أخبار عاجلة

القراءة الفاحصة وقربها من النَّص جوناثان كلر(1)

ترجمة: ربيع ردمان*
في العديد من أقسام اللغة الإنجليزية وحتى في أقسام اللغات الأجنبية أيضا، أصبحتْ ممارسةُ القراءة الفاحصة close reading في دراسة لغة عملٍ أدبي أو قسمٍ منه دراسةً متأنيةً من الأمور التي نسلّم بها باعتبارها ضرورةً لا غنى عنها في أية دراسةٍ أدبية، وهي المهارة التي نتوقع من طلابنا إتقانها ومن المؤكد أننا نتوقع من المرشحين للسلك الأكاديمي إتقانها، بصرف النظر عما قد يظهرونه بشكلٍ قوي من أنواع الممارسات النقدية الأخرى. لكننا لم نولِ القراءة الفاحصة ما تستحقُ من عنايةٍ حتى وقتٍ قريب، على الأقل في النقاشات النقدية ذات الجماهيرية الواسعة، وربما يعود ذلك تحديدا إلى أننا بوجهٍ عام مجْمعون على تقديرها. ولكوني منتميا أصيلا للمدرسة السوسيرية Saussurian، فإنني أعتقد أن المعنى يتولّد عن طريق الاختلافات – إذ تتحدد أية عبارة عن طريق تعارضاتها مع العبارات الأخرى – من هنا يتوجب على المرء عند التفكير في القراءة الفاحصة أن يمعن النظر أولا فيما يغايرها من أنواع القراءة. في الواقع يبدو أننا لا نتوفّر على مصطلح نقيض للقراءة الفاحصة، وهذا قد يعدُّ جانبا من المشكلة. قد تكون “القراءة البعيدة”(2) distant reading عند فرانكو موريتي Franco Moretti المقابل الأوضح لها، لكنها من النادر أن تقرأ شيئا في النص؛ فتحليلات موريتي المُعمَّقة للاتجاهات الأدبية بنطاقها الواسع، سواء في انتشار الأنواع الأدبية عبر أوروبا أو نشر الترجمات أو طول عناوين الروايات أو أنماط الزواج في روايات جين أوستن، تُقدِّم منظورات قيّمة للغاية للدراسات الأدبية لكنها تظل منظورات مختلفة عن صيغ التحليل الأدبي المألوفة فيما تقوم به من توضيح الاختلافات بين النصوص(3). وهو ما يجعل القراءة البعيدة تتحول إلى قراءة فاحصة بفضل الاهتمام – أيا كان نوعه – بالنص الفردي.
لعل ما يناقض “القراءة الفاحصة” ليس “القراءة البعيدة” وإنما شيء من قبيل القراءة الرديئة sloppy reading أو القراءة العابرة casual reading، وهي القراءة التي تعنى بتقييم “حياة الأدباء وأعمالهم” أو حتى تُقدّم تأويلا موضوعاتيا أو تاريخا أدبيا. إن إقرارنا بصعوبة العثور على مقابل “للقراءة الفاحصة” يشي أن الأخيرة قد أدتْ دورها بوصفها شعارا أكثر من وصفها عنوانا لممارسةٍ خاصةٍ قابلة للتحديد. يعرض كتاب بيتر ميدلتون Peter Middleton (القراءة البعيدة: الأداء وجمهور القرّاء والتلقي في الشعر المعاصر) ممارسة مغايرة للقراءة، حيث يطلق ميدلتون على القراءة الفاحصة «مصطلحنا المعاصر الذي يشير إلى مجموعة من الممارسات والافتراضات المتباينة وغير المنظمة بشكلٍ كبير»(4) (ص5).
في الواقع هناك تقاليد مختلفة للقراءة الفاحصة، منها الممارسات الموروثة عن النقد الجديد الأنجلو أمريكي وتلك الممارسات المستمدة من التقليد الفرنسي في تأويل النص، فضلا عن الرؤى الأكثر حداثةً في القراءات التفكيكية والبلاغية والتحليل النفسي. وفي الآونة الأخيرة صدر كتاب ضمَّ نماذج متميزة من القراءة الفاحصة تؤكد أنه على الرغم من أن ممارسة هذا النوع من القراءة قد اقترن بشكلية النقد الجديد، فإن نقاد التاريخية والمذاهب الأخرى قد مارسوا أيضا اهتماما فاحصا بلغة النص وموسيقاه وصوره المجازية (Lentricchia and Dubois). يُنجز الدارسون في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة كورنيل دراسات متباينة فيما يتصل بالأدب، لكن يبدو أننا جميعا نصادق أو على الأقل نؤيد في الظاهر الفكرةَ القائلة إن القراءة الفاحصة تمثل عنصرا أساسيا فيما ننجزه من أعمال، وأنها تعدّ دائما بمنزلة النقد الأدبي الوثيق الصلة بالمرشح للسلك الأكاديمي ويمكن القول في نهاية المطاف إن نماذج الكتابة الخاصة بهذا المرشح أو تلك المرشحة قد لا تتضمن الكثير من القراءة الفاحصة أو أن أحدهما لا يمارس فعليا القراءة الفاحصة. فالقراءة الفاحصة شيءٌ مفيدٌ لنا جميعا، شأنها في ذلك شأن الأمومة وفطيرة التفاح، حتى لو كان الذي نقوم به – حين نعتقد أننا نمارس القراءة الفاحصة – أمرا مختلفا للغاية.
يُظهر توصيف ميدلتون للقراءة الفاحصة: «مجموعة من الممارسات والافتراضات المتباينة وغير المنظمة بشكلٍ كبير»، كما لو أنه لا بد لهذه القراءة أن تكون ممارسة متجانسة وأكثر تنظيما. وسواء أكان الأمر كذلك أم لا فما يتوجب علينا فعله على الأقل هو أن نمعن النظر طويلا في افتراضاتنا حول هذه الممارسة وفيما نعتقده بشأنها. أعتقد في البداية أنه ليس بمقدورنا تماما أن نأخذ القراءة الفاحصة كأمرٍ مسلم به، لا سيما أننا نستقبل في الجامعة جيلا من الطلاب تَرَبَّى على الرسائل الفورية حيث تصبح اللغة بسيطةً ورمزا أكثر اختصارا لإيصال المعلومات بأقل قدرٍ مُمْكن من الكلمات. وكنقطة انطلاق للتفكير في القراءة الفاحصة، سوف نتحول إلى وصف هذه الممارسة كما عرضها مهاجرٌ قَدِمَ إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وعَايش القراءة الفاحصة في مقرر الأدب المعروف في برنامج العلوم الإنسانية. ففي مقالةٍ بعنوان “العودة إلى الفيلولوجيا” “The Return to Philology” يقدِّم بول دي مان Paul de Man تتبعا لأنساب genealogy بعيدة الاحتمال للقراءة الفاحصة (الفيلولوجيا، في نهاية الأمر، علمٌ تجنب علماء القرون الوسطى استخدامه في القراءة لاعتقادهم أن الأخيرة مجرد ممارسة)، ويصف دي مان منهج روبن براور Reuben Brower في مقرره الدراسي “إنسانيات6” بجامعة هارفارد، وهو مقرر يُدرّس في العديد من الأقسام جَذَبَ اهتمام الأساتذة المساعدين الأكثر موهبة والمتحمسين للعمل في هذا النوع المُمَيَّز من التجربة الأدبية التي ولدت في هذا المقرر، وفي هذا القسم حيث كان تاريخ الأدب تقليدي المعيار في العادة. يكتب دي مان:
«حين بدأ الطلاب التدرب على الكتابة كان يفرض عليهم عدم ذكر أيّ شيءٍ لا يرتكز إلى النص الذي كانوا يدرسونه. ولا يسمح لهم بإصدار أية أحكام لا يمكنهم تدعيمها من خلال الاستعمال الخاص للغة الماثل في النص. وبعبارة أخرى، كان يُطلب منهم البدء بقراءة النصوص قراءةً متأنية بوصفها نصوصا وأن لا يتم في الوقت ذاته القفز إلى السياق العام للتجربة الإنسانية أو التاريخ. لقد كان عليهم البدء بكل تواضع من “التحيّر” bafflement الذي يرتد إلى ما تُحدثه التحويلات الفريدة للأسلوب والعبارة والصورة المجازية من أثرٍ في القراء الفطنين القادرين على ملاحظتها والصادقين بما يكفي للحيلولة دون إخفاء عدم استيعابهم خلف ستارة الأفكار التي يتم تلقيها وغالبا ما تعتبر في التعليم الأدبي من المعرفة الإنسانية. ومما يثير الدهشة أن هذه القاعدة البسيطة للغاية كانت لها آثار تعليمية بعيدة المدى. ولم أعرف مقررا قط كان الطلاب يتغيرون من خلاله مثل هذا». (ص23)
تُشير هذه الفقرة إلى الطبيعة الراديكالية للقراءة الفاحصة التي تتحقق من خلال “الصرامة التحليلية” في الاهتمام بالتقنيات اللغوية أو البلاغية للغة. لقد كانت نتائج هذا القرار التربوي مذهلة، كما يذكر دي مان:
«كما يتضح، فالقراءة – قبل أية نظرية – تستطيع أن تحوِّل الخطاب النقدي بطريقةٍ تجعله يبدو كخطاب تقويضي بشكلٍ عميق بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى تعليم الأدب على أنه بديل لتعليم اللاهوت والأخلاق وعلم النفس أو التاريخ الفكري. وغالبا ما تحقق القراءة الفاحصة هذا اضطرارا منها لأنه ليس بوسعها أن تغفل الاستجابة لأبنية اللغة، وهذه الأخيرة هي المقصد الغامض الذي ظل التعليم الأدبي يجاهد في إبقائها بعيدة عن المتناول)». (ص24)
يصف دي مان على نحوٍ دقيق بعض الآثار الناجمة عن نوع محدد من القراءة الفاحصة، لاسيما في سياق أكاديمي كان اهتمام الدراسة الأدبية فيه ينصب بشكلٍ أساسي على وصف الكيفية التي تعبر بها النصوص عن الفترة الأدبية التي تعود إليها أو كيف تعبر النصوص عن الخلفية الفكرية لكاتبٍ كبير. وقد كان يُنظر إلى هذا المقرر والمقررات الدراسية الأخرى التي تولَّى تدريسها أعضاء هيئة التدريس الشباب، أثناء فترة دراستي الجامعية بجامعة هارفارد وفيما بعد ذلك بسنوات، على أنها النماذج الأكثر جِدِّيَّة والأكثر انهماكا في الدراسة الأدبية، وعلى خلاف ذلك، مثلا، سلسلة محاضرات والتر جاكسون بيت Walter Jackson Bate عن عظمة كيتس أو الدكتور جونسون، حيث بدا متماثلا في تفسيره لالتزامهما العميق بالقيم الإنسانية العليا.
ينقل لنا وصف دي مان بشكلٍ مفيد أمرا أساسيا فيما يتصل بممارسة القراءة الفاحصة ألا وهو مراعاة استعصاء النصوص التي تقاوم الفهم أو الوصف السهل من حيث الثيمات والموتيفات المتوقعة. فلا بد أن تتوافر لدى القارئ المتفحِّص الرغبة في أن يأخذ بجدية الصعوبات الناجمة عن التحويلات غير المتوقعة والفريدة للعبارة، والتجاوزات، والغموض. فالقراءةُ الفاحصة تُعلّمنا الاهتمام بالغرابة أو التميز الذي تنطوي عليه الكتابات الفردية أو أجزاء من هذه الكتابات. لكن التأكيدات في وصف دي مان على “التحيُّر” bafflement قد يوحي أن الهدف من القراءة الفاحصة هو تحديد المعنى أو إنتاج تفسير له. على أن القراءة الفاحصة لا تهدف في المقام الأول إلى حلّ الصعوبات بل تسعى أولا إلى وصف هذه الصعوبات وتسليط الضوء حول مصدرها والمظاهر المترتبة عليها. ما أودُّ التأكيد عليه أن القراءة الفاحصة لا تقتضي تأويلا مفصّلا للمقاطع الأدبية (مع ذلك فهناك الكثير مما قد يدور حول هذه المقاطع في القراءة الفاحصة لا سيما حين تكون النصوص قيد الدراسة عصية على الفهم) لكنها تقتضي بشكلٍ خاص الاهتمام بالكيفية التي يتم بها انتاج المعنى أو توصيله، وبما يتم استخدامه من أنواع الاستراتيجيات الأدبية والبلاغية والتقنيات للوصول إلى ما يجعل القارئ قادرا على فهم النص أو المقطع الأدبي. ومن هنا، فالقراءة الفاحصة تنطوي على الشعرية بقدر ما تنطوي على التأويلية.
لكن مقطع دي مان السابق لا يساعدنا على مناقشة القراءة الفاحصة في أحد جوانبها المهمة. إنه يجعل الأمر يبدو كما لو أن كل ما تتطلبه هو الانضباط السلبي، منعا للقفز إلى نوع من إعادة الصياغة التي لا بد أن تقود المرء إلى الظن، ولذلك فما تتطلبه القراءة الفاحصة الفعَّالة ليس تقنية أو تدريبا بل تتطلب فقط تجنب التدريب السيء أو المشكوك فيه. والظاهر أن هذا الاقتراح يوحي بطرحٍ مفاده أن المرء إذا تخلَّى عن هذه العادات السيئة وواجه النَّصَ بتجردٍ وبدون تصورات مسبقة فسوف يكون بمقدوره ممارسة القراءة الفاحصة. وكما يُعبِّر دي مان، إذا كنت “يقظا” و”صادقا” فليس بوسع “القراءة الفاحصة” أن تغفل الاستجابة لأبنية اللغة التي يواصل معظم التعليم الأدبي جاهدا لإبقائها بعيدة عن المتناول”. فاليقظة عنصر أساسي ولكنها، للأسف، غير كافية. فكثيرا ما يُخفق القراء في الاستجابة لأبنية اللغة، ومع ذلك فدي مان في هذه الحالة لا يبدو راغبا في الإعلاء من شأن الممارسة تحت مسمى القراءة.
إن تصورنا للقراءة الفاحصة على أنها ممارسة بالدرجة الأولى قد يدفعنا إلى الاعتقاد أنه من الممكن أن تتحقق بدون تعليمٍ مُعْتَرفٍ به. وبمجرد أن نتوصل إلى تفسيرات لعمليات معينة فيجب على الطلاب أن يتحققوا منها أو يتابعوا ما هو جدير بالمتابعة منها، لأننا نخشى أن ننتج شيئا شبيها بالمذهب في الاشتغال على الأعمال الأدبية وبالإجراءات في المنهج النقدي. وما ينبغي أن نعتقده بشأن القراءة الفاحصة أنها عنصرٌ أكثر أساسية وأكثر جوهرية من نظريات الأدب أو المنهجيات النقدية. ومن هنا، ربما كان استعدادنا للقبول بوجود العديد من الطرق المختلفة لممارسة القراءة الفاحصة، أما إذا أصررنا على أنه ليس هناك سوى طريقة صحيحة واحدة، فمن الواضح أننا سنؤيد منهجا معينا أو توجها نقديا ورؤية خاصة للأدب.
غير أن الاستجابة للغة والتفاصيل النصية لا تتولد بطريقة تلقائية أو حتمية، فالتعليم أمر لا غنى عنه في اكتسابها. وعلى الرغم من أن النُّقاد الجدد New Critics كانوا في الغالب يترفعون عن الكتب المدرسيَّة التي اعتبروها ساذجة أو آلية، إلا أننا نجد في ذروة صعود النقد الجديد مجموعة من النقاد أمثال كلينث بروكس Cleanth Brooks وروبرت وارين Robert Penn Warren في كتابهما فهم الشعر “Understanding Poetry”، وفيما بعد لورنس بيرين Laurence Perrine في كتابه الصوت والمعنى “Sound and Sense” ، يُقدِّمون تعليماتٍ حول ما ينبغي البحث عنه في القصيدة والأسئلة التي ينبغي طرحها عندما نواجه قصيدة ما، فعملوا على الكثير من هذه التعليمات لتأسيس ميثاق للقراءة الفاحصة. ومع ذلك، فالثابت أن تعلم القراءة الفاحصة كان يتم من خلال الأمثلة النموذجية. ومن المؤكد أن أحد الأسباب التي كانت تجعل الطلاب متحمسين لمقرر روبن براور “إنسانيات6″، أنه لم يكن هناك كتاب مدرسي، وانطلاقا من كل من محاضرات براور وما يقدمه قادة القسم الموهوبين في حلقات النقاش الصغيرة، كان بإمكانهم أن يتعلموا الكيفية التي يتم من خلالها طرح أسئلة جديدة حول اشتغال اللغة في النصوص وكيفية التوصل إلى ملاحظات تبدو مفاجئة في سياق تعليمي كانت التعليقات التاريخية الأدبية الواسعة معيارَ الدراسة الأدبية. إن في استطاعة الأستاذ المؤثِّر أن يطرح السؤال الذي لم يخطر ببالك حول العلاقات بين الشكل والمعنى أو يشير إلى مشكلةٍ نصية ندَّت عن ملاحظتك ولكن من شأنها أن تدفع ثانية إلى التفكير والنقاش. فالرؤية التي يقدِّمها أساتذة الأدب تسهم في فهم النصوص بشكلٍ ما كان ليحدث بصورة طبيعية وأنت تواجه النص بمفردك، وهذا ما عمل على إنجاح هذا المساق. كما كان يتم تعليم الطلاب ليس فقط تجنب الخطوات المطروحة في المساقات الأخرى ولكن أيضا اجتراح خطوات جديدة والعناية بالمُبْهمات والمشكلات التي ربما مالوا في وقتٍ سابق إلى تجنبها أو التغاضي عنها.
وربما يعود جزئيا سبب وجود عدد كبير من ممارسات القراءة الفاحصة أو كما يسميها ميدلتون “مجموعة من الممارسات المتباينة وغير المنظمة إلى حدٍ كبير”، إلى مقاومتنا الكتب المدرسية بخصوص الدراسة الأدبية والتعليمات الصريحة. فالتأني أمرٌ محوري في القراءة، ومع ذلك “فالقراءة البطيئة” – بلا ريب – شعارٌ أقل فائدة من “الأكل البطيء” أو “القراءة الفاحصة”؛ لأنه قد يصاحبها قلة الانتباه وتشتت الذهن والخمول. بينما تتطلّب القراءة الفاحصة قِصَرَ نظرٍ معيّن – Verfremdungseffekt، إنّها تحْصُر البحث في لغة النص وليس فيما تشير إليه هذه اللغة، والتفكير في الكيفية التي تشتغل بها داخل النص والكشف عن مكامن إبهامها. تكتب باربرا جونسون Barbara Johnson:
«إن تدريس الأدب يُعلِّمنا كيف نقرأ، كيف نلاحظ الأشياء في نصٍ عوَّدتنا ثقافةُ القراءة السريعة على التغاضي عنها أو التعالي عليها أو حذفها أو تفسيرها تفسيرا بعيدا؛ إنه يعلمنا كيف نقرأ ما تقوم به اللغة في النص وليس التكهن بما كان يفكر فيه المؤلف؛ وكيف نستحضر الدليلَ من الصفحة لا أن ننشد الواقع ليحل بدلا عنه». (ص140)
وفي مقالتها “التعليم بطريقةٍ تفكيكية” “Teaching Deconstructively,”، تُقدِّم جونسون بوضوح جسور ونادر سلسلة أمثلة لأنواع مختلفة من الصراعات الدلالية أو التوترات التي يجب على الطلاب أن ينقبوا عنها في المقاطع التي يدرسونها: الكلمات الغامضة، بناء الجمل غير القابلة للحسم، والتعارضات بين ما يقوله النص وما يقوم به، بين الحرفي والمجازي، بين ما تؤكده المقدمة بشكلٍ صريح وما تؤديه الأمثلة التوضيحية، وما إلى آخره من صراعات دلالية أو توترات. كما يتضمن هذا الاهتمام “استقصاء دقيقا للقوى التي تتصارع في إنتاج الدلالة وتشتغل داخل النص نفسه” (ص 141).
هناك أنواع عديدة من الطرق لتحقيق التفحص closeness في القراءة. فعملية الحفظ memorization مختلفة تماما عن صيغة جونسون – إذ تعتبر طرازا قديما في وقتنا الحاضر، غير أن إحدى الطرق قد تغدو حميمية مع لغة النص. وتلاحظ هيلين فندلر Helen Vendler أن الموسيقيين يتعلمون المقطوعات الموسيقية أثناء قيامهم بتأديتها ولا ينبغي للنقاد أن يحجموا عن حفظ القصائد التي يدرسونها عن ظهر قلب؛ فهذا التطبيق يمكّنهم من فهم كيفية تناسب عناصر اللغة مع بعضها البعض. وعلى غرار الاستراتيجية التي صاغها رولان بارت في كتابه (S/Z)، يُفرض على الطلاب التعليق على كل عبارة في المقْطع؛ لتحديد الشفرات الفاعلة في إنتاج المعنى – أيا كان هذا المعنى – الذي يجدونه فاعلا هناك والربط بين عناصر هذا المقطع والعناصر الموجودة في مواضع أخرى من النص. ومزيّة هذه المنهجية شبه الآلية أنها تفرض نوعا مختلفا من الاهتمام. وثمة إجراء ذو صلة للتشجيع على قراءة شكسبير قراءة فاحصة، كما فعلت مارجوري غاربر Marjorie Garber، باستخدام كتاب “فن الشعر الإنجليزي” لجورج باتنهام George Puttenham وهو أطروحة علمية في بلاغة عصر النهضة، فيطلب من الطلاب العثور على أمثلة للاستعارة التي تحدث عنها باتنهام. والهدف من ذلك هو تغريب القراءة لمنحها نظرة مختلفة. وتعدُّ الترجمة إحدى تلك الطرق المصطنعة للتأنِّي في القراءة وتحقيق مظاهر التفحص. وبطبيعة الحال، فقد استخدمت الترجمة كطريقة في تدريس الأدب؛ إذ كان يُتَرجم فرجيل أو هوراس بشكلٍ جماعي، سطرا سطرا، ومع التقدم في الدرس كان يتم معرفة التراكيب والصور البلاغية وغيرها من المكونات النصية كالإيحاءات الأسطورية. وإحياء هذا النوع من الدرس يعوزه الكثير من الحماس بيد أنه يمكن النظر إليه بوصفه استراتيجية تشجع على الاهتمام بتفاصيل النص، فهي استراتيجية لا تخلو من مزايا. ومن المؤكد أن الاشتغال بالترجمة، المغضوب عليها في الكثير من مساقات الأدب الأجنبي، أسلوبٌ ممتاز لتكريس القراءة المتأنية والفاحصة عند تعامل الطلاب مع نصوص اللغات التي يتعلمونها وكذلك مع نصوص لغاتهم الأصلية.
يثير هذا المدى من الإمكانات قضايا تتعلق بطبيعة القراءة الفاحصة وقربها من النص. فيتصور رولان بارت، في كتابه “لذة النص”، نمذجةً typology للمُتَع تستند إلى القراءة العصابية: فالقارئ الشبقي fetishist يتلذذ باستكشاف مناطق أو منعطفات في النص، والقارئ المهووس obsessional يتلاعب بإنتاج خطابات شارحة وتعليقات؛ والقارئ الهذياني paranoid مؤولٌ عميق ينقّب عن المعاني الدفينة؛ والقارئ الهستيري hysteric شغوف يُنحِّي كل العوائق ليخوض بنفسه غمار النص (ص63). يعكس القارئان: الشبقي والمهووس صيغا متباينة للغاية من التفحص، كما هو الحال مع التنويعات المختلفة فيما اصطلح عليه بالقراءة التشخيصية symptomatic reading، وهي قراءة قد تلازم لغة النص ملازمةً وثيقةً لكشف التواطؤ الإيديولوجي أو التوظيفات النفسية، حيث تغدو أيّة تفصيلةٍ نصية بمنزلة علامة على بعض الحقائق التاريخية أو الحقائق النفسية الكبرى. ولممارسة القراءة الفاحصة، فإن مفهوم التفحص قد يلفت انتباهنا إلى أهمية أن تظل القراءة قريبة من لغة النص، وحتى عندما لا تكون كذلك فإنها لا تعدو كونها لغةً شارحةً، كما في أعمال جاك دريدا، على سبيل المثال، فبدلا من معالجة أجزاء من النص ودراستها دراسة فاحصةً فإن هذه الأجزاء تغدو علامات لقراءة تنطلق شواغلها من مكانٍ آخر تماما.
قد يغدو من المهم على وجه الخصوص أن نمحِّص أنواع القراءة الفاحصة وحتى نقترح صيغا صريحة منها، في عصر صار من الممكن فيه بفضل المصادر الإلكترونية الجديدة القيام ببحوث أدبية دون أن نضطر للقراءة؛ فما عليك سوى البحث عن مثيلات كلمتي يتسول beg ومتسول beggar في روايات اثنين من المؤلفين المختلفين وتكتب ما توصلت إليه من نتائج.
يرى رولان بارت في كتابه “سولِّيرز كاتبا” Sollers écrivain أن هناك خمس صيغ لقراءة سولِّيرز، وفقا لاختلاف المقام الذي يمكن الانطلاق منه إن صحَّ التعبير: قراءة “انتقائية”، وقراءة “تذوقية”، وقراءة “انسيابية”، وقراءة “متأنية”، وقراءة “إجمالية عابرة” (ص75). فالتفاعل العميق في صيغتي “القراءة التذوقية” و”القراءة المتأنية” يجعل منهما صورة من صور القراءة الفاحصة، على عكس الصيغ الأخرى حيث تغدو القراءة أشبه بتذوق لقيمات صغيرة في “القراءة الانتقائية” أو متابعة خاطفة للحبكة في “القراءة الانسيابية” أو نظرة عابرة في “القراءة الإجمالية”. وعلى الرغم من أن هذه النمذجة ليست واعدة على نحوٍ استثنائي فيما يبدو، إلا أن احتذاءها قد يُشكِّل حافزا لإمعان النظر بعناية أكبر في هذه النمذجات والتدليل عليها بشكلٍ أكثر استفاضة. وسوف نغدو قادرين بشكل أفضل على تقييم القراءة الفاحصة والارتقاء بها إذا ما امتلكنا حسا أدق تمييزا لصيغها ووصفا أكثر وضوحا لكل أنواع القراءة غير الفاحصة التي تتغاير بها وتضفي عليها ملمحا بارزا، مما يجعلها أمرا مرغوبا فيه أكثر مما تؤخذ كأمرٍ مسلم به.
هوامش
(1) أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة كورنيل الأمريكية، وناقد أدبي شهير قدَّم أعمالا مهمة أسهمت في تطور النقد والنظرية الأدبية، صدر له مؤخرا: Theory of the Lyric (2015). من مؤلفاته المترجمة إلى العربية: الشعرية البنيوية (دار شرقيات، 2000)؛ مدخل إلى النظرية الأدبية (المشروع القومي للترجمة، 2003)؛ أقنعة بارت (الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2013)؛ مطاردة العلامات (المركز القومي للترجمة، 2018).
(2) مفهوم “القراءة البعيدة” عند موريتي لا يراد به القراءة بمعناها الحرفي وإنما نوع من المعالجة تقوم على التحليل الكمي والنمذجة الحسابية من خلال برامج حاسوبية يتم تغذيتها بالكثير من النصوص الأدبية ثم يطلب منها التعرف على النوع الأدبي وتمييز الاختلافات بين الأساليب النثرية ويتم ذلك عن طريق العلامات النحوية والسيمائية وتكرار كلمات بعينها. ويرى موريتي أنه لا بد أن تحل القراءة البعيدة محل القراءة الفاحصة لأن الأخيرة لا يمكنها أن تكشف عن النطاق الواسع للأدب نظرا لصغر العينة التي تقوم على دراستها. [المترجم] (3) حول الأنواع الأدبية والترجمات انظر: Moretti: Atlas and Graphs؛ وعناوين الروايات انظر: “Style”؛ وعن جين أوستن انظر: Atlas and Graphs.
(4) يجادل ميدلتون أن الإقرار بتعدد السياقات التي تواجهها القصائد لا يمت بصلة إلى معناها ويتعين على القراءة أن تعمل على تنظيم الأبعاد التي ترودها القصائد. ومن ثم فليس على القراءة البعيدة لدى ميدلتون أن تكون في تناقض مع القراءة الفاحصة، وذلك لأن الاهتمام بمختلف السياقات البعيدة التي تشتبك بها كلمات القصيدة يمكن أن يكون له دور في تحليل “الكلمات في صفحات الكتاب”.

المراجع:
Barthes, Roland. The Pleasure of the Text. Trans. Richard Miller. New York: Hill, 1975. Print. Trans. of Le plaisir du texte.
—. Sollers écrivain. Paris: Seuil, 1979. Print.
—. S/Z. Trans. Richard Miller. New York: Hill, 1975. Print.
Brooks, Cleanth, and Robert Penn Warren. Understanding Poetry: An Anthology for College Students. New York: Henry Holt, 1938. Print.
De Man, Paul. “The Return to Philology.” The Resistance to Theory. Minneapolis: U of Minnesota P, 1986. 21–26. Print.
Johnson, Barbara. “Teaching Deconstructively.” Writing and Reading Differently. Ed. G. Douglas Atkins and M. L. Johnson. Lawrence: U of Kansas P, 1986. 140–48. Print.
Lentricchia, Frank, and Andrew Dubois, eds. Close Reading: The Reader. Durham: Duke UP, 2003. Print.
Middleton, Peter. Distant Reading: Performance, Readership, and Consumption in Contemporary Poetry. Tuscaloosa: U of Alabama P, 2005. Print.
Moretti, Franco. An Atlas of the European Novel, 1800–1900. London: Verso, 1998. Print.
—. Graphs, Maps, Trees: Abstract Models for a Literary History. London: Verso, 2005. Print.
—. “Style, Inc.: Reflections on Seven Thousand Titles (British Novels, 1740–1850).” Critical Inquiry 36 (2009): 134–58. Print.
Perrine, Laurence. Sound and Sense: An Introduction to Poetry. New York: Harcourt, 1956. Print.
Puttenham, George. The Art of English Poesy. Ed. Frank Wigham and Wayne Rebhorn. Ithaca: Cornell UP, 2007. Print.
Vendler, Helen. The Art of Shakespeare’s Sonnets. Cambridge: Harvard UP, 1999. Print.

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …