قلب المدينة القديمة وهي صورة عن الحديقة الأندلسيّة والحديقة المغربيّة. إلى ذلك، تُنَظَّم دورة سنويّة لملتقى “المعمار” بدعوة من “المدرسة الوطنيّة للهندسة المعماريّة” في المدينة، بالتّعاون مع هيئات مغربيّة وجهات فرنسيّة ومؤسّسات دوليّة، ومن اهتماماتها فنّ العمارة والحدائق في سياق التّحوُّل البيئيّ والمجتمعيّ. لكن، بسبب الفوضى العمرانيّة، وغياب التّنظيم المدنيّ في معظم الدّول العربيّة، وفي غياب الاهتمام بالتّراثين المعماريّ والطّبيعيّ كجزء من التّربية والتّعليم، وتوثيقهما بالطرائق العلميّة الّتي تعتمد الوسائل الحديثة وأُولاها المعلوماتيّة، تجد الحدائق نفسها، في حال وجودها، كأنّها واحة داخل رُكام من الحجارة.
– أَمُكتسَبٌ الفردوسُ أم مسعًى؟
كلّ فردوس مفقود، وعلينا أن نبحث عنه دائمًا، في دواخلنا وفي الخارج على السّواء. والفردوس، ككلّ عمل فنّيّ، ليس مكشوفًا أمام الجميع، فهو يحضر “في عين الّذي يرى” وفق المثل التّيبتيّ.
هل من اهتمام بالحديقة اليوم، بما هي حاجة جسديّة وحاجة روحيّة، كما كان الأمر في السّابق؟
مع تطوّر علم البيئة والوسائل التّقنيّة الجديدة، أصبح التّعاطي مع الحديقة يدخل في نسق جديد يضفي عليها عناصر لم تكن موجودة من قبل. وعلى الرّغم من البعد الرّمزيّ للحدائق والخصوصيّات الّتي تميّزها بين ثقافة وأخرى، إلّا أنّ ثمّة قواسم مشتركة بينها اليوم، مع ثورة الاتّصالات ومع العولمة، أكثر ممّا كانت عليه في الماضي، ومنها قدرتها على احتواء أصناف أشجار ونباتات من القارّات الخمس وتَزاوجها في مساحة تَعايُش واحدة. هناك مدارس خاصّة تُعنى بتدريس هندسة الحدائق وفنّ المشهد. وتُنَظَّم في بعض الدّول الغربيّة، سنويًّا، مهرجانات للحدائق، يشارك فيها مهندسون للمشهد الطّبيعيّ وبستانيّون وفنّانون وكتّاب وشعراء، كما الحال مع المهرجان العالميّ للحدائق في فرنسا.
وإذا كانت باريس تُعنى، منذ القرن التاسع عشر، بتزيين شوارعها وحدائقها بالأشجار والاعتماد على فوائدها الصحّيّة، فإنّ قرارًا جديدًا اتّخذته بلديّتها يقضي بزراعة عشرات ألوف الأشجار الجديدة. أمّا عدد الأشجار في الوقت الراهن فيناهز المئتَي ألف شجرة معظمها من الدلب والكستناء والزيزفون، وهي من الأشجار المعمّرة. تضاف إليها ثلاثمئة ألف شجرة في غابتَي بولونيا وفانسان المحاذيتين للمدينة. ولكلّ شجرة بطاقة هويّة رقميّة تحتوي على معلومات حول تاريخ زراعتها وريّها وتشذيبها ووضعها الصحّي (جروح، فطريّات، صَدَمات)، وذلك لتسهيل تشخيصها ورصدها بانتظام.
نعم، يزداد الاهتمام لدى البعض بالحديقة بمقدار تصاعد التّهديد الّذي تتعرّض له، كما يحدث للبيئة والإنسان في صورة عامّة، بسبب التّلوّث والتّصحُّر والبناء العشوائيّ والاستغلال غير المنظّم للموارد الطّبيعيّة. مع التّعمُّق في المعرفة البيئيّة ووعي هشاشة الأرض الّتي لا يمكن أن تتجدّد مواردها الطّبيعيّة إلى ما لا نهاية، تتضاعف مسؤوليّة الإنسان في الحفاظ عليها، لكن يبدو، ضمن منطق الرّبح السّائد، أنّ تدمير الأرض أقلّ كلفة من الحفاظ عليها.
– أن تكون الحديقة حاضرة في نتاجك، فهذا يعني أنّها حاضرة أيضًا في حياتك اليوميّة، هل من حدائق معيّنة تتردّد إليها؟
لا تكتمل زيارتي المدن الّتي أسافر إليها من دون المرور بحدائقها، ومنها، في بيروت، “حديقة الرّئيس رينيه معوّض” في منطقة الصّنائع، خصوصًا بعد محو آثار الحرب عنها وتطعيمها بأشجار ونباتات من أصقاع بعيدة، و”الحديقة السّرّيّة” في مراكش، و”جنّة العريف” في غرناطة، و”سنترل بارك” في نيويورك، و”باركي دل إيستي” في كراكاس، وحدائق “بحيرة ماجيوري” في إيطاليا، وحديقة “باغاتيل” القريبة من مقرّ إقامتي في باريس وتحتوي على عشرة آلاف شجرة ورد، تتفتّح كلّها ويفوح أريجها في شهر أيّار/ مايو كآلاف الكمنجات تنطلق، فجأةً، دفعة واحدة. هناك أيضًا حديقة “لوكسمبور”، في جوار سَكَني القديم المُطلّ على الجامعة الّتي درستُ فيها. هذه الحدائق، بالنّسبة إليّ، هي روح المدن ونبضها، ولحظة سكون ضروريّة. إضافة إليها، هناك فُسحات طبيعيّة خلّابة أذكر منها: “ليزيتان دو كورو”، بين باريس وفرساي، وهي من أماكني الأثيرة. عرَّفَتني عليها الإعلاميّة هاجيرة ساكر التي كانت أجرت لقاءً مع الكاتب مؤنس حسين، ابن طه حسين، قبل أيّام من وفاته في العاصمة الفرنسيّة. تتميّز هذه الفسحة بحَوضَي مائها الفسيحَين المُحاطَين بأشجار الغابة. هناك، رسمَ الفنّان الفرنسي جان باتيست كاميّ كُورُو بعض أشهر أعماله، وتنزّه على ضفافها عازف البيانو شوبان وقطفَ من وَقْع قطرات المطر فوقها إيقاعات موجودة أصلًا في نفسه.
– قلت إنّ الحديقة عمل فنّيّ، لكن هناك أيضًا علاقة خاصّة بين الفنّانين والأدباء من جهة، والطّبيعة والحدائق من جهة ثانية، كيف تتمثّل الطّبيعة في الأدب أوّلًا؟
لا حصر للنّتاجات الأدبيّة الّتي تنطلق من المشهد الطّبيعيّ ومن الحديقة، شرقًا وغربًا، منذ أقدم العصور. ولا يرتبط هذا الموروث بزمان ومكان، بل يبسط أجنحته على الأزمنة والأمكنة كلّها. إذًا، وقبل أن تصبح الغابات والحدائق والأشجار مادّةَ بحث علميّ، كانت وما تزال موضوعًا أدبيًّا وموضوعًا فنّيًّا يتداخل فيهما الواقع بالمُتَخيَّل. جاء في “ملحمة جلجامش”، الّتي أتينا على ذكرها، وصف لإحدى مغامرات جلجامش وأنكيدو: “وقَفا مذهولَين ينظران إلى جمال الأرز (…) الأرز أمامهما يطاول السّماء. ظلُّه وارف، يملأ القلب بالفرح والبهجة”. وتحضر الغابة في النّشيد الأوّل من جحيم “الكوميديا الإلهيّة” لدانتي، وهي، هنا، “الغابة المظلمة”، كما تحضر الغابات والحدائق في نتاجات عدد كبير من الكتّاب والشّعراء، ماضيًا وحاضرًا، ومن بينهم فيرجيل، شكسبير، فيكتور هوغو، إرنست همنغواي، ياسوناري كاواباتا وشعراء قصائد “الهايكو” اليابانيّة، فيرجينيا وولف، ليونولد سيدار سنغور، مارغريت يُورسنار، جوليان غراك، بابلو نيرودا، ومن بين الشّعراء العرب: أبو نواس، البحتريّ، ابن زيدون، وغيرهم الكثير. ونجد عند البعض منهم هذا المزج بين الطّبيعة والمرأة الّتي، بحسب قول ابن الرّوميّ، “يُشِمسُ اللّيلُ منها”. لكنّ الالتفات إلى المرأة وربطها بالمشهد الطّبيعيّ، يركّز، في نسبة كبيرة منه في الأدب العربيّ، على جمالها الحسّيّ الملموس، أي الجمال البدنيّ، غافلًا، في معظم الأحيان، الجانبَ النّفسيّ والحياة الدّاخليّة، عازلًا جمالها عن وجودها ككائن يفرح ويحزن ويُعاني.
– ما الّذي يخطر في بالك الآن من مقاربات الكتّاب للطّبيعة؟
ألبير كامو يلتفت إلى شمس الجزائر والمشهد المتوسّطيّ. جورج ساند تقدّم وصفًا متأنّيًا للحدائق. بابلو نيرودا يحكي عن عودته المرتقبة إلى التُّربة والتّحدّث في هدوء مع الجذور. هيرمان هسّه ينظر إلى نفسه من الضّفّة الأخرى: “غدًا، بعد غد، قريبًا، قريبًا جدًّا، سأكون شيئًا آخر. سأكون وَرق الأشجار، سأكون الأرض، سأكون الغيمة السّابحة في السّماء الصّافية… أدخل النّسيان وأغوص في دورة التّحوّلات المُشتهاة بحرارة”. هذا التّماهي مع الطّبيعة يطالعنا عند فيرجينيا وولف أيضًا: “أحيانًا، أركض، أطير، أسبح، أشرب النّدى، أتفتّح أمام الشّمس، أعيش مع القُبَّرات، أزحف مع السَّحالي، ألمع مع النّجوم والديدان الملتمعة. أعيش، أخيرًا، في كلّ ما يؤلّف الوسط الّذي يشكّل امتدادًا لوجودي”.
– كيف تتبيّن حضور الحدائق والمشهد الطّبيعي في الأعمال الفنّيّة؟
تأليفٌ متكامل هي الحديقة كالفنّ، وحضورها في الأعمال الفنّيّة، كحضورها في الأعمال الأدبيّة، يحتاج الحديث عنه إلى صفحات. سأكتفي، هنا، بالإشارة إلى بعض الجوانب والأمثلة: فسيفساء المسجد الأمويّ الكبير في دمشق، وهي تجسيد للنّموذج البيزنطيّ، ومسجد قبّة الصّخرة في القدس في أشكال فسيفسائه الهندسيّة والنّباتيّة. زخارف سيراميك إزنيك – في الحقبة العثمانيّة – المزدانة بالأزهار، لا سيّما زهرة الخزامى. جداريّات مدينة بومبيي. لوحات الفنّانين الغربيّين من القرون الوسطى وعصر النّهضة حتّى العصر الحديث، ونذكر منهم جيوتّو وجيوفاني بلّيني وأندريا مانتغنا، خصوصًا في اللّوحات الّتي تجسّد معاناة المسيح في بستان الزّيتون وظهوره للمجدليّة متنكّرًا في صورة بستانيّ. إضافة إلى ذلك، هناك المنمنمات الفارسيّة، ومنها الرّسوم الّتي رافقت ملحمة خسرو وشيرين، ومنمنمات يحيى بن محمود الواسطيّ والأشجار الّتي فيها، والمنمنمات اليابانيّة، حيث حجم الإنسان نقطة صغيرة في الكون. أذكر أيضًا أعمال بيار بونار وشفيق عبّود، وقبلهما المدرسة الانطباعيّة. من أعلام هذه المدرسة، كلود مونيه الّذي عاش حياته داخل حديقة في قرية جيفيرني في النّورماندي، وهو الّذي صمّمها وزرع بنفسه معظم أزهارها ونباتاتها، وظلّ يرسم زهرة النيلوفر المسترخية فوق الماء عقودًا. أتذكّر الآن صديق مونيه، الفنّان غوستاف كايبوت الّذي كان مثله، قريبًا من عالم النّباتات والأزهار، وكان يبعث إليه برسالة كلّ يوم، وفي إحداها كتب: “سأتوقّف بضعة أيّام عن كتابة الرّسائل لأنّني سأكون منهمكًا برؤية تفتُّح زهرة الأوركيد”. نعم، هناك جانب طقوسيّ في التّعامل مع النّباتات والأزهار. البستانيّ يجثو أمام الزّهرة ليعتني بها، وبكفّيه الاثنتين يربِّت الأرض حولها. ومن النّساء، عاشقات كنَّ أم لا، مَن يضعنَ بتلات الورد بين دفّات الكتب، يَدسُسنَها في صدورهنّ أو بين ثيابهنّ المرتّبة في الخزائن. الحديقة، بدلالاتها الرّمزيّة، لا تنحصر في مكان واحد فحسب.
– هل سيغيّر تزايد الاهتمام العلميّ بالأشجار طريقة التّعامل معها؟
مع تطوّر العلوم، بدأت الأشجار تكشف خصائصها وأسرارها. إضافة إلى المعارض، هناك كُتب ودراسات ومقالات كثيرة كُتبت حول هذا الموضوع، وأكّدت أنّ هذه الكائنات الدّهريّة ليست أسيرة صمتها، فهي تعيش وفق نظام متكامل معقَّد. تتواصل فيما بينها. تصغي إلى ما يحصل حولها، وتستشعر، بطريقتها الكيميائيّة الخاصّة، الخطر الدّاهم، وتحاول أن تدافع عن نفسها. إضافة إلى منافعها بالنّسبة إلى البشر، النّفسيّة والجسديّة على السّواء، والّتي أفصحت عنها دراسات علميّة عدّة، فهي تُطعمنا وتنقّي الهواء الّذي نتنشّقه بتحويلها ثاني أُكسيد الكربون أُوكسيجينا. تؤوي العصافير وتفرش الظّلال. تُستعمَل في التّدفئة وصناعة الأبواب والنّوافذ والمراكب والورق وبعض الآلات الموسيقيّة… تُصنَع منها أيضًا أعقاب البنادق، ومقابض الخناجر والسّكاكين، ما يحيلنا إلى قَوْل المتنبّي: “كلّما أنبتَ الزّمانُ قناةً رَكَّبَ المرءُ في القناةِ سِنانا”. أمّا الأشجار نفسها فهي كائنات مُسالمة لا تمتلك أسلحة ولا تخوض حروبًا. إنّها، بخلاف ذلك، تعاني وجود الإنسان على الأرض، وطريقة تعامله معها، ومحاولات استئصالها في أماكن كثيرة من هذا الكوكب.
– ما حال الثّروة الحرجيّة اليوم؟ وهل هناك خطر فعليّ، بسبب فوضى الإنتاج الصّناعيّ والتّلوّث وتغيُّر المناخ، يتهدّد الغابات والأشجار؟
لئن كانت الشّجرة المعمِّرة تلامس الأبديّة وتعيش بعض أصنافها مئات وألوف السّنين كشجرة الأرز، فإنّها تتعرّض الآن لشتّى أنواع التّنكيل والإبادة. هناك غابات يتهدّدها خطر الاندثار الكامل. وقد دُمِّر خلال القرن العشرين، لا سيّما في النّصف الثّاني منه، ما يزيد على خمسين في المئة من غابات العالم. ارتفاع نسبة قَطع الأشجار يُطاول أيضًا الغابات الاستوائيّة وفي مقدّمها غابة الأمازون. وثمّة بلدان في أفريقيا وآسيا فقدت قرابة ثمانين في المئة من ثرواتها الحرجيّة. فهل تستطيع البشريّة أن تعيش من دون غابات وأحراج؟ أليس تدميرها جزءًا من تخريب البيئة الطّبيعيّة والقضاء على الأنواع الحيّة؟ ألا يضاعف هذا التّعامل معها ظاهرةَ الاحتباس الحراريّ وذوبان الجليد القطبيّ وزيادة نسبة الجفاف والتّصحُّر؟ الشّركات العالميّة الكبرى المدعومة من الحكومات لا تلتفت أصلًا إلى هذا النّوع من الأسئلة، ولا تعنيها حياة الإنسان على الأرض.
– إلى أيّ مدى تشعر بأنّ الشّجرة كائن غامض ومُلغز على الرّغم من البحوث العلميّة حولها، والّتي لم تكشف بعدُ أسرارها كلّها؟
في كلّ شجرة مَمَرّ سرّي. هذا ما يشير إليه الشّعر، كأنه يدلّ، برؤيته الحَدسيَّة الخاصّة، على الكشوف العلميّة. هذه العلاقة بين العلم والشّعر سبق أن تطرّق إليها عدد من الفلاسفة والبحّاثة ومنهم غاستون باشلار. على المستوى الفكريّ، لاحظ أرسطو، ومنذ القرن الرّابع قبل الميلاد، أنّ الكائنات الحيّة كلّها تمتلك مركزًا للنّموّ يُنظِّم، وفقَ ساعة بيولوجيّة، تطوُّر الأنواع. وهذا ما أكّدته، في زمننا الرّاهن، بحوث العلماء الّذين حدّدوا العناصر والجينات الّتي تُسيِّر حياة النّباتات والحيوانات والبشر وتمنح كلّ ما هو حيّ الإيقاع اللّازم. كان داروين أوّل من أشار إلى موضوع الذكاء النّباتي الذي أخذ يتعمّق في العقود الماضية مع باحثين في علم النبات. العلم يفكّك لغة الأشجار اليوم ويمعن في دراسة مكوّناتها، لكنّه لا يستطيع أن يحميها من هيمنة منطق المردوديّة المادّيّة وأسبقيّتها على كلّ شيء. هذا المنطق الخالي من أيّ رؤية إنسانيّة أو شعريّة، يجهل أنّ القضاء على عناصر الطّبيعة، في هذه الصّورة النّفعيّة المدمِّرة، إنّما يقضي أيضًا على روح الإنسان نفسه ويهدّد وجوده على الأرض. وهذا ما انتبهت إليه ثقافة الهنود الحمر. فعلاقة هؤلاء بالطّبيعة تختصرها خطبة الزّعيم الهندي “سياتل”، في العام 1854. يقول فيها إنّنا نتقاسم، مع الحيوانات والأشجار، النَّفَس ذاته: “كلّ صنوبرة ملتمعة، كلّ شاطئ رمليّ، كلّ سحابة في الغابات المظلمة، كلّ فُرجة مُضاءة وكلّ طنين حشرة، كلّها جميعًا مقدَّس في ذاكرة شعبي وتجربته (…) سوف تبقى الضّفاف والغابات مسكونة بأرواح شعبي لأنّنا نحبّ هذه الأرض مثلما الطّفل الرّضيع يحبّ دقّات قلب أمّه”.
في هذا السّياق، علت في العقود الماضية أصوات كثيرة تحذّر من الأخطار. لاحظ الكاتب جان ماري لوكليزيو، في كتابه “الحلم المكسيكيّ”، أنّ “مفاهيم الحضارات الهنديّة – الأميركيّة، خصوصًا ما يتعلّق منها باحترام قوى الطّبيعة والسّعي إلى التّوازن بين الإنسان والكون، كان “في إمكانها أن تشكّل الرّادع الضّروريّ للتّقدّم التّقنيّ في الغرب”. من جهة ثانية، رأى عالم الأنتروبولوجيا الفرنسيّ كلود ليفي ستروس أيضًا أنّ الغرب، إذا أراد فعلًا أن ينقذ نفسه والعالم حوله، عليه أن يعيد الاعتبار إلى بعض قِيَم الحضارات الّتي دمَّرها. لكنّه سرعان ما أضاف في كتابه “مدارات حزينة”، كأنّه أحسّ بمثاليّة دعوته وصعوبة تحقيقها: “بدأ العالم من دون الإنسان وسينتهي من دونه”.