المترجم سمير جريس: لو تكلـَّم المترجمون بصراحة لغضِبت معظمُ دور النشر!

حاوره: سليمان المعمري


سمير جريس مترجم مصري متميز كان له الفضل في تعريف القارئ العربي بعدد من الأعمال الأدبية المهمة في اللغة الألمانية. بحثَ عن التميّز منذ البداية عندما اختار دراسة لغة غير شائعة في مصر، وليس لها حظّ اللغتين الإنجليزية والفرنسية. لم يستسلم لإحباط البدايات، حتى وإن استغرق نشر كتابه المترجم الأول ثماني سنوات منذ لحظة تسليمه حتى خروجه من المطبعة. وعندما شعر أن الترجمة هي التي تحقق فرادتَه ووجوده الخاص في هذه الحياة تفرغ لها واستقال من عمله الصحفي، فكانت النتيجة أعمالًا أدبية مترجَمة لأهم كتّاب ألمانيا والنمسا وسويسرا استطاعت أن تسد بعض الفراغ في المكتبة العربية. تشد الموضوعات الإنسانية سمير جريس فيهتم بترجمتها على الفور، تلك الموضوعات التي يمكن أن يقرأها وينفعل بها أي قارئ مهما كانت جنسيته أو دينه أو عرقه، ولذا، نجده لا يعبأ كثيرا بالأعمال المثقلة بحمولة التاريخ أو الإيديولوجيا، وينقب عن العمل الأدبي المنتمي للفنّ قبل كل شيء، حتى وإن كان مؤلفه مجهولًا تمامًا للقارئ العربي. سعدتُ بمحاورة الأستاذ سمير جريس لإذاعة سلطنة عُمان ، ولأن وقت الساعة الإذاعية لم يكن كافيًا فقد أضفتُ أسئلة أخرى لأخرج منه بهذا الحوار الموسّع لمجلة ، الذي تحدث فيه عن سيرته مع الترجمة، منذ البدايات المتعثرة إلى أن أصبح اليوم أحد أهم المترجمين العرب عن الألمانية، يسرد محددات اختياره للنص الذي يترجمه، ويتحدث عن التحديات التي تواجهه في عمله، ويبوح بمعاناته مع بعض دور النشر، إضافة إلى شؤون وشجون أخرى تخص الترجمة والأدب الألماني.

دعني أسألك في البداية عن بداية علاقتك باللغة الألمانية، هل التحاقك بكلية الآداب بجامعة القاهرة ودراستك للترجمة من الألمانية فيها هي بداية علاقتك بهذه اللغة؟
العلاقة بدأت سنة 1980 تحديدا، عندما التحقت بكلية الألسن في جامعة عين شمس [المصرية]، درستُ هناك أربع سنوات اللغة والأدب الألماني، ثم بعد انتهائي من الدراسة التحقت بكلية الآداب بجامعة القاهرة التي كانت تقدم دبلومًا متخصصًا في الترجمة، ولا أعلم إن كان لا يزال موجودًا أم لا. كانت مدة هذا الدبلوم سنتين فقط، وتضمنت الدراسة تدريبات عملية على مختلف أنواع الترجمة ومنها طبعًا الترجمة الأدبية.
لكن بدايتك مع الترجمة الأدبية كانت “محبطة جدًّا” كما كتبتَ في شهادة لك، قلتَ فيها إن هذه البداية “لم تكن سوى سلسلة من الإخفاقات التي استهلكتْ وقتي وجهدي بلا طائل”. حدثنا عن هذه البداية.
صحيح. في تلك الشهادة حكيتُ عن بداية دراستي وتعرفي بالأدب الألماني. خلال دراستي في كلية الألسن ثم في كلية الآداب بجامعة القاهرة كان يدرس لنا أساتذة كبار منهم الدكتور الراحل مصطفى ماهر صاحب الباع الطويل في الترجمة الأدبية من الألمانية، والدكتور كمال رضوان، أحد المساهمين في أهم القواميس الألمانية-العربية، قاموس جوتس شريجله Goetz Schregle، والسيدة الدكتورة ناهد الديب وهي مترجمة أدبية. بدأت أترجم بعض القصص القصيرة وشجعتني الدكتورة ناهد الديب على نشرها في المجلات الأدبية آنذاك كمجلتَيْ “القاهرة” و”إبداع”. وبالفعل ظهرت أولى الترجمات بسرعة – نسبيا – سنة 1986. ولكن المشكلة الحقيقية واجهتني عندما أردتُ أن أصدر كتابًا مترجمًا، فقد جمعتُ مجموعة من القصص القصيرة ودفعتُ بها إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب. كان نشر الترجمات في مصر آنذاك يكاد ينحصر في هيئة الكتاب الحكومية، أما دور النشر الخاصة فلم تكن تنشر إلا قليلًا من المترجمات ولكتّاب لهم أسماؤهم أو الأعمال الأدبية المصنفة «بيست سيلر Best Seller». تقدمتُ بالمجموعة إذن إلى الهيئة، وللأسف ظلت راقدة في الأدراج شهورا وسنوات، وبعد اتصالات هاتفية لا تعد ولا تحصى عرفتُ أنهم وافقوا مبدئيًّا على النشر، وأن الترجمة أُحيلت إلى المترجم الكبير الدكتور مصطفى ماهر لكي يكتب لها مقدمة، وقد فعل هذا مشكورًا، ولكن الترجمة لم تظهر حتى الآن. كان هذا هو الإحباطَ الأول.

طبعًا الدكتور مصطفى ماهر رحل عن دنيانا مؤخرًا.
صحيح. والدكتور ماهر علّامة كبير، وهو أيضا العميد المؤسس للدراسات الجرمانية في العالم العربي، وشيخ مترجمي الألمانية، وأول من نقل عيون الأدب الألماني إلى العربية مباشرة، وأغزر من ترجم عن لغة جوته Goethe، وأكثر المترجمين حضورا على الساحة الثقافية العربية منذ الستينيات. ولم تقتصر جهود هذا الرجل على التأسيس والتعليم والترجمة من الألمانية إلى العربية (نحو ستين عملا)، بل نقل إلى الألمانية نحو أربعين عملا من الأدب والفكر العربي، كما ترجم معاني القرآن الكريم إلى الألمانية. كان الراحل صاحب معرفة موسوعية، وعطاء علمي هائل، وإنجاز ضخم لا يباريه فيه أحد، وكأنه كان فريقا من المترجمين والباحثين، يكتب، ويترجم، وينشر المقالات عن الأدب الألماني، ويقدم دراسات تنظيرية في علم الترجمة والتواصل الثقافي، ويشرف على المئات من رسائل الماجستير والدكتوراه. والمرء يتساءل حقا عندما يرى هذا كله: من أين كان يأتي بالوقت لإنجاز هذا كله؟

المهم، أن ترجمتك تأخرتْ عشر سنوات قبل أن تظهر للنور.
تقريبا. لكن الترجمة الأولى التي تقدمتُ بها إلى الهيئة العامة للكتاب لم أعثر عليها، لأننا كنّا نكتب آنذاك على الآلة الكاتبة ولم تعد لدي نسخ منها، وقد استعوضتُ ربنا فيها. أما المشروع الثاني فقد كان ترجمة قصص قصيرة لبورشرت Borchert تقدمتُ بها أوائل التسعينيات للروائي جمال الغيطاني الذي كان حينئذ يرأس تحرير سلسلة “كتاب اليوم” وكانت هذه السلسلة تنشر الترجمات. وقد اطلع عليها وأبدى إعجابه بها وأخبرني بأنها ستنشر. ومرت الشهور والسنوات، وسافرت للدراسة في ألمانيا. ومرةً، بعد عودتي في إجازة، اتصلتُ به تليفونيا لأسأله عنها، فأخبرني أنه لم يعد مسؤولًا عن السلسلة، ولا يعرف أين هي مخطوطتي الآن! لحسن الحظ كان الأصل عندي هذه المرة، فراجعتها، وكتبتها مرة أخرى على الآلة الكاتبة، وتقدمت بها إلى سلسلة “آفاق الترجمة” في مصر، ونُشِرت المجموعة سنة 1998، أي بعد حوالي ثماني سنوات من تقدمي بها لأول مرة للأستاذ جمال الغيطاني. كل هذا يبين لك العقبات التي يمكن أن يواجهها المترجم المبتدئ، وتحديدًا مع النشر الحكومي قبل عشرين أو ثلاثين سنة. الوضع الآن اختلف كثيرا لحسن الحظ.

عموما، نحمد الله أن سوء الحظ كان في البدايات فقط. حيث إن ترجماتك توالت بعد ذلك وسنتحدث عنها. ولكني أود أن أسألك قبل ذلك: لماذا اللغة الألمانية؟ لماذا لم تتجه مثلًا إلى الإنجليزية أو الإسبانية أو أي لغة أخرى؟
سؤالك وجيه. عندما اجتزت امتحان الثانوية العامة قررتُ دراسة لغة غير شائعة في مصر لاعتبارات عملية مهنية بحتة، أي لأجد عملًا بعد ذلك. كانت هذه الفكرة الأولى. وبما أن اللغتين الإنجليزية والفرنسية منتشرتان في مصر، وهناك مدارس لغات متخصصة لم أكن من روادها، فقد قلتُ لنفسي إنه لن يكون لي حظّ كبير في المستقبل في لغتين شائعتين، ولن تكون لي فرصة التميز فيهما، لذا فكرت في اللغة الألمانية، ربما لحبي لبعض الأعمال الألمانية التي قرأتها. كانت هناك أيضًا الاعتبارات المهنية التي أشرت إليها نظرا لوجود بعض الشركات الألمانية الكبرى في مصر. كما ترى، ثمة مجموعة من الأسباب، أهمها أنني لم أكن أريد أن أدرس لغة شائعة في مصر، أردت أن أدرس لغة نادرة نسبيًا.

أولى ترجماتك الطويلة كانت رواية “مونتاوك” للكاتب السويسري ماكس فريش Max Frisch التي صدرت عن دار الجمل عام 2001. في شهادتك التي أشرنا إليها قبل قليل كتبتَ أنك تعتز بهذه الترجمة كثيرا ولكنك تقول إنها تحمل كل أخطاء البدايات.
طبعا. هذه الرواية مكتوبة بنفَس حداثي جدًّا. وفي الترجمة الأولى – وهذا ما يعرفه أي مترجم محنك – لا يكون المرء قد عثر بعد على أسلوبه الخاص، أو على حلول ترجمية للمشاكل والصعوبات التي تواجهه، وربما لم يتقن اللغة التي يترجم عنها إتقانا تاما، فيقع في بعض الأخطاء. وأنا عندما تصفحتُ الترجمة بعد مرور سنوات هالتني كثرة الأخطاء، في الصياغة والنحو، فضلا عن الأخطاء المطبعية. لذا كتبتُ للناشر أطلب منه إصدار طبعة ثانية منقحة ومصححة من الرواية، لأنها رواية جميلة ومتميزة، ويهمني أن تخرج خالية من الأخطاء. لكن الناشر كان له رأي آخر، فأصدر طبعة ثانية من دون أن يُخطرني حتى، أو يعيد لي الترجمة لأنظر فيها. وانتهت علاقتي بدار النشر هذه. ولكن قبل شهور صدرت لي ترجمة أخرى عن ماكس فريش أيضا، وهي رواية “شتيللر”، وأعتقد أنني في هذه الترجمة عوضتُ كل ما كنتُ أريد أن أفعله في “مونتاوك” من إظهار ماكس فريش في حلة جيدة تليق به.

على ما يبدو أن ماكس فريش، وأيضًا فريدريش دورنمات Friedrich Duerrenmatt، هما أكثر كاتبين تحبّهما.
صحيح. وقد فكرت كثيرا لماذا. ربما لأن الكتّاب الألمان عمومًا بعد الحرب العالمية الثانية يغلب على أدبهم ثيمة معينة هي الماضي النازي وكيفية تجاوزه، أي إن التاريخ يُلقي بثقله على معظم الروايات الألمانية. أما ماكس فريش ودورنمات فيكتبان أدبًا عالميًّا حقا، من الممكن أن يقرأه أي إنسان في أي مكان من العالم ويتفاعل معه، أدب ليس مثقلا بالتاريخ السويسري أو الأوروبي أو الألماني الذي يعوق أحيانًا استقبال هذه الأعمال في دول أو ثقافات أخرى. الثيمة الرئيسية لكتابة ماكس فريش هي موضوع الهوية؛ هوية الإنسان، صورته لدى الآخر، صورة الإنسان عن نفسه، اختلاف هذه الصورة عن الصورة التي يصنعها الآخرون عنه، إلخ. هذه ثيمة عالمية . الأمر نفسه في سيرته الذاتية الصادقة “مونتاوك” التي يسرد فيها جزءا من سيرته، ويتحدث عن علاقته بالنساء، وصداقته التاريخية مع الشاعرة النمساوية إنجبورج باخمان Ingeborg Bachmann، وانتحارها. أما دورنمات فهو أستاذ الإثارة والروايات البوليسية المشوقة ذات العمق الأدبي. ما فعله دورنمات في الرواية البوليسية هو في الحقيقة أمر فريد لم يستطع أحدٌ أن يفعله بعده، فهو يكتب روايةً تبدو على السطح رواية بوليسية مثيرة، وهي بالفعل كذلك، لكنها أيضا أدب يناقش قضايا أدبية وفلسفية بالغة العمق، مثل التفرقة بين العدالة والقانون، وعجز القانون عن تحقيق العدالة في كثير من الأحيان. شدتني أعمال دورنمات كثيرًا، فترجمتُ “الوعد” وهي من أشهر رواياته البوليسية، وأيضًا قصة طويلة بالغة الروعة عنوانها “العطل”، وقريبا ستصدر لدى دار الكتب خان القاهرية ترجمتي لرواية بوليسية أخرى شهيرة عنوانها “القاضي وجلاده”.

اللغة الألمانية تتيح لك أن تترجِم كتّابًا من ألمانيا والنمسا وسويسرا، والكاتبان اللذان تحدثتَ عنهما الآن (فريش ودورنمات) سويسريان. السؤال هو كيف يقع اختيارك على الكتاب المترجَم؟ لماذا تختار أن تترجِم هذه الرواية وليس تلك؟ هذا الكاتب وليس ذاك؟
هناك عدة معايير تجعلني أختار روايةً ما لأترجمها. عندما بدأتُ الترجمة كنتُ أحب أن أنقل الروايات الكلاسيكية في الأدب الألماني الحديث والمعاصر، تلك التي أصابت عن حق شهرة كبيرة، ولها وزن وثقل أدبي ولم تُنقَلْ بعد إلى اللغة العربية، مثل “مونتاوك” لماكس فريش أو قصص فولفجانج بورشرت Wolfgang Borchert وهاينريش بُل Heinrich Boll . كمثال آخر، هناك رواية “شتيللر”، وهي واحدة من أهم الروايات ألمانية اللغة التي صدرتْ بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت قد صدرتْ في الخمسينيات، ولم تصدر بالعربية إلا هذا العام (2021). هذا عمل مهمّ ومؤسِّس. من الأمثلة أيضا رواية “حلم” للكاتب النمساوي أرتور شنيتسلر Arthur Schnitzler التي ترجمتها العام الماضي (2020) وهي رواية قصيرة (نوفيلا) بها تحليلات نفسية بارعة، يقول فرويد عن مؤلفها شنيتسلر إنه توصل في رواياته عن طريق الحدس الأدبي لما توصلتُ أنا إليه في علم النفس بعد سنوات طويلة من البحث والاستقصاء، رواية بديعة بالفعل، تحولت إلى فيلم شهير هو Eyes Wide Shut الذي ترجم اسمه عربيًّا إلى “عيون مغلقة على اتساعها” وهو آخر أفلام المخرج ستانلي كوبريك Stanlley Kubrick .
أذكر أيضًا رواية “قصص بسيطة” للكاتب الألماني إنجو شولتسه Ingo Schulze التي نُشرت سنة 1998، وكانت من أبرز الروايات التي تناولت موضوع انهيار سور برلين ووحدة الألمانيتين الشرقية والغربية. وقد وقع اختياري على هذه الرواية لموضوعها وللأسلوب الجديد الذي كتبت به، وكانت أول عمل يُترجم إلى العربية للروائي إنجو شولتسه. هناك أيضًا “الكونترباص” لباتريك زوسكيند Patrick Sueskind وهي مونودراما مسرحية شهيرة، رأيتُها على المسرح ففُتِنتُ بها، ثم قرأتها في كتاب ففُتِنْتُ بها أكثر، فترجمتُها حتى قبل أن أجد ناشرًا، إلى أن عرضتُ الترجمة على المشروع القومي للترجمة بمصر وصدرتْ لديه. هناك كذلك رواية “العاصمة” للكاتب النمساوي روبرت ميناسّه Robert Menasse الفائزة سنة 2017 بجائزة الكتاب الألماني وهي أهم جائزة ألمانية تُمنح كل سنة في معرض فرانكفورت للكتاب لأفضل الإصدارات باللغة الألمانية. ويتناول ميناسّه فيها موضوع الاتحاد الأوروبي روائيًّا. رواية فاتنة في موضوعها السياسي وتناولها الفني والروائي، وصدرتْ ترجمتي لها قبل سنتين عن دار “آفاق” بالقاهرة. كل هذه الأعمال مهمة جدًّا، وللأسف لم يكن القارئ العربي يعلم عنها شيئا، فكان هدفي أن أعرفه بهذه الأعمال. ومعظم هذه الترجمات كانت من اختياري؛ أنا من اخترتُ العناوين واقترحتُها على دور النشر. أما في الفترة الأخيرة وبعدما أصبحت معروفا بعض الشيء، بدأتْ دور النشر تتوجه إلي وتعرض عليَّ ترجمة بعض الأعمال، ومنها الأعمال الصادرة حديثًا، كرواية “حياة” لديفيد فاجنر David Wagner التي صدرت عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في لبنان، ومؤلفها كاتب ألماني شاب من مواليد عام 1971، وقد كتب في هذه الرواية المؤثرة عن تجربته في نقل كبد إليه، إذْ عانى منذ صباه من مرض نادر في كبده كان سيودي به إلى الوفاة، إن لم تُنقَلْ إليه كبد أخرى. رواية مفعمة بالتأملات عن الحياة والموت. وقريبا، ولدى الدار نفسها، ستظهر الترجمة العربية لآخر روايات فاجنر وهي رواية “العملاق النَسّاء” التي صدرت عام 2019، وهي رواية مكتوبة بحساسية عالية عن موضوع شائك، وهو مرض والد الكاتب بالخَرَف، أو الألزهايمر، وكيف أضحى الأب العملاق في السابق فريسة للنسيان. يرافق الكاتب والده في دار المسنين وفي بعض الرحلات، ويستعيد علاقته الجدية مع أبيه بعد سنوات من الفتور. كما ترى، هناك تنويع بين الروايات الحديثة الصادرة هذا العام أو قبل خمس سنوات، والروايات الكلاسيكية التي لا بدّ أن تُتَرجم إلى اللغة العربية. وتوالت ترجماتي عبر السنين إلى أن تعدت الثلاثين عملا.

ترجمتَ أيضا رواية “عازفة البيانو” للكاتبة النمساوية ألفريده يلينك Elfriede Jelinek الفائزة بجائزة نوبل للأدب عام 2004. وهذه الرواية ليست فقط من أهم روايات يلينك، ولكنها أيضًا من أجمل الروايات التي ترجمتَها أنت شخصيا.
نعم. أتذكر أنني كنتُ في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 عندما أُعلِن خبر فوز ألفريده يلينك بجائزة نوبل. ويلينك ليست مجهولة طبعًا في النمسا أو الأدب الألماني، ولكنها ليست مثلًا بشهرة بيتر هاندكه Peter Handke أو آخرين توقع المرء حصولهم على جائزة نوبل. وبالتالي فإن أول سؤال تبادر إلى ذهن القارئ العربي بعد فوزها: ما هي أعمالها المترجمة؟ والإجابة: لا توجد. لم يكن هناك عملٌ واحد مترجم لها. فكانت فكرتي أنه لا بد أن ننقل وبسرعة أهم أعمالها من الألمانية إلى العربية. وأهم أعمالها بإجماع النقّاد هي روايتها “عازفة البيانو” التي تتضمن نقدا لاذعا للمجتمع النمساوي في الثمانينيات، ونقدا لمفهوم الأمومة الشائع، وسخرية لاذعة من “صناعة” نجوم الموسيقى في فيينا، بلد الموسيقى، لا سيما انتهاك الطفولة بدعوى الفن.
اشترت دار ميريت المصرية حقوق الترجمة، وباشرتُ العمل عليها، وربما كانت هي الترجمة الوحيدة التي تفرغتُ لها تمامًا حتى أنجزها بسرعة نسبية لتُنشر في معرض الكتاب في القاهرة في يناير 2005. وقد كنتُ آنذاك صحفيًّا في إذاعة دويتشه فيله Deutsche Welle في بون فاستقلتُ من عملي. كانت خطوة وصفها كثيرون بالجنونية، لكنني أقدمتُ عليها وتفرغتُ تمامًا للترجمة. وقد واجهتني مصاعب عديدة في ترجمة هذه الرواية، لأن أسلوب يلينك يعتمد على التلاعب اللفظي أولًا، وثانيًا على السخرية. وهذان الأمران من الأمور شديدة الصعوبة في الترجمة، لأن ما هو ساخر في لغة ليس بالضرورة ساخرًا في لغة أخرى إذا ما ترجمْتَه ترجمة حرفية. فلا بدّ أن تظل طوال الوقت تبحث عن مقابل، ويؤرقك سؤال: كيف تنقل هذه الصورة لكي تظل ساخرة في اللغة الأخرى؟ أما التلاعب اللفظي فهو أمر شديد الخطورة وشديد الصعوبة في النقل، لأنني عندما أتلاعب لفظيًا في اللغة العربية مثلًا بعبارة “نسيم عليل” ونحن نعلم أن كلمة “عليل” تعني أيضًا “مريض”، هذا أمر لا يمكن ترجمته حرفيا إلى اللغات الأخرى، فليس لدي في اللغة الألمانية مثلا كلمة واحدة تصلح لوصف المرض ورقة النسيم معًا. على هذا المنوال هناك العديد من العبارات الساخرة في “عازفة البيانو”، أو تلك التي تضم تلاعبا لفظيا، لا يمكن نقلها كما هي في اللغة العربية. لا بد أن يجتهد المترجم ويبتكر حلولًا ترجمية لها دون الالتزام بالترجمة الحرفية. هذه كانت إحدى أهم الصعوبات، بالإضافة طبعًا إلى الصعوبة الأخرى، وهي المشاهد الإباحية المباشرة أو وصف الجنس بطريقة تكاد تكون مبتذلة، بل متعمَّدة الابتذال، وهذا كما تعلم مثير للجدل في ثقافتنا العربية. وأعتقد الآن أن هذه الترجمة ما كانت لتنشر في دار نشر حكومية في مصر، المؤكد أنه كان سيُقتطَع ويُحذف منها الكثير. ولذا، فإني أقدّر شجاعة الناشر محمد هاشم مدير دار ميريت لأنه نشرها كما هي، دون حذف كلمة منها. كان رأيي أن ألفريده يلينك أرادت لهذه الرواية أن تكون بهذه المباشرة والقسوة والابتذال في بعض الأحيان، ولا بد أن تصل الرسالة كما هي والقارئ هو الحكم. لم أمارس رقابة أخلاقية على القارئ، ولا الناشر فعل ذلك. لهذا أعتز جدًّا بهذه الترجمة، لأنها رواية صعبة، وبذلتُ في ترجمتها مجهودًا كبيرًا، وكان لها صدى نقديّ أبهجني، إذ كتب عنها وأشاد بها نقاد وكتّاب مهمون، مثل الكاتب المصري علاء الديب والناقدة اللبنانية يسرى مقدم والشاعر الفلسطيني أحمد دحبور والقاص المصري هيثم الورداني.

طبعًا ألفريده يلينك – وكما تفضلتَ – لم يكن لها عند فوزها بنوبل 2004 شهرة مواطنها النمساوي بيتر هاندكه الذي سيفوز أيضًا بنوبل بعدها بخمسة عشر عاما (2019). دعني أسألك عن هذا الأخير الذي ترجمتَ له رواية “دون جوان” ونُشِرتْ بُعَيد فوزه بنوبل. ألم تترجم له شيئًا قبل الجائزة؟
لا.
لماذا؟
المترجم له ذوقه الشخصي. وبيتر هاندكه ليس في الحقيقة من كتّابي المفضلين. لكني أدرك أهميته الأدبية وموقعه في الأدب الألماني، لذا اقترحت على دارَيْ النشر “سرد” و”ممدوح عدوان” ترجمة هذه الرواية، وكان ذلك قبل حصوله على نوبل بعام كامل. وسلّمتُ الترجمة في شهر مايو 2019، وبدأت الداران الاشتغال على التحرير والصف، ثم فوجئنا بخبر فوز هاندكه بنوبل عندما كانت الترجمة في المطبعة. ولذلك فإن كثيرين ظنوا أن الرواية صدرتْ خصيصًا بسبب فوزه بالجائزة، وهذا بالطبع ليس صحيحا. وقد اخترتُ هذه الرواية بالذات لأنني أعتبرها من الأعمال المختلفة قليلًا عن بقية أعمال هاندكه. إذ يتناول فيها موضوعًا أدبيًا عالميًا تناوُلًا جديدً تمامًا؛ ألا وهو موضوع العشق والعلاقة بين الرجل والمرأة، وكنه هذه العلاقة، وماهية الحب. وكانت سعادتي وسعادة الناشريْن طاغية بصدور هذه الترجمة بعد إعلان فوزه بأسابيع.

الآن أود أن أسألك عن تعاملك مع دُور النشر التي تنشر ترجماتك. قبل قليل أشدتَ بشجاعة محمد هاشم صاحب دار ميريت لنشره رواية يلينك دون أن يحذف منها شيئًا. فكيف هو تعاملك مع بقية دور النشر، سواء من ناحية الرقابة والحذف أو من ناحية التعامل المادي والمعنوي؟.
والله هذا موضوع شائك (يضحك). لأنه لو تكلم كل المترجمين بصراحة عن هذا التعامل، فسيُغضِبون معظم دور النشر. شوف : بداية، أنا أعلم أن دور النشر تعمل في ظروف شديدة الصعوبة، ولقد تعاملتُ مع عدد كبير من دور النشر، من بينها دُور محترمة بالفعل، حريصة على الحقوق المادية والأدبية للمترجم. لكن هناك في المقابل دور نشر غير حريصة على حقوق المترجم، خاصّةً المادية. وفي الفترة الأخيرة كان لي للأسف تجربة سيئة جدًّا مع إحدى دور النشر الخليجية الكبيرة التي تدفع مكافآت مجزية، لكنها تمارس الرقابة الأخلاقية والدينية، ولذا لم تصدر ترجمتي بعد مرور نحو عامين على تسليمها.
لماذا؟
الكتاب يحمل عنوان “فهرس بعض الخسارات” للكاتبة الشابة يوديت شالانسكي Judith Schalansky التي تعتبر من الأصوات البارزة في المشهد الأدبي الألماني حاليا. ويعتبر هذا الكتاب من أبرز إصدارات عام 2018 في ألمانيا، فالكاتبة تمزج بأسلوبها الأدبي الفلسفي الوقائعَ التاريخية والعلمية بالخيال الروائي، وتقدم 12 فصلا، ترسم وجوها مختلفة لتراجيديا الفناء والزوال؛ فتحكي لنا – على سبيل المثال – قصة جزيرة تواناكي التي غرقت واختفت دون أن تترك أثرا، وتتخيل اللقاء الذي حدث بين أهالي الجزيرة والمكتشفين، أو تروي لنا قصة “فيلا ساكيتي” في روما، فتحيي بذلك عصرا كاملا، أو تحدثنا عن غزليات الشاعرة الإغريقية صافو Sappho، وتشركنا في تأملاتها عما تبوح به تلك الشذرات وعما تسكت عنه. كما ترى، كتاب مثير للتأملات العميقة.
في أحد فصول الكتاب تتعرض شالانسكي إلى الجنس وأماكن اللذة في جسد المرأة، ما أثار حفيظة المسؤولين في الدار. المضحك في الأمر أن هذا العمل كان من اختيارهم وليس من اختياري، وأتعجب: لماذا اختاروا هذا العمل إذن؟ هل قرأوه قبل تكليفي بترجمته؟ لقد بذلتُ مجهودًا كبيرًا في هذه الترجمة، لأن أسلوب الكاتبة يتسم بصعوبة كبيرة وبكثرة الإحالات التاريخية والثقافية. هذا الكتاب المهم رُشح بترجمته الإنجليزية لجائزة مان بوكر الدولية Man Booker International Prize، لكن صدور طبعته العربية يبدو مؤجلا إلى أجل غير مسمى! بعد أن أرسلت الترجمة إلى الدار، وبعد أن صُفّت، أرسلوا لي عدة مرات يسألونني أن أغير جملا معينة، أو فقرة كاملة، وأن “أخفف” من بعض العبارات، أي ألا ألتزم الأمانة في الترجمة، وبالطبع رفضت.
لقد ترجمت لتلك الدار حتى الآن أربعة أعمال، لم يظهر منها سوى عمل واحد!! ومن بين تلك الأعمال عملٌ أنتظر صدوره منذ نحو عشر سنوات! وأعني هنا ترجمة لذكريات الشاعر النمساوي إريش فريد Erich Fried ، وهو كتاب من اقتراحهم هم، وحتى الآن لا أعرف سببا حقيقيا لعدم نشره! هذا بالطبع أمرٌ محبِط جدًّا للمترجم، الذي يبذل جهدا كبيرا في الترجمة، لكن العمل لا يرى النور! أو يصدر العمل بعد تعديل عبارات تمسّ جوهره، ولا يُؤخذ رأيك كمترجم في هذا التعديل، وإنما تُفاجَأ به بعد صدور الكتاب . وهذا ما حدث للصديق المترجم أحمد فاروق، إذ صدرت قبل شهور لدى الدار نفسها ترجمته لرواية “مجد متأخر” للنمساوي أرتور شنيتسلر، ثم فوجئ بأنه كلما وردتْ كلمة “نبيذ” أو “بيرة” في الرواية يتم حذفُها وتستبدل بكلمة “مشروب” أو “شراب” (يضحك). هذا أمر مضحك للغاية، يذكّر بترجمة بعض الأفلام، عندما يرى المرء رجلا يدخل حانة ويطلب كأسا من الويسكي، ونرى الكأس، لكن الترجمة تتحدث عن قدح من الماء!! أو كما نقرأ في ترجمات أخرى تحذف كلمة “كنيسة” أو “دير” وتضع بدلا منها كلمة “دار عبادة”، و”القس” يصبح “رجل دين”، إلى آخر هذه المضحكات المبكيات!
أما المشكلة الكبيرة في الترجمة فهي على ما أعتقد المكافآت. فلا أحد يستطيع أن يتعيّش من الترجمة في العالم العربي إلا نادرا، وخاصة في مثل حالتي عندما تعيش في دولة أوروبية لها مستوى دخل معين. أتذكر أنني ترجمت عام 2005 كتاب “صداقة” للنمساوي توماس برنهارد Thomas Bernhard ، وكانت أول ترجمة لهذا الكاتب النمساوي بالعربية. دفعت لي دار “المدى” آنذاك مكافأة بالليرة السورية، بلغت قيمتها بعد التحويل مائتي يورو فقط! وهو مبلغ متواضع جدا، تصرفه في دعوة عشاء لأربعة أو خمسة أشخاص في مطعم فاخر بعض الشيء. وقد وافقتُ على هذا المبلغ الضئيل لترجمة كتاب كامل لأنني أحببت هذه الرواية ورغبت في أن ترى النور لدى دار كبيرة.
ولا أذيع سرا إذا قلت إن ترجمات عديدة ما كان لها أن تظهر إلا بدعم من الجهات الأجنبية، وإن ثمة مشروعات مهمة أقترحها على دور النشر، لكنها تُرفض لعدم وجود الدعم.

وهذا يدفعني إلى سؤال أستاذ سمير: ذكرتَ قبل قليل أنك استقلتَ من عملك لتتفرغ للترجمة، ووصفت هذه الخطوة بالجنونية. هل ندمتَ بعد ذلك على هذه الاستقالة؟
(يضحك) لا. لكنني كنتُ محظوظًا. فقد استقلتُ من عملي كمذيع في إذاعة دويتشه فيله ولكنني ظللت أعمل بشكل حر، بالإضافة إلى أنني عملتُ مترجمًا فوريًّا، وأجور الترجمة الفورية كما تعلم مجزية. ومن المحزن حقا، أن تكسب في يومين أو ثلاثة أيام من الترجمة الفورية ما يعادل ترجمة رواية كاملة تأخذ منك شهورا وشهورا من العمل الشاق! لهذا لم أتفرغ تمامًا للترجمة الأدبية، لكنني تحررت من عبء الوظيفة، وأصبح لدي وقت أكثر للترجمة الأدبية.

مازلتُ مع الندم وسأسأل عن ندم من نوع آخر: هل ندمتَ على عمل ترجمْتَه؟
لا. إن كان من ندم فهو على الأعمال التي ترجمتُها ولم تصدر حتى الآن، كما ذكرتُ قبل قليل، أي أن تتعاقد مع دار نشر دون أن تعرف سياسة النشر لديها بالضبط. أما أن أندم على عمل مترجم منشور فلا. إنني أعتبر كل ترجمة مغامرة، حتى لو لم يوافقني أسلوب الكاتب أو حتى آراؤه السياسية. أنت كمترجم تواجه في كل ترجمة تحدّيًا مختلفا لنقل أفكار الكاتب وأسلوبه إلى لغة أخرى. وبالنسبة لي كان لكل عمل متعته في الترجمة. ربما ندمت على ترجمة عمل واحد، لأنه كُتب بألمانية جافة، وربما لذلك لم يحقق أي صدى بعد صدوره.
أي عمل هذا بالضبط؟
هو عمل مهم من ناحية الموضوع، لكنه مكتوب بشكل جاف، كان عنوانه “أدباء أمام المحاكم: الأدب الممنوع في أربعة قرون” [اختيار وإعداد: يورغ- ديتر كوغل Joerg-Dieter Kogel ] يتحدث عن الأدباء الذين تعرضوا للمحاكمة في ألمانيا. كما ترى الموضوع مهم وشيق، وبعض فصول الكتاب شيقة، ولكن معظم فصوله دراسات أكاديمية جافة تتوجه للقارئ الألماني، وأعتبرها غير جاذبة للقارئ العربي العادي. ولذا، لا أظن هذا العمل معروفًا أو قُرِئ بشكل جيد.

عدا الترجمة، صدر لك أيضًا كتاب من تأليفك عنوانه “جونتر جراس ومواجهة ماضٍ لا يمضي” عن الأديب الألماني الفائز هو الآخر بجائزة نوبل عام 1999 جونتر جراس Guenter Grass. ماذا تقول عن هذا الكتاب؟
جونتر جراس من الأدباء الذين رافقتُهم كصحفي، وكتبتُ عنه وعن أعماله الجديدة في أوقات مختلفة سلسلةً من المقالات في جريدة الحياة وإذاعة دويتشه فيله. ومن حسن حظي أنني رافقتُه في رحلته إلى اليمن. وكان جراس قد قام برحلتين إلى اليمن مع وفدين من الأدباء الألمان والعرب في مؤتمرين عن الشعر العربي الألماني، والرواية العربية الألمانية. وقد شاركت في الرحلة الثانية ضمن الوفد الصحفي المرافق له، وكان ذلك عام 2004. ولذلك فقد تعرفتُ عن قرب إلى هذا الكاتب الكبير. وعندما توفي سنة 2015 خطرت لي فكرة جمع كل المقالات التي كتبتُها عنه، وإعدادها كي تصدر في كتاب، فأعدت النظر في المقالات التي سبق نشرها، وأضفتُ فصولًا عديدة كُتبت خصيصًا للكتاب، بحيث تتشكّل لدى القارئ فكرة عن جراس منذ بدايته، ومنذ روايته الأولى الفذة “الطبل الصفيح” وحتى وفاته، مع فصل نقدي عن الترجمات العربية لأعماله. وكان آخر فصل في الكتاب بعنوان “أخيرًا أستطيع أن أقول أخيرًا” عن آخر كتاب نشره الأديب الألماني وهو كتاب “عن الزوال”.

– حصلتَ عام 2014 على جائزة الترجمة الأدبية من الألمانية إلى العربية من معهد جوته بالقاهرة، كما نِلتَ جائزة ترجمة القصة من المجلس الأعلى للثقافة في مصر سنة 1996 وفازت ترجمتك لرواية “حياة” بجائزة الشيخ حمد للترجمة. إلى أي مدى مثل هذه الجوائز تحفز المترجم؟ وهل نستطيع القول إن المترجم بدأ يأخذ حقه في السنوات الأخيرة من الجوائز العربية، أسوة بزميله الروائي؟
– أرى أن الجوائز تكريم وتقدير للمترجمين الذين، كما قلت، لا يحصلون في معظم الأحيان على مكافآت جيدة. وعموما مترجم الأدب يدفعه الشغف والعشق أكثر من الدافع المادي، والجائزة تكريم مادي ومعنوي مطلوب. لا تنسَ أن المترجم يعمل في معظم الأحيان في الظل، يجلس شهورا طويلة وحده مع نص، ويحدث أن تظهر الترجمة دون أن تلقى الاهتمام المأمول، مما يشعره بالإحباط في كثير من الأحيان. لذلك فالجائزة تكريم مهم تُشعر المترجم بأن جهده لم يضع هباء.
بالنسبة إلى الشق الثاني من سؤالك: نعم، في السنوات الأخيرة تزايد الاهتمام بالترجمة، وأتمنى أن تكثر الجوائز التي تلتفت إلى عمل المترجمين المجيدين.

– رغم أنك تخصصتَ في ترجمة الرواية بشكل خاص، إلا أننا نقرأ لك بين فترة وأخرى ترجمة للشعر، كما في مقالك بصحيفة أخبار الأدب عن الشاعر النمساوي اليهودي إريش فريد. وقد أعلنتَ مؤخرا على صفحتك في فيسبوك عن قرب صدور المجموعة الشعرية “الزمن المؤجّل” لإنجبورج باخمان، التي شاركك ترجمتها يوسف ليمود. كيف تجد ترجمة الشعر؟ أسهل أم أصعب من ترجمة الرواية؟، خاصة إذا ما علمنا أن هناك مقولة للشاعر والمترجم بسام حجار يقول فيها إن “ما يسعى إليه القارئ إذا كان قارئَ شعر شغِفًا هو شعر الترجمة لا ترجمة الشعر”؟
– عادة ما أهاب ترجمة الشعر، وباستثناء بعض القصائد ليوهانيس بوبروفسكي Johannes Bobrowski وجونتر جراس وإريش فريد، لم “أقترف” هذه الجريمة الجميلة. وفي عام 2017 عرض عليّ الشاعر والفنان التشكيلي يوسف ليمود أن نشترك معا في ترجمة خمسين قصيدة للشاعرة النمساوية المعروفة إنجبورج باخمان. تجاوزت بسرعة حذري ووافقت على الفور، لمكانة الشاعرة في الأدب الألماني المعاصر من ناحية، ولأنني وجدت أن التعاون مع شاعر يجيد الألمانية في ترجمة قصائد شاعرة كبيرة تجربة جميلة ومثيرة.
وبالرغم من انشغالي في ترجمات أخرى، وبالرغم من المكافأة الرمزية جدا لترجمة الشعر، فقد انهمكت في ترجمة القصائد بعد أن قسمناها، وعندما انتهيت مما ترجمت أرسلته ليوسف لإبداء الرأي، وفعل هو الشيء نفسه، ثم تولى كتابة مقدمة للديوان، وسلمنا الديوان للنشر أواخر عام 2017. وآمل أن يصدر هذا الديوان قريبا.
الموضوع في رأيي ليس ما الأصعب وما الأسهل. لشيخ النقاد الألمان، مارسيل رايش رانيتسكي Marcel Reich-Ranicki ، جملة شهيرة، وهي أن بعض الكتّاب (الألمان) يهربون من النثر – لأنهم لا يجيدونه – إلى الشعر، لأنهم يظنون أنه أسهل. ثمة مترجمون يستسهلون أيضا ترجمة الشعر. السؤال في رأيي هو: أين تجد نفسك كمترجم؟ وفي أي الميادين تقدم إنجازا جيدا؟ عن نفسي، أميل أكثر إلى ترجمة النثر.

– في كتابك الذي أشرنا إليه في الحوار [“جونتر جراس ومواجهة ماضٍ لا يمضي”] أشدت بنيابة مدينة كوبلتنس الألمانية التي حفظت القضية المرفوعة ضد جراس سنة 1962 وتتهمه بسبب روايته “قط وفأر” بنشر مؤلفات إباحية، ووصفتَها بأنها “نيابة واعية متبصرة تفهم خصوصيات الأدب والفن رفضت هذه الوشاية التي قدمت في صورة بلاغ”، وقارنت بين قضية جراس وقضية أزمة رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر في مصر، التي أُغلقتْ قضيتها دون “نقاش مجتمعي حول المسموح والممنوع في الأدب والفن”. برأيك متى سيكون هذا النقاش ممكنًا في عالمنا العربي؟
– عندما أتذكر ما قلته لك عن ترجمات قمت بها ولم تصدر بسبب فقرة أو بعض الجمل، فسأقول: ما زال أمامنا فترة طويلة حتى يستطيع المجتمع أن يتقبل حقا الرأي المختلف أو المعارض أو الخارج عن الإجماع. المرء يشعر بإحباط حقا عندما نرى قدر الحرية التي كان النشر يتمتع بها في العالم العربي قبل خمسين أو ستين سنة، ويقارنها باليوم!

– قرأنا بعض الأعمال الأدبية الألمانية مترجمَةً عبر لغة وسيطة، كما هي الحال مثلًا في روايات “رحلة إلى الشرق” و”سِدهارتا” و”دميان” لهرمان هسه Hermann Hesse التي ترجمها عن الإنجليزية ممدوح عدوان، وكذلك بعض أعمال برتولت بريخت Bertolt Brecht، وغيرها. ما رأيك في الترجمة عن الألمانية عبر لغة وسيطة؟. هل تستطيع هذه الترجمة أن تفي النص الأدبي حقه كما لو كانت عن اللغة الأم؟
– هذا موضوع متشعب، وعموما أستطيع أن أقول: أرى أن الترجمة عبر لغة وسيطة أمر إشكالي ويحمل مخاطرة كبيرة جدا، وقد كان لها ما يبررها في فترة سابقة، لم يكن لدينا فيها مترجمون عن لغات مثل الألمانية أو الروسية أو الإسبانية. الآن اختلف الأمر. هذه الظاهرة تكاد تكون اختفت في أوروبا، ولا يمكن أن يخطر على بال دار نشر ألمانية، مثلا، أن تكلّف مترجما متخصصا في اللغة الإنجليزية بترجمة عمل من الإسبانية أو الروسية أو حتى العربية التي ما زالت تعتبر لغة غير شائعة إلى حد ما. هذا أمر عفا عليه الزمن، ولم يعد يقوم به أحد إلا في حالات اللغات النادرة فعلا. في كتابه القيّم “أن نقول الشيء نفسه تقريبا” يتأمل الكاتب وعالم اللغويات الإيطالي أمبرتو إيكو Umberto Eco في ماهية الترجمة وجوهرها، معتبرا أنها، أولا وأخيرا، تأويل للنص، وتفاوض مع الأصل، والمتفاوض يترك عادة أشياء ليربح أشياء أخرى. الترجمة عبر لغة وسيطة تعني، إذن، تأويل نص مؤول، وتفاوض مع متفاوض. والخطورة كبيرة في أن يفقد النص الأصلي الكثير عبر التفاوض مرتين.
السؤال المطروح في الترجمة عبر لغة وسيطة هو: هل استطاع المترجم أن ينقل النص بكافة ظلاله وإيحاءاته وإحالاته؟ هذا شيء لا يمكن الحكم عليه عبر قراءة الترجمة وحدها التي قد تكون سلسة وتترك انطباعا جيدا. لا بد هنا من الرجوع للأصل. وبيقين كبير يمكن القول إن الترجمة عبر لغة وسيطة ترجمة تقريبية، لأنها – كما ذكرت – “نتيجة تفاوض” مع متفاوض. لهذا يكاد يجمع معظم الباحثين في علم الترجمة على رفض الترجمة عن لغة وسيطة، واعتبارها – أحيانا – تشويها مزدوجا للأصل. وبالطبع هناك دائما استثناءات.
وتتفاقم إشكاليات الترجمة عبر لغة وسيطة في الأعمال التي تقوم أساسا على اللغة، لا على “الحدوتة” والحدث. ولعل المثال الأبرز في ذلك هي ترجمة رواية الكاتبة النمساوية إلفريده يلينك التي صدرت في عام 2013 عن دار “طوى” تحت عنوان “معلمة البيانو”، وهي الرواية التي سبق أن ترجمتُها في عام 2005 بعنوان “عازفة البيانو”. مَن قرأ الرواية يعرف أن موضوعها يدور حول امرأة تعلمت عزف البيانو منذ طفولتها، وكان حلمها، وحلم أمها، هو أن تصبح عازفة بيانو شهيرة ونجما من نجوم الموسيقى في سماء فيينا. فإذا قام المترجم الإنجليزي بتأويل العنوان – وأنا أعتقد أن التأويل خاطئ – فإن المترجم العربي يعيد التأويل نفسه، أي يكرر الخطأ ذاته. وقد كتبت بالتفصيل في مقالة نُشرت في “الحياة” الأخطاء الفادحة التي تتضمنها ترجمة دار طوى.
نقطة أخرى: أعمال يلينك تعتمد على التلاعب اللفظي والإحالات والتناص. كل هذه الأشياء تضيع تماما خلال “التفاوض” مرتين. سأعطيك مثالا: في أحد المقاطع تصف يلينك بابتذال متعمد مشهدًا جنسيًا، وفيه تتمنى المرأة أن تطول لحظة المتعة وتمتد. تستخدم يلينك في المشهد الكلمات نفسها التي يستخدمها جوته في عمله الأشهر “فاوست”، وهي: “تريثي قليلًا، فما أجملك”؟ وبالطبع، الفارق شاسع بين الموقف المبتذل عند يلينك، والموقف الرومانسي الحالم لدى جوته. المترجم العربي عن الألمانية يستطيع على الأقل – وهذا أضعف الإيمان – أن يلفت نظر القارئ في الهامش إلى هذا التناص الأدبي المهم في رأيي، أو – وهذا أفضل – أن يجد في اللغة العربية تناصا مشابها؛ أما المترجم عن لغة وسيطة فلا ينتبه إلى هذا التناص أساسا، وبالتالي يضيع تماما في ترجمته.
ذكرتَ هرمان هسه وترجمة “سدهارتا” مثلا. هذا عمل من أجمل أعمال هرمان هسه، ومن المفهوم أن يتسابق المترجمون على ترجمته، حتى عن لغة وسيطة، لا سيما بعد حصول هسه على جائزة نوبل عام 1946. لذا صدرت عدة ترجمات عربية لـ”سِدهارتا”، لعل أكثرها شيوعا ترجمتان عن الإنجليزية، الأولى للمترجم المصري القدير فؤاد كامل، والثانية للكاتب والمترجم السوري الكبير ممدوح عدوان. وثمة ترجمة ثالثة أنجزتها جيزلا فالور حجار عن الأصل الألماني، وربما تكون هناك ترجمات أخرى لا علم لي بها. لقد اطلعت على الترجمات الثلاث سابقة الذكر، وقرأت بإمعان الترجمتين اللتين أنجزهما فؤاد كامل وممدوح عدوان، وكل منهما جيدة في العموم، ولها سماتها الأسلوبية الخاصة، لكن يعيبهما في رأيي أنهما عن لغة وسيطة، الإنجليزية، ولذا تكرران أخطاء الترجمة الإنجليزية نفسها، من حذف لبعض الكلمات أو أجزاء من الجمل، وكذلك فهم بعض العبارات فهما خاطئا. وربما أكثر ما يعيب الترجمتين في رأيي هو البُعد عن أسلوب هسه الشاعري، البسيط والبليغ في آن واحد، والابتعاد كذلك عن إيقاع جملته، إذ إن هسه يتعمد تكرار بعض الكلمات لتعميق تأثيرها، والمساواة في طول الجمل الفرعية لإيجاد نوع من الموسيقى الجميلة، وهذا ما لم يحدث في الترجمتين. أما الترجمة التي أنجزتها جيزلا فالور حجار فهي تتسم بالحرفية الشديدة التي تعوق القراءة في كثير من الأحيان وتؤدي إلى عدم الفهم. إذن، كما ترى في هذه الحالة: ليست كل ترجمة عن الأصل مباشرة ترجمة جيدة، وليست كل ترجمة عن لغة وسيطة سيئة.
عموما، ولفرادة هذا العمل، ولكل الأسباب التي ذكرتها، إضافة إلى مرور عقود طويلة على الترجمتين، فقد وجدت نفسي مدفوعا إلى إنجاز ترجمة جديدة لهذا العمل البديع القريب جدا إلى قلبي. وسيصدر قريبا عن دار “الكرمة” المصرية. وآمل أن أكون قد وفقت في أن ينطق سِدهارتا بالعربية، على النحو الذي أراده هسه بالألمانية.
كلمة أخيرة في هذه القضية: إذا ظللنا نعتمد على الترجمة عبر الفرنسية والانجليزية، فإننا نمنع نشوء أجيال جديدة من المترجمين عن اللغات التي نعتبرها نادرة الآن، كالتركية أو الفارسية أو اليابانية، فالترجمة، كأي علم، تتطور بالتراكم، وبـ”التفاوض” المباشر مع اللغة الأصلية.

سؤال أخير أستاذ سمير. ذكرت “سِدهارتا” كأحد مشاريعك الترجمية القادمة. هل هناك مشاريع أخرى قادمة؟
لا أحبذ كثيرًا التحدث عن كتاب لم يصدر بعد. لكنني سأخالف معك هذه القاعدة. أعمل الآن على ترجمة رواية شهيرة في الأدب الألماني صدرت سنة 1983 ولم تترجم حتى الآن إلى العربية. عنوانها “اكتشاف البطء”، وهي عن حياة بحار إنجليزي اسمه جون فرانكلين، شارك في الحروب ضد نابليون، ثم أصبح بعد ذلك من المستكشفين للقطب الشمالي. مؤلف الرواية الألماني ستين نادولني Sten Nadolny يستلهم حياة هذا البحار ليصنع منها أمثولة عن اكتشاف البطء ومزاياه، ليقول لنا إن البطء لا يعني دائما الكسل أو الخمول، بل قد يعني التأني والتروي والتدبر والنظرة المتمعنة في الأمور. هذه الصفات تحديدا هي التي جعلت من فرانكلين بحارا ومستكشفا مهما، وأنقذته هو وفريق البحارة من الموت عدة مرات. هي رواية جميلة جدًّا في الحقيقة، ولكن مشكلتها بالنسبة لي أنها مليئة بمصطلحات من لغة البحارة الألمان، ووصف تفصيلي للسفن الشراعية، ومختلف أنواع الأشرعة والصواري والحبال في السفن، وفي اللغة الألمانية يحمل كل شراع اسمًا خاصا، ولكل صارية وحبل لشدّ الأشرعة اسمه الخاص به، وفي كثير من الأحيان لا يجد المترجم مقابلًا عربيًّا لكل هذه الأسماء. هذا هو التحدي الذي أواجهه الآن، ولْنرَ كيف سأتغلب عليه.

شاهد أيضاً

المترجم الإيراني موسى بيدج أبحث عن غنى الروح في عصر الأسلاك الشائكة

حسن الوزاني يواصل المترجم الإيراني موسى بيدج رحلته العاشقة بين الثقافتين العربية والفارسية، تسبقه في …