أخبار عاجلة

النجمة السارحة في فضاء اللانهاية

لقي ديوان "نجمة في الذاكرة" للشاعرة القطرية زكية مال الله ترحيبا واسعا في الوسط الثقافي القطري، وعقدت في نادي الجسرة الثقافي بالدوحة جلسات لمحاورة الشاعرة شارك فيها أكاديميون ونقاد، وهذه بشارة خير وسط جو الركود المخيم عن روضة الشعر بوجه خاص.

تركز الدراسة الحالية على الجوانب الفنية للديوان ومدى تلاحمها العضوي في النسيج العام ومقدرتها على حمل عبء الرسالة. كما تنطلق من فراغ شبه كامل ومتعمد في تركيزها على النص دون الشاعرة وما حولها، وتأخذ شكل مغامرة استكشافية حرة متشبثة ببراءتها من أية مواقف مسبقة تجده إنتاج الشاعرة والتاريخ السلالي للديوان الذي يأتي ولادة ثامنة بعد سبعة من الدواوين أعلنت عنها الشاعرة على الغلاف الخلفي للطبعة الأول 1996.

وتفاديا لاحتمالات الفوضى التي تنجم عادة عن القراءة المفتوحة نحاول تطبيق نهج اكتشافي استنطاقي ينطلق من طبيعة النص ولا يلتزم بمقولاته، ولا ينأى بنفسه عن مسحة تذوق حيثما لاحت فرصة أو اقتضت ضرورة ومن خلال تكاملية مرنة.

إطلالة على السطوح البرانية

تضم مجموعة «نجمة في الذاكرة» ثمانية وستين نصا معظمها من النفس القصير وتتراوح عادة من صفحة ونصف الى ثلاث صفحات ونادرا ما تقصر عن الحد الأدنى أو تطول عن الحد الأعلى.

أ- وهذا يعني أن الديوان سلسلة من الدفقات الشعورية والتوترات الروحية والالتقاطات التأملية وسرعان ما يكتشف القاريء أن هذه السلسلة غير مترابطة بالضرورة ولكن القراءة الثانية تكشف عن وجود خط عام ينتظم البنية التحتية، ودافع موحد يحرك ويحرض، وربما يوجه وهو أقرب الى أن يكون ظمأ أو تطلعا الى قبس مقنع يعين على إضاءة إشكالية الوجود الانساني (المشكلة الانطولوجية Ontology) وعلى تلمس بعض معنى ومغزى لمؤشرات مصير هذا الوجود الذي يبدو عرضيا وكيفيا ومنطويا على أسراره الذاتية. وتصحب هذا التطلع صبوة حميمة الى الانعتاق الكامل والاندماج في المطلق واللانهائي والكوني، وهذه هي المسحة العامة التي تسيطر على مناخ الديوان وتكاد تسحب أجنحتها حتى على تلك القصائد القليلة التي خرجت في آخر المجموعة عن الجو العام بارتباطها ملموسيا بمناسبات أو تسميات، والمقصود الملحق الأخير المتضمن بضع قصائد من وحي عمان. وإذا كان من الواجب أن يشير المرء الى أن هذه القصائد المتعلقة بالمناسبات تكاد تشبه خيمة خاصة ملحقة قسرا بصرح البهاء والنضارة فإنه من الحق الاعتراف بأنها بعيدا عن موضوعاتها المباشرة – تظل مختلفة عن كل ما هو مألوف في شعر المناسبات والاخوانيات والوقائع ولا تنأى عن الأجواء والايقاعات والأنفاس التي يتسم بها المسار العام للمجموعة.

ومع ذلك وعلى سبيل الاحتياط نفضل اعتبارها نمير داخلة في الاستنتاجات العامة المتعلقة بمجمل الديوان، وما ذاك انتقاص من قيمتها أو موضوعها ولكنه تدبير تقني ربما يوفر على الدارس كثيرا من الاستثناءات والاستطرادات.

ب – ولا يحتاج القاريء الى الكثير من التمعن للتأكد من الطبيعة المطلقية لتطلعات المجموعة إذ يكفي إلقاء نظرة سريعة على فهرس العناوين ليتبين أن صيغة المصدر هي الغالبة على القائمة. فمن بين 64 عنوانا (باستثناء العناوين الملموسة المتعلقة بعمان) نجد ما يلي:

-30عنوانا (دالا) منفردا بصيغة المصدر مثل اختباء، تسلل، إراقة، ألفة اصطفاء، رجاء، استفاضة الخ..

-10عناوين مؤلفة من أكثر من كلمة ولكنها تحوي صيغة من صيغ المصدر تكون هي الاساس (الدال). مثل غيمة بلا موعد، بين طعنة وأخرى، مواسم لهبوبك، من وحي تشيشينيا، في شرايين الموت.

وبالاضافة الى دلالة صيفها النحوية المصدرية المجردة عن الزمان والمكان يكتسب كل واحد من هذه العناوين (الدوال) دلالة سياقية مشبعة من أجواء القصيدة وتطلعاتها وكلها -دون استثناء – توميء الى المطلق واللامحدود واللانهائي.

ويحسن الا تخدع القاريء الأفعال المضارعة التي تكثر في بعض القصائد ذلك لأنها أفعال تدور في فضاء مبهم، وتكاد لا تتضمن أية حركة ملموسة.

جـ- تأخذ جميع القصائد شكلا مقطعيا أي أنها تقوم على مبدأ وحدة المقطع لا البيت الشعري وتخرج على النظام الهندسي التقليدي باستثناء قصيدة واحدة ذات طبيعة إخوانية هي قصيدة «غيم يلملم المطر» -ص 42، وهي قصيدة موزونة مقفاة وافرادها هنا يدل على أن اختيار الشاعرة للنظام المقطعي كان اختيارا قصديا وليس ناتجا عن عجز.

وتأتي معظم القصائد القصيرة في مقطع أو مقطعين (شموخ ص 94)، أي أنها أشبه بلقطات أو دفقات، أما حين تطول القصائد نسبيا فإنها تقسم الى مقاطع ذات لمر قام متسلسلة أحيانا، وقد تصل الى عشرة مقاطع كما في قصيدة «سطوح » التي تذكر أجواؤها وبعض مفرداتها بقصيدة أربعاء الرماد للشاعر ت.س.إليوت.

وفي جميع الأحوال تكون هناك قافية غير ملتزمة تشبه قوافي السوناتات المتطورة في الشعر الانجليزي أي أن القافية اختيارية بوجه عام.

ولكن يلاحظ وجود حرص مطرد على اصطناع قافية بين كل مقطع واخر وهذا لا يمنع وجود تقفيات اضافية ثنائية أو متناوبة كلما سنحت الفرصة. ويتضح من دراسة نظام هذه القوافي أنها مزاجية وفطرية وغير متعمدة، فاذا جاد بها مجرى القريض فبها ونعمت والا فقد تصلح للمقام أية قافية بديلة بشرط أن تكون مناسبة وغير مجانية للجرس العام. ولا تكلف الشاعرة نفسها مشقة البحث عن قافية منتظمة، والمفهوم السائد هو مفهوم الالتزام النسبي بقافية دون التقيد بتناوب محدد، ففي قصيدة «شموخ» ص 94، نجد مثلا أن قوافي النصف الأول هي: عميقة، رقيقة السحيقة، بيما قوافي القسم الثاني هي: الرتيبة، الخصوبة، الرطوبة، وبين هذه القوافي فراغات مرسلة دون قافية أو بقافية إضافية مثل لا.. لا.. قبل نهاية المقطع.

ومع حديث القافية يأتي حديث الوزن، ويمكن القول أن معظم القصائد موزونة أو شبه موزونة على طريقة التفعيلة الرخوة جدا التي لا تتقيد بأنظمة الترتيب الهندسي للتفاعيل ولا بقواعد الزحافات والعلل والترخصات الأخرى. وأحيانا لا تكاد تبين ملامح التفعيلات سواء بسبب التصرف الشديد أو بسبب الوصلات التعسفية بين سطر شعري وآخر، وتدخل في ذلك الترخصات النحوية أيضا. (المثال واضح في «شموخ » و«أطياف » ص 94، 100. وأحيانا حين تطول القصيدة نجد تخليا كاملا حتى عن التفعيلة المرنة، ولكن نطل نلمح ما يمكن ان يكون ظلالا أو أصداء للتفعيلة المفترضة كما في قصيدة «سطوح» ص 106- 110. وهنا تصل القصيدة الى مناخ الشعر الحر free verse بمفهومه الأوروبي، وهو الخالي من أي ضبط وزني، والذي يقابل (قصيدة النثر). إن قصيدة «سطوح » في شكلها ومضمونها تذكر بمناخ الشعر الحر، وربما بقصيدة «أربعاء الرماد» المشهورة. وقيما يلي المقطع الأول منها:
سطوح

-1-

لا شيء سوى الرماد

يغذ السير الى نوافذ مواربة

يختبيء بين المقابض الحديدية،

في شقوق محفظة،

وجوف قناني عطر فارغة.

الرماد المتصاعد من كوة حريرية

نسجتها آلاف الفراشات

وانزوت هاربة

الرماد الذي ينتشر بألوان همجية

سأحضر اليوم بعض الصناديق

وأعبيء ما شئت

ربما أنتفع به في ليلة باردة

ص 106

والملاحظ في النص وجود:

1- ملامح لتفعيلات غير متشكلة.

2- حرية حركة التفعيلات دون أي ضابط.

3- النفس المقطعي الكامل -وحدة المقطع.

4- الحرص الموسيقي من خلال أية فرصة تلوح لقافية طبيعية غير مسقطة من قواعد ملتزمة:

مثلا: الحديدية، حريرية، همجية: المستوى الأول

مواربة، فارغة، هاربة، باردة: المستوى الثاني

5- الحرص الموسيقي من خلال تكرار الكلمة المفتاحية: الرماد، وكذلك من تناسق الكلمات والحروف.وكل شيء يبدو خاضعا للفرصة الطبيعية السانحة، ومرهونا بقيمته الدلالية.

وبوجه عام يبدو الحس الموسيقي ناميا في القصائد، وتشعر الأذن بشيء من التجاوب بين حرارة المواقف الشعرية وقوة الموسيقى وهناك إيقاع خارجي مرن متساوق مع ايقاع داخلي متفاوت.

ويصعب الحديث عن هذه المسائل بدقة وأصعب منه التعميم لأن الأمر يحتاج الى رصد واحصاء وتدقيق مما لا يتفق مع مجال الدراسة الحالية.

الدائرة الوسطى: النسيج

يتلاحم الشكل والمضمون في قصائد «نجمة في الذاكرة » تلاحما متينا من شأنه أن يكون مثالا تطبيقيا مناسبا لتأكيدات النقد الحديث بعدم امكان الفصل بين الشكل والمضمون أو تأكيدات النقد العربي القديم بأن اللفظ جسم وروحه المعنى، وفي معظم القصائد يصعب القول أن الشاعرة (عبرت) عن فكرة كذا أو عاطفة كذا بطريقة متأنقة أو متألقة أو مسهبة أو موجزة أو غير ذلك مما هو مألوف في المصطلح التقليدي. ولا شك أن لموهبتها التخييلية الثرة يدا كبرى في إخراج هذا الكل الشعري المتماسك.

وأكثر ما ورد في الديوان من قصائد يمكن أن يندرج تحت عنوان التعبير بالصور. فالديوان سلسلة من التصاوير والتخييلات المدهشة المفاجئة المثيرة، وكثير منها جديد مبتكر طازج، أو مطور مقطوع عن سياقه السابق ومجهز بطاقة دلالية جديدة وانها في ذلك تقترب من طريقة الشاعر الساحر محمود درويش في قفزاته التخييلية ومصادماته لمألوفيات التعبير باللغة العربية.

وعلى الرغم من أن الفضاء الشعري الذي تدور تحت قبته التجربة هو فضاء فسيح جدا يكاد يقرب من الكونية على رحبها لأنه لا يوفر بحرا ولا برا ولا سماء ولا فلكا ولا أفقا إلا إرتاده والتف حوله، فإنه يلاحظ بوضوح غلبة الصور البحرية على جو الديران وهذه ميزة للشاعرة لاتنكر خصوصا إذا تذكرنا أن جسم الشعر العربي بوجه عام هو جسم بري لا بحري، وأن الالتفاتات نحو البحر ظلت حتى يومنا هذا محدودة وان كانت زادت زيادة ملحوظة في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

إن البحر مائل دائما في أفق تجربة الشاعرة، وهو – كما هو متوقع. مشخص دائما ومجسم، وحامل في جوفه اللامتناهي ليسر ملايين الأسماك وآلاف أطياف اللون وغرائب الحركات والأشكال، ولكنه أيضا مختبر التجربة الكونية ومستودع أسرار الوجود الغامض وملتقى الحياة والموت:

كان البحر يردد أغنية الموت

والقبلة الاخيرة ترقص على كفية عارية

                                        (سطوح ص 107،108)

وعلى الرغم من كل تلك الرهبة التي نحملها أغنية الموت على شفاه البحر الممتد فإن روح الشاعرة لا تهاب ولا تنكمش وإنما تقدم وتقدم ليندمج سرها نهائيا في جوف البحر الذي ليس له قعر.

 

سبحت في آلاف الوشوشات

حتى وصلت الى شواطيء ذاتي

وغرقت.                       (سطوح 108)

واذا كانت كل صورة يمكن أن تذكر بقرينتها فلماذا لا تذكر الصورة أيضا بنظيرتها على العدوة الأخرى من الكون؟ في البحر غرقت زكية مال الله وان يكن بحر الذات، ومقابلها في البر والتراب والأرض تمنى أبو العلاء المعري قبل ألف سنة أو يزيد أن يكون قطعة قماش مختلطة بالأرض:

 

جسدي خرقة تخاط الى الارض

                                فيا خائط العالم خطني

أليست روح الشاعر هي روح الكون من بر أو بحر أو سماء أو أفق؟

ولكن زكية تؤثر النهاية البحرية على سواها دائما.

وها هي تنهي قصيدتها (اغتيال) بقفلة بحرية وجودية ليست من باب المأساة ولا الملهاة:

 

ملهاة أو مأساة

لا فرق

سيأكل تنين البحر الأسماك جميعا   (اغتيال ص 147)

ولكن البحر عندها ليس مجرد فناء وغرق. إنه أيضا عودة، ربما هو مغامرة بوليسية يتبعها انبثاق، وربما وربما.. ولكن لماذا نتعب أنفسنا بالتخمينات ؟ لماذا لا نتابع كل تلك المفردات البحرية المدهشة المسقطة على تجربة الوجود الذاتي بما يشبه المزيج الكيميائي ونطلق لخيالنا عنان التأمل. هذه قصيدة:
عــودة

أجتاز البحر وأبصر

حشدا من "الفلامنجو" يعبر

أبواق، عبارات

وأنا صارية تتعلق في سرة موجة.

وجهك

كان المكفي بقاع اللؤلؤة

والمبعوث الى أجساد تتخلق في أرحام الجنيات

تلتهم الحوريات المذعورة

وتشع بعينيك منافذ.

أطرقك

أدق برأسي العتبات

أتحور لمفاتيح وأقفال

لا تنصب، لا تتشيأ كالمخلوقات

**

من قاعك

استخرجت الأزمنة الغرقى

وطفوت على ساحلك الفيروز

علقت بصدري مرجانك

وحجبتك في أكسير الضوء

استعصيت

وما استبقيت لعابرة تتفيأ أنوارك من صدفات.        (ص 119-120)

هاهنا جو من التكامل الدلالي فائق، لا تصوره الصور المدهشة فحسب ولكن ذلك الحشد من المفردات البحرية المتساوقة التي تخلق ساحة مغناطيسية مائية ان جاز التعبير، ففي قصيدة قصيرة كهذه نجد ثلاث عشرة مفردة أساسية دالة تكاد تشكل معجما بحريا مصفرا.

وما أكثر ما يمكن أن يقال في أسرار هذه الساحة المغناطيسية ولكن يظل خير الكلام ما قل ودل وخضع لمقتضى الحال.

ومع البحر هناك طبعا السماء والأرض /الصحراء. ومن الملاحظ أن انطلاقة الذات الشاعرة في هذا الديران أكبر من ان يتسع لها منزل أو حديقة أو حي أو مدينة، إنها دائما الكون الفسيح بحرا وسماء وأرضا، إنها دائما رؤوس الأمواج وخفقات النجوم ورمال الصحراء. ولا لزوم لأن نتعب أنفسنا بتصيد الأمثلة من هنا وهناك فها هي قصيدة (أطياف)، تكمل المشهد البحري بمشهدي السماء والأرض فيكتمل بذلك الكون، دلاليا وايمائيا وروحيا. ولا مانع من إثبات قصيدة أطياف هنا ايضا، لأنها تكاد تمثل روح الديران كلا وبها نستكمل المشهد التخييلي في هذا القسم من الرحلة مع الديوان، ولكن أيضا اليها سنعود من خلال فقرات أخرى من الرحلة:
أطياف

في سماء الوقت أقمار كثيرة.

نجمة ترصد قبرا

نيزك يحبو على عكازين

فارس يمرق تهواه أميرة.

أعين ظلت بغيم احتوانا (نقترح تحتوينا بالاذن من الشاعرة)

ليلنا الناعس

كم طيفا فقأناه

وتمرأينا لظلينا كلانا.

ناعم رمل الصحارى

حين ترفوه بكفيك

وتذريه بناري.

قطة أزحف في غيظ انتظاري.

أتغطى بحريرك

وبنابي اشتهاء.

قطع الأيام وأحث

النفايات علينا

ليس للأكوام أن تنجو

برمقين على قيد الحياة.            (ص 101، 102)

 

 

 

 

 

 

 

هذه القصيدة.. ما أقصرها حين تقرا قراءة عابر، وما أطولها حين تقرأ قراءة متمعن. وفي المقام الحالي يكفينا تناولها من زاوية التعبير بالصور والأخيلة.

ولنبدأ بالناحية البلاغية الخالصة. وهنا لا مجال لايجاد لفظة واحدة في القصيدة مستعملة فيما وضعت له معجميا. فكل المفردات تكتسب من خلال سياقها الخاص دلالات جديدة مجازية (تنزاح لم بها عن مدلولها الأصلي. وفيها المجاز المرسل والعقلي وفيها ألوان البيان من تشبيه (بليغ دائما) واستعارة سكنية وتصريحية، وفيها من ألوان المحسنات الطباق (الثنائيات الضدية) على مستوى القصيدة كلها. وليس من المفيد أن نعربها بلاغيا أو نجريها، فما أقصر الاعراب عن فك رموز هذه الصور المتداخلة المتشابكة التي يتلاطم فيها بل يتجاذبها قطبان: عالم الذات وأغوارها من جهة وعالم المحسوس والواقع الخارجي من جهة أخرى.

فالقصيدة تحملنا الى فضاءات بعيدة فسيحة تمتد من داخل الذات الشاعرة الى السماء بنجومها وأفلاكها ونيازكها، الى الصحاري ورملها، Ji الحيوان الأليف في داخل الانسان وخارجه (القطة) الى نهاية الليالي والأيام المنتظرة النرفا نية العدمية (أكوام النفايات).

ومن خلال هذه الفضائيات نحسر (لا ندرك ولا نحدد) بأزمة الوقت وأزمة الوجود وأزمة الحياة والموت وأزمة النهاية,  النص نتساءل: ماذا يعنيه الوقت، كما تساءل عشرات الشعراء المحدثين وهل الوقت هو دعاء الحياة تنتهي بانتهاشه، أم هو وعاء انتظار تتحرق النفس الداخلية لتشرف ما قد يسفر عنه ؟ وهل عند النجمة أو النيزك أو الرمل جواب ؟ وكيف يلتصق ضياء النجمة بعتمة القبر، ويسقط النيزك عجوزا متهدما، وكيف يلتف غيم المصير من حول ساحة إبصارنا؟ وكيف يلوح كل دقيقة طيف من أمل فتفقؤه يدانا، ولا يبقى لنا سوى ظل يتأمل نفسه في مرآة ؟ وحتى الرمل الناعم على امتداد الصحراء طولا وعرضا لا يملك سوى حاسة اللمس عند المخلوقات المنطلقة، ولا يقدم شيئا ما لاطفاء نار التطلع والاشتهاء الى المعرفة التي لا يخبو أو اراها في ذات الشاعرة لم ذاتنا.

والنهاية هي أكوام نفايات الأيام التي لا تستطيع أن تسد رمقا أو تغني عن جوع.

كأنما الكون كله ضالع في حوله مأساة المصير الانساني إن هذه القراءة متعمدة من أجل التركيز على العلاقة بين الاستنتا ج (أي الرسالة) والصورة (التي هي الأداة الدالة هنا ربما أكثر من الكلمة).

والسياق، مرة أخرى يمكن أن يتيح لنا أشكالا أخرى من التجوال الفكري- الفني مع النص. إنه يكاد يقول شيئا ولا يقوله مخافة أن تحصر الحقيقة والحياة في قمقم، وربما أيضا لأن كل شيء في هذا الكون قابل لأن يفهما كل مخلوق على طريقته (لكل حقيقته).

هذه الصور الكونية من بحرية وبرية وجوية وفلكية هي التي تسيطر على فضاء الديوان، كما أسلفنا ولكن لا ينبغي أن يقع في خاطرنا أن أشكال الصور الأخرى منتقية. فهناك كما هو متوقع صور مستوحاة من عالم الجسد، وهذا طبيعي عند كل شاعر وشاعرة ولكن عند زكية مال الله هو مطلوب ومتوقع، فهي.ولنسمح بتسرب بعض المعلومات المساعدة خلافا لقوانين النقد الحديث-تعمل في مجال الطب والصحة، ولابد أن تفيد من تجربتها العينية، وانها لتحسن الاستفادة ومقدم صورا مجسمة حية من خلال الأوضاع والمفردات والمصطلحات الطبية. لنقرأ المقطع التالي وهو الثاني من قصيدة "إنابة".

-2-

البارحة

نثرته دمي

لوثت البقع ببقايا من نزيف

كان عالقا بوسادتي

استدعيت الطبيب

ليقص أوردة جديدة في

ويرشحني على جدار شرفتك.         (ص 126، 127).

 

ومع هذا العرض التخييلي لعلاقة الجسد بالروح بل يا للمعاناة النفسية الجسدية psychosomatic نجد تطلعا للوصل بين دوران الكون في العدم ودوران الدم في الجسم، وتتكرر في الديران الاشارة الى الدورة الدموية بايحاءات فلسفية مفتوحة.

يا حاضرة مصرعي

ارتشفي من عدمي

وانبعثي في دورتي الدموية          (ص 117)

وفي كلا الشاهدين يخلط الفكر المجرح بالجسد المجرح بالمصير المجرح، ولكن يبقى التمركز دائما حول الذات المجرحة التي تتلظي في غيظ اشتهائها وتطعها وكم كانت معبرة في هذا المجال النهاية الموحية بل السحبة الهائمة التي ختمت بها قصيدة شروخ، وهي قصيدة تطلع واستشفاف لما وراء الآفاق، وفيها أيضا حسرة الصوفي الذي يصل ولا يصل، ويتحد بالذات المنشورة ولا يتحد: هكذا تنتهي القصيدة بحل قلبي تنبع منه على الأقل خيوط الوهم المنشود:

أزحزح قلبي

تنبع            (نهاية القصيدة ص 150).

وفي نهاية هذا الحديث عن تصاوير الديوان وأخيلته لا مناص من التأكيد ثانية على أن هذا الموكب الحافل من الصور المدهشة والمفاجئة والمتداخلة والمتحدية والغامضة أيضا يظل مفتوحا لشتى اشكال المقاربات الفنية، ومهما قيل فيه وما أكثر ما قد يقال فإن تنوعه وغزارته والتحامه بالنسيج العام هي عوامل يصعب إنكار دورها العضوي في تشكيل المتعة الفكر_فنية التي يحملها الديوان الى القاريء الباعث عن الاثارة.

وحتى هذه اللحظة تناول الحديث الحلقتين البرانية والوسطى، ولكن هناك الحلقة الجوانية (باكية البواكي) التي يطول القول فيها ويعرض ويذهب مذاهب وتأويلات وقد يدخل في مماحكات نقدية لا تسمن لحيرا ولا تفني من جوع. والأفضل أن نضرب عنها صفحا اهتداء بالحكمة العربية السديدة: لكل مقام مقال وأملا في أن يسلم للمتعة توهجها.
 
 
حسام الخطيب (ناقد واستاذ جامعي من فلسطين)   

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …