أخبار عاجلة

الرأس الأعمى

من الواجب ان اقول لك، يا عنبر، اني لم اكن خائفا في حقيقة الامر، يا صديقي وشفيعي وملاذي. كذلك من الواجب ان أتساءل امامك، كما تساءل العشرات قبلي. هل هناك حقيقة ؟ يا رجلا اضعه بمصاف روحي واستنير بإشعاعات حكمته في ايامي التي حلكت حتى باتت اياما عمياه بسوادها المستديم، اني افترض، يا سيدي، ذلك افترض السؤال واعتكف الى حزني المشلول بانتظار قرارك العادل وحكمتك الجديدة، ولكن عليك ان تصدقني دائما، فلقد كنت امهد نفسي لان اكون متوازنا وشجاعا ومنفذ اوامر مبصرا، فهذه روحي الثمينة وهذا جسدي البكر، وهذا انا كلي منسفح أمام الحرب. عار تماما، بلا يقظة ولا احلام، اني اعيش مهتديا بتجربتك الاثيرة: أن اكون كما اوصيتني، لك فقط، افتح قلبي واخرج منه عددا كبيرا من الاحلام المقطوعة الرؤوس واضعها تحت قدميك، حلما، حلما، ولك ان تقول قولتك، فانا اتدرع كثيرا بهديك الذي دخل فتوتي مبكرا واقام على شبابي حدا خطرا لا احيد عنه، واحلامي التي تحت قدميك هي لغتي المهذبة التي تعلمتها منك كل تلك السنوات، تفرس بها لترى كل حلم بحجم الفم، تكوه بقسوة، وشقوا الافواه الصغيرة التي جمعتها بفم واحد هو أخر ما تبقى لي لاخاطبك به، يا سيدي ومولاي وشفيعي، يا صديقي عنبر، اني ألوذ بك الآن، كما في كل وقت، لقد فتكت بي الحرب في آخر لحظة شيطانية، وصدقني لم اكن خائفا، وقتها كنت محاصرا من ست جهات كما اتذكر ولم يبق من العمر الجميل الا لحظات، كانت اثيرة وغالية، نظرت اليها بندم، فما ضاع قد ضاع ولم تبق الا هذه القبضة الصغيرة من الوقت وحفنة عليلة من الامل واخري من الذكريات المحتضرة، ها هي تركن في جيبي المثلوم وتتكدس على بعضها، لقد اغلقت حواسها كي لا ترى وتتذكر وترفس خاصرتي.

تركت لي لحظاتي الاخيرة.. الاثيرة تضطرب على الساتر الجاثم وحاولت ان اقتسم بقاياي معي، اذ لابد ان ارتكن الى القدر المحمول على عصف القذائف والقنابر وحفيف الرصاص المزدحم، لكن عريفنا الريفي الشهم يأتينا دائما في الوقت المناسب، يحثنا على الشجاعة ويتجول بين هياكلنا مثل المصل، يوزع علينا حقنا من الشهامة والبطولة والصمود والتضحيات، وكنت، كما في كل مرة، والله، أرى على وجهه دمعة سقط نصفها وظل النصف الآخر عالقا بين اسنانه، كان يعض ذلك النصف بقوة كي لا يسقط. وعلى وجهه ذكر جميل تركه هكذا، لعله لم يكن متقصدا، اذ لا وقت لديه، كما اعتقد، لمثل هذه الانفعالات، ولا ادري وقتها، يا عنبر لماذا خامرني احساس بان هذا العريف الطيب هو نتاج زواج الغبار والمطر. وكنت أحدس ايضا، ان تحت خوذته ثقبا بحجم الابهام، ولا ادري لم كنت افكر هكذا، ولكنني وانا انظر اليه كنت أرى عقرب الوقت منتصبا بين عيني وعينيه، كما لو ان زمانا بريئا قد مات وفسدت سنوات غالية على هذا المكان وسقطت احلام زرقاء مضرجة بدمائها. والله ما كنت خائفا يا عنبر، يا مولاي وشفيعي، انني احضر نفسي لهذه الليلة المتوحشة. ولم تبق لي حصة من الانفاس الا في هذا الوقت القصير القادم المتدحرج على مواضعنا، هي حصتي الاخيرة في سنواتي التي لم افهم منها شيئا سوى حكمتك وهديك ولغتك الثمينة ووصاياك العادلة، ووقتها يا صديقي اخذت ابحث عن كوة بحجم العين اودع منها طفولتي وحاضري غير المستقر وشبابي المنفسخ امام الحرب، وصدقني، عليك ان تصدقني حسب، اخذت اعرف واجتهد، في لحظة الضيق تلك ان الحياة جميلة جدا وعظيمة جدا، لا تشبع عمرا مهما طال ولا تملأ عينا مهما اعطت، لكنني لم اكن احلم وقتها: اذ من العسير ان يحلم المرء في ذلك الوقت المحاصر، فقط كنت احصي لحظاتي المتبقية وأهيىء نفسي للعناء او الخراب، اما الحياة فسأتركها غير آسف، فتكفيني هذه اللحظات المتبقية امارس فيها اغنيتي المتفجرة المؤجلة منذ اعوام، و ادافع عنها بضراوة ضبع وما عدا ذلك فكل ما يمنح من الوقت الفائض هو هبة الله لي هكذا اعترف بقناعتي يا عنبر، هكذا اقول اني كنت مستسلما لشعور طغى في اعماقي وملأ مساماتي بريح تشي انني عشت حياتي القصيرة كما ينبغي وامتلأت اوردتي بريحها الوردية: فكنت اقتسم ألمي لوحدي، واغنيتي المؤجلة تبحث عن الانعتاق وسط الجو المشبوب بالفجيعة ؟ فيما كان الوقت المتبقي لحياتي المهددة بالفناء يقتسمني مع الساتر الصاخب بالحيوات التي تلفعت قبل قليل بظلام المأساة القادمة ؟ ضجة مكتومة لكائنات بشرية لا تدري ماذا تفعل بين الانتظار المشحون بالفأر وبين واقع الحال المتقاطع مع الاحلام والاوهام والاماني السعيدة الضالة: حيوات اختلطت امامها المرايا فقفزت من دواخلها أسرار واعترافات واغنيات واوقات مضت واخري ستأتي محمولة على احلام بيض، اما اغنيتي، يا عنبر، اخي وشفيعي وضوئي، اما اغنيتي فقد ارجأتها الى وقت ما ربما يأتي وربما لا يأتي، فقد حلت فحمة الليل، وقلنا، ها ان مصائرنا تتعرض للخطر، والعريف، ذو الذعر الجميل، ما يزال يطوف بيننا في الظلام ومن فمه تتراشق حقن الصبر واليقظة والحذر، وكما في كل مرة، رأيت على ضوء التنوير، نصف الدمعة العالقة بين اسنانه، ياللعريف الشهم، جرأة وبندقية ونصف دمعة، وعندما يغادرنا يتكوم بيننا وفينا وحولنا صمت موتور اشبه بالصمت الذي يحيه بالمقابر، هو صمت يقع في الوقت المضاف الى اعمارنا، انه الصمت الذي منحته لنا الحرب، يا عريف تمسك بنصف الدمعة، فالهجوم قادم ولاشك، مادام الظلام جاثما على صدرنا، وصدقني يا عنبر لم أكن خائفا عندما جاء الهجوم، انني احفظ تعاليمك ووصاياك واهب روحي من أجلها، لقد اطبقت على عيوننا نار حمراء واصطفق على رؤوسنا عصف مجنون وتناوش احلامنا الرصاص والشظايا فاختلطت النيران والسواتر والدخان والغبار والدماء، تحول الليل الى حريق متصل وشواء متصل واباحية في الموت لا استطيع ان اصفها الا وانا مجنون تماما، اما وانا امتلك منك هذه الذاكرة الحية فلا أقدر ان أرى كل شيء بوضوح. الظلام يا عنبر برغم الحرائق المتوالدة في كل مكان، الظلام يا أخي بعثرنا في كل اتجاه. والصفع المتكاثر سلب منا قدرتنا على الثبات، فما على المرء ان يفعل ازاء هذه المواجع ؟ وكيف يستطيع ان يؤكد حضوره الانساني وسط هذه الاكف المقاتلة التي تشبه المطارق ؟ الموت ؟

اين هو؟ هاته لي ! اشتريه منك بحياتي.. صدقني يا مولاي وشفيعي وملاذي اشتريه بكل كنوز الدنيا وآنا اعي ما كنت اتمناه، ساعات ثقيلة كالجبال ساقتنا من ساتر الى ساتر وانا لا استطيع ان افقه ما الذي يدور بيننا، فالقتال صار بالامتار والاشبار الصغيرة بل اقل من ذلك، وما عليك الا ان تصدقني فقط، فانت ولي حياتي وانا مرهون بمشورتك، وفجيعتنا استمرت الى الفجر وما كانت الشمس تريد أن تظهر كأنما الله سبحانه وتعالى امرها ان تتباطأ في طلوعها المهيب.. لكنها تكشفت اخيرا عن صباح رهيب ما كان مثله صباح يا سيدي، وانا مختف في شق ارضي، هو العاشر او العشرون الذي استبدلته طيلة الليل المتصادم بالحرب، ولا ادري هل كنت اتقدم في الظلام ام كنت أتراجع، اذ لم يكن بمقدوري ان افهم حقيقة الموقف، ولو كان عريفنا الشهم الطيب موجودا لكنت على يقين بما جرى، وربما بما سيجري، فانه يقينا لما يزل محتفظا بالدمعة بين اسنانه، انها تعويذة الحياة الصاخبة بالمخاطر والمواجع، كان كل شيء يقود الى مطحنة وعيناي تلتقطان، في فزعهما المتخاطف، صورا شتى لساحة المعركة، وانا اعيش في الوقت المضاف المتجدد هذا الصباح، اعبئه في جيوبي واعلق ما تبقى منه في رقبتي واركض في صباح دموي تحت سماء غدت جمرة محمرة وحول يتفاقم عصف مضغوط وتحتي اسفنجة خادعة اسميها أرضا. وفي داخلي اغنية تمد عنقها فترى ما ترى وتختلج فترتد مذعورة، وما من خلاص يحول بيننا وهذه اللغة العمياء التي اصطادت الكثيرين والقت بجثثهم في العراء المحترق الذي تحول الى اسفنجة متخشبة، وأية اسفنجة يا عنبر! انها روح، انها روحك انت، تدوس عليها اضطرارا لكي تنتشلها بقدميك من خثرة الدم والتحام الشظايا، صدقني ان شعورا مثل هذا ينتابك، انتابني وانا احمي لحظاتي التي فاضت، لكنني وجدت انها ستنتهي وانا اتوغل الى ساتر لا اعرف ماذا يعني ولمن هو، راكضا كالعالقة في ثيابه النار، ومن كل مكان كان الرصاص يتدفق من فوهات لا يمكنني أن أراها، والنار تتعالى بشكل يومي وان لا فكاك من هذه اللعنة التي انبثقت علينا منذ الليل الفائت، وقتها لم اكن افكر ان كانت النار صاعدة الى السماء ام نازلة من هناك. لا فرق، فالجحيم واحد ما دامت هناك نار وما دام هناك رصاص وقذائف واحتراق وموت ورعب وفزع واضطرار للحوت واسف وحصار من كل الجهات، ولا اخفيك يا عنبر، يا سيدي الجميل الذي أتبرك بمطلعه واتهيب، انني اذعنت للكارثة تقريبا فتذكرت عريفنا وتذكرت نصف الدمعة التي بين اسنانه وتذكرت ذعره الجميل المتجسم على وجها تجسيما مخيفا وتمنيت ان امسحه بورق جريدة او بجو راب او بيدي او برمانة يدوية، لحظة مرقت في ذاكرتي المشلولة، وانا اقرر من جديد امام التحام التفاصيل الماثلة في هذا الميدان الغريب، ان اكون حالتي الخاصة، فلقد انتهى الوقت المضاف الى عمري البريء، وما علي الا ان اتسل بحياتي العالقة في خيط نحيف، فاصبحت عائما ورخوا بين النيران والانغلاقات والزفيف الخاطف لرصاص مذنب وشظايا قاسية الانصال، نعم، يا عنبر، يجب ان أتسل بالوقت الممنوح لي سهوا او مصادفة، اذ يكفي اني بركت على الدهاء، بين الحرائق، وحتى هذه اللحظة اكثر من خمس عشرة ساعة ويكفيني هذا الركض المذعور، فأنا رجل بلا جهات، سويت قامتي، لقد اتعبها الانحناء، وكان الرصاص يحرق اطراف رموشي ويحف الذكريات الصغيرة الجريحة، ويهاجم اغنية عذبة لم يقدر لها ان تخرج في هذا الجو المعفر بالدخان والنار والموت والصراخ واللامعني، فكانت ترتد دائما، ترجع عنقها النحيف متحشرجة، وعندما اصرخ: "لماذا؟" ترشقني على وجهي كف مقطوعة واعرف فورا ان لا حاجة للاسئلة، يكفي انك في الحرب، فلماذا السؤال ؟ اليس كذلك يا معلمي؟ يقينا انك تعذرني، لاني وصلت الى أقصى الوقت الممنوح لي. وفي كل مرة أرى نهايتي وقبل ان استسلم بلحظات تعود ثمرة الحياة مصادفة وتشكل قامتي من جديد لتقودني الى اية جهة، بعيدا عن عريفي الريفي وبعيدا عني، تقودني الى مسرى غامض واوقات قلقة يهبها الحظ متى شاء، لا فرق بين كل ما هو موجود الآن وما يمكن ان يوجد بقصد او بدون قصد، ذلك ان الحرب ذاتها مصادفة غير معقولة، اننا نسميها الحرب وتسمينا هي الجنود، لا فرق بيننا وبينها، اعذرني يا صديقي واخي ونديمي في اوقات الضياع، فلقد مات نصف النهار دون جدوى وليس هناك من ينجينا من هذا الخراب.. وانا امشي على نزيف مستمر، محاولا التحرر من كل ثقل يشدني الى هذا العذاب الفظيع، ولتكن النهاية كيفما اتفق، لا جدوى من التشبث بحياة لا تريد ان تستقل وتنعتق من اسر الحاضر. وهكذا اخذت نفسي، روحي وجسدي وكياني وذاكرتي باتجاه ما لست متأكدا من سلامته، باتجاه نافورة دخان غليظة تنبثق من سرة الارض فيتفجر تراب اسود وتتطاير اشلاء اسلحة وانا أمشي على اسفنجة الدم التي تنزف مع الخطوات والانفاس الثقيلة لكائنات كانت حية قبل قليل، تحلم وتتمنى برؤوسها الخصبة، مشيت بآلية محكمة اتداعى، في داخلي واتماسك لسبب لا ادريه، لعلها، ياعنبر كانت تسلية محضة وانا ارقب لحظاتي المتواترة فلي هذا الخواء الذي انسقت اليه، انها لحظتي الآن في الانعتاق او الغيبوبة. وقت منفلت من تفاصيل الحياة، لحظة آسرة نقلتني الى مواضع مبعثرة وساتر مثلوم من كل مكان وانا اسير بطول قامتي متسليا بما تبقى من النهار المضرج بالحرب، ذلك الذي منحه لي الحظ مصادفة، في هذه اللحظة الساقطة سهوا من خطة الحياة وخطة الحرب، في هذه اللحظة بالذات، في آخر النهار، وقبل ادراكي الاخير من انني حي تماما وانني احصي دقائقي المجنونة، يا عنبر، جذبني، من دون كل الضجيج والفوضى والقصف والاصطفاق المترادف، جذبني صوت قريب متحشرج، فالتفت الى ست جهات، ولم أر غير جنود يتخاطفون كالجرذان بين المواضع وغير جثث ملقاة على اسفنجة الدم، وهنا وهناك من يتعثر ومن يتقشر اثر قصف صامت ومن يستمر مثلي، ضائعا مضيعا، ولانني كنت اقبض على كل حواسي النشطة، جذبتني تلك الحشرجة، كان صوتا مقتولا، صاح علي باسمي مرتين، نادى في، فتوتي وشبابي، تطلعت الى خمس جهات، وليس هناك غير بقايا الحرب وفجيعتها، ثم رفعت رأسي الى الجهة السادسة، وهي الجهة التي نلوذ بها ونحتكم الى عدلها من هذا الفأر، كان ثمة ملجأ معلق في السماء، على علو غير بعيد، كان يتفرقع كأنه يضم في داخله كدسا من العتاد، ومن اكثر من ثقب تتسرب اذرع خشنة من الدخان. نظرت اليه بخشية مستنفر الحواس، اجل، ثمة صوت متحشرج يطلع من تلك الثقوب يناديني انا دون غيري بحروف غريبة متقطعة، أرعبتني الروائح الطالعة من الملجأ، وكما لو كان كابوسا او حلما ثقيلا، رأيت وانا اقف مضطربا رأيت شيئا ما يخرج من فوهة الملجأ المعلق في السماء، وارجو منك ياعنبر ان تمنحني وقتا قصيرا للتركيز، لانني لم اكن احلم، كنت يائسا وحسب، تماسكت على نحو جيد وانا ألمح رأسا يجاهد في الخروج من أحدى الفتحات، من حمأة النار والدخان، كان رأسا بشريا بلاشك. كان يحترق، اجل هو رأس بشر مثلي يريد الخروج وكأن ثمة من يسحبه من قدميه في الداخل،فاداني بيأس فهرعت اليه قافزا كالملسوع متعلقا بالملجأ، وتذكرتك يا شنيعي وحبيب روحي، صحت في سري، ادركني يا الهي واحضرني يا عنبر،. وكما يفعل متسلقو الصعاب، تسلقت الملجأ واقتربت من الدخان الفائر والرأس المحترق، وكما تفعل القابلات امسكت بالرأس الرخو واخذت اجذبه واخرجه من رحمه الساخن فخرج وراءه جسد بشري، مدمى، ممزقا، نازفا، تعال يا أخي في المحنة، انقذته من التنور ثم هبطت به الى الارض واطفأت رأسه بارتعاش، كان مثل رأس دمية، وما تزال الحشرجة تصر بين اسنانه، وكانت جروح ثلاثة الاف جرح، قلت له، من انت ؟ وكان ضوء النهار يسبغ علينا شمسا متعفنة، نظرت الى وجهه بامعان، فهالني ان اراه بلا عينين، ثمة من اقتلعهما عنوة، وجه مطفأ يغمره ظلام دامس، تحسست الثقبين المعتمين اللزجين فاحسست بالخراب، قلت له، ايها الرأس العامر بالاحلام، هكذا فعلت بك الحرب اذن ! تشبث بي واستشاطت به الحياة وانا أنحني اليه اقبل عتمتيه فتعلق برقبتي مغمغما وكانت جروحه الثلاثة الاف تردد هذياناته، خدعوك، شدد من ضغطه على رقبتي، انا قشته في هذا الاضطرام اللامتناهي، اية قسوة هذه التي نعيشها كلانا، تحسست عيني وانا لما ازل منحنيا عليه، ترددت في حمله، خفت ان أشيل هذا الكائن المفك، ظلت جروح تئن. ثلاثة آلاف جرح تعزف نزفا فظيعا، الا يكفي كل هذا الدم ! تعال يا اعمى، خدعوك، انا وانت نبرك على حوض دمك، أكل هذا الدم من جسدك الضامر! جسدك الذي صار خرقة مهلهلة، تلوذ بي، وانا الوذ بعنبر، اينك ياشفيعي وملهمي، صدقني انا لم اكن خائفا، فمثلي، وقد تمرأي باطلالتك اياما طويلة، لا يمكنه ان يخاف، أنت قبلتي التي ألوذ بها في وقت المحنة، لكن هذا المخلوق الاعمى احالني الى فجيعتي، انه يتشبث بالحياة على نحو يجعلني مترددا في قبول امنيته، لكنها الحياة الجميلة، خارج الحرب وخارج القانون الخاطيء، ناداني وبكى، نز من محجريه المطفأتين دمع اسود، اسندته الى ظهري وانا قلق لخوفي من تساقط اشلائه، اذ قد تساقط اعضاؤه، واحدا بعد الآخر، وسيصير من الصعب علي ان ألمه فيما بعد.. ومن اين لي ان أعرف اوصاله هو بالذات !! كانت رائحته الدموية تملا المكان كرائحة الشواء المتفحم، التصق بي تماما وهو يهذي. قال اشياء لم افهمها، حملته ومضيت الى اتجاه معاكس، فكل الاتجاهات لا معنى لها، حاملا على ظهري النحيف جريحا محترقا أعمى، وانا أمشي متعثرا ببقايا الجنود والاسلحة والمواضع وبقايا الرغبات الانسانية التي حوصرت هنا وفتكت بها الحرب بلا رحمة، وصدقني يا مولاي وانيس وحشتي وملاذ العميان والمبصرين، حملته، كما تحمل الام وليدها، ألم أخرجه من الرحم الساخن؟ وكنت أتحسس مواضع جسده فلقد كنت أخشى انفلات اطرافه، والذي كنت اخشاه صار يا مولاي، وانا في ضياعي حاملا الاعمى، أحسست بخفة حملي في مواضع ما على ظهري فيما كانت اغنيتي المؤجلة تمد عنقها، تريد ان تتحرر وتنفجر في دمعة او دمعتين، او كف من الدموع، سقطت واحدة من ساقيه المتدليتين، وكانت يداه تطبقان على عنقي كلما اوغلت في الفناء ودمه يتبعثر على بدلتي الممزقة والرصاص حولنا يعزف لحن الفجيعة والذل في مستنقع الحرب.. الحرب ؟ يا للالم.. لماذا؟ وصدقني ياعنبر لولاك، لما قلت اي شيء، ولاعتكفت على نفسي الى آخر العمر، فالحرب لا تكفيها الاف الاعوام من القص على الموائد والمواقد وفي البارات والمقاهي، اني احيي نفسي من خلالك يا شفيعي، فأنا فتى سوته السنوات على حكمتك الثمينة، وايقظت الحرب، من خلال هذا الاعمى، في داخلي ضالتي وعظمتي فلم أتوازن تماما، او.. والله لا ادري، لعلي في منتهى التوازن واليقظة والحكمة، لقد خف حمله يا عنبر، سقطت منه بعض الاعضاء، يا معلمي فظهري النحيف قد خف يا الهي، انه يتآكل، لم تبق منه الا بقايا جثة تحرس ويداه تتشبثان بعنقي ورأسه الاعمى يندحس خلف رقبتي. وبقاياه المنخورة تنز دماء وصديدا وعفونة، ماذا تريد من الحياة يا أعمى ! وكثيرا ما أنسى انني لا احمل الا بشرا سقط نصفه في الطريق فاختلط، بانصاف اخرين المطروحة في ساحة الحرب، كان الرأس الاعمى يبكي ويغمغم ثم يصمت.. ثم يعود الى.. الى.. الغناء يا عنبر.. أتصدق ! صاح بي صيحة اجفلتني، كف انت.. ودعني اغني.. هل قال ذلك صراحة ؟ لا ادري على وجه اليقين، لكنه قال ايضا، ماذا قال ؟ ما قال شيئا، ثم غنى اغنية غريبة، لم استطع وقتها ان أميز ان كان صوته حقا ام هو صوتي ام هو صوت ثالث اقتحم حضورنا المشوش، غني بألم لا مثيل له، بلغة لا مثيل لها، بحرقة لا مثيل لها، قال، لا تتركني هكذا فانا اتساقط، وتواصل نزفه وعفونته ونشيجه وغناؤه وبكاؤه وتدفقت دماء غزيرة من بقاياه المعلقة على ظهري وكنت أشعر انه يخف وانه في طريقه لأن يتآكل، انتظرته ان ينتهي وان يكف عن هذا العذاب الفائض علينا، لكنه ظل مصرا، وانا ادور به بين المواضع والسواتر المتعاقبة والملاجيء المحطمة، أصعد به التلال فأرى حرائق جديدة تتفجر في كل مكان، انزل به الى الضفاف المسكونة بالموت فأتعثر بجثث واوصال وأشياء متروكة وهو يتآكل ويزداد عناء وغناء في دوران غير متوازن. وكان لابد ان يحدث ما يحدث وهو يتساقط ويزداد تشبثا بعنقي ولحظتي طالت بوجود هذا الاعمى، اعني بقاياه المحمولة على ظهري حتى أطل من بين الغبار، وفي لمحة وامضة، وجد العريف الشهم الذي حقن رؤوسنا بامصال معنوية كثيرة، مثل الحلم الجميل، ما كنت اظنه عريفنا، لكنه كان هو، كان يجر مدفعا صغيرا وشكله المغبر يتخذ غرابة يندر أن أرى مثلها في وجوه البشر، ونصف الدمعة ما يزال عالقا بين اسنانه، دمعة من غبار ومطر، كان منشغلا بالمدفع الصغير، حتى حسبته قد بقي لوحده يحارب في هذا المكان، اقترب مني بشك، ثم ترك المدفع الصغير بيننا وظننته يبتسم. كان يتصل في الرأس الأعمى الذي أحمله على ظهري. وصاح كما يصيح المصابون بأمراض الحنجرة، "لمن هذا الرأس ؟" فقلت بفتور، لا ادري، صاح اتركه، وكانت اليدان حول عنقي تزدادان قوة وتشبثا، امامك موت يا فتى. فأجبته من بين الغبار، امامي حياة يا عريف، الموت حالة استثنائية وغامضة يا عريفي، صاح كما يصيح المصابون بمرض عصبي، ولكنك لا تحارب، دع هذه الجثة.. ستموت يا فتى، ودار حولي اكثر من مرة فاحصا كتلة اللحم التي احملها، فقلت له، وهو مشمئز، ان هذا الرأس يغني اعذب الاغاني. وهو الذي يعلمني الموت او الحياة، ومن أجله سأختار مصيري. صاح كما يصيح المصابون بمرض عضال لا شفاء منه، انت تنسحب من المعركة، وكنت اتذكرك ياعنبر واستحضر حكمتك ووصاياك، وانا اقول للعريف الطيب، انما انا اقوم بواجبي يا عريف، هذا هو الواجب الحقيقي، دنا مني ثانية، يا الهي كم كان وجهه بليدا ومغبرا، تأمل اليدين اللتين تخنقاني، ثم استطلع الرأس الاعمى وهو يزداد انكماشا، وصاح كما يصيح المصابون بالسعال المزمن، انت مجنون يا فتى، انت تحمل عدوا!! وما قلت له شيئا، اقتربت من مدفعه الصغير وتركت ما سورته بين فخذي وتلذذت بمرأى الدماء الشاحبة من هذا الذي أحمله وهي تتقاطر في فوهته وتصبغ عنقه الاملس، وتصرف معي العريف الشهم الطيب تصرفا لا يليق به. اذ دفعني بقوة، كما لو كان ممسوسا وجر مدفعه المدمى ورأيته ينغمر في كتلة من الدخان.. دون سبب وجيه كما خيل الي وقتها، وصدقني يا عنبر، يا روحي التي اصونها من العثرات انني لم اكن سعيدا الا في تلك اللحظة المجنونة التي غادرني فيها العريف واحسست انني أحقق انتصارا ساحقا عليه وعلى نفسي وعلى الحرب وعلى الاعداء وعلى الكرة الارضية الظالمة وواتاني احساس من انني الفتى الوحيد السعيد في هذا الميدان المجنون، وانا ادور على غير هدى من مكان الى مكان برأس أعمى ويدين كنت انتظر ارتخاءهما الابدي. لكنهما أبتا الا ان تمسكا عنقي وتتوحدا مع نبضي المتعاقب على فزع وخوف واضطراب، اما ذلك الغناء المتفجر من الرأس المطفأ فقد كان غنائي الذي لا أستطيع البوح به في مثل هذا الظرف العصيب المظلم، ومع تعاقب الوقت وتوالد الاحتمالات، اثر انفجارات متتالية وهجوم متوالد، لا ادري من اي الجهات حدث، كنت أحث خطاي مع حملي.. الخفيف الى اي اتجاه كان، فليس المهم ان تحدد مسارا وتتعقبه، اذ ليس هناك مسار في الحرب، سوى مسار الموت المتربص بك، لكنني حثثت خطاي كيفما اتفق منقادا وراء وهم او حلم في الخلاص مع عدوي ذي الرأس المظلم واغانيه المترادفة التي خفتت مع اول المساء، وامام هياكل خربة وجدت قتلى متقاربين يحتضنون بعضهم بحب وعصبية، وكان العريف الشهم بينهم محطما مع مدفعه الصغير، مقطعا كخرقة مجذومة. وقفت على اوصاله المشتتة وفي داخلي حزن متفاقم، وقفت امام رأسه، كانت عيناه مقتلعتين تماما ووجها مخضبا بالدماء، ويقينا استطعت ان اقرأ في تلك التفاصيل ذعره الجميل المتجسم بشكل مخيف، وبحثت بين اسنانه عن الدمعة العالقة، هناك.. فوجدتها قطرة من دم متعفن كان يصر رغم ذلك، على الا تسقط، القيت آخر نظرة عليه يا عنبر، واتجهت الى اتجاه معاكس، وصحت بالرأس، غن،آن لك ان تزعق وتفجر فاك بالغناء، لكن الرأس كان صامتا، وانتبهت الى اليدين وهما ترتخيان حول عنقي، تساقط كل شيء، وهوى الرأس كثمرة تالفة، ثم فككت اليدين اللتين تتشبثان بعنقي، كان رأسه محطما وثقباه يبكيان، وكل تفاصيل وجهه ممسوحة، كما لو ازيلت بحربة باطشة وهالني الا أجد في رأسه اي فم، لم يكن هناك غير شق واسع كجرح عفن، القيت يديه على الارض، ورفعت رأسه ثم وضعته الى جانب رأس العريف الشهم. وبركت امامهما بانتظار الليل الذي سيهبط بعد ان يزول ذاك الشفق الدامي.. واخذت انتحب.. آخ يا عنبر.. صدقني يا وسيطي بين حياتين اني، كما علمتني، كنت أبحث عن الحقيقة.. فوجدتها.
 
 
وارد بدر السالم (كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …