حاتم علي.. الشاهد على عصرنا

علا الشيخ

لديه تلك الخصوصية التي يعلمها كلّ من يمرّ إلى جانب طاولته، دون أن يفرضها بقصد. في وقت ما من الصباح، في مكان ما، يجلس على طاولة صغيرة، بكرسيٍّ واحد، هي إشارة إلى أنّه لا وقت في تلك اللحظة لآخر يشاركه أيّ نوع من الحديث، يحتسي قهوته بتأنٍّ، يُمسك (الموبايل) يتصفّح بيد وسيجارته بيده الثانية، يعطي مجالًا لمن يحبّه ، وهنا من يحبه يعني من تعلّق يومًا بأعماله، بأن يعبروا طاولته بجملة الصباح عليه، إلى أن يقرر بطريقة دمثة وخفيفة بوضع كرسيٍّ آخر، هنا تدرك أن ثمة فرصة لتجلس أمامه وتتبادل الحديث، لديه تلك الخصوصية التي تشبه كلّ ما قدمه في الدراما العربية، هو يجلس على كرسيّ لوحده في وقت يقرّره، وبعدها يفتح المجال لكراسي جمهور عريض ليشاركه ويتحاور معه فيما كان يفكر.. هنا سنحكي عن حاتم علي.. عن بعض أعماله التي ستظل تعنّ على الذاكرة.
ثمة تفاصيل لا تليق بها صيغة الماضي، لأنّ أثرها يحضر، تلك التفاصيل التي ترتبط بشخصية أثبتت انها قادرة على تجميع الأضداد، تستحق أن تتم روايتها وكأنها ما زالت تتنفس، حتى لو كانت الحقيقة أنّها باتت تحت تراب، هنا تتأمل قليلا في معنى التراب، بخاصة إذا ما ارتبط بحالة تشبه حالة علي الذي اعتاد منذ أكثر من 10 سنوات على ثقافة الرحيل.
كنت يوما قبل رحيله الأخير أتجاذب معه أطراف حديث بتلك الطاولة السابق ذكرها، وكان يحدّثني عن مونتريال، اختصرها بجملة واحدة (حلو الواحد يحسّ حاله إنسان)، ثمة جمل لا تحتاج إلى تأويل، بل تحتاج فقط أن تتلقاها كما هي، تحديدًا اذا ما ارتبطت بالحالة السورية، التي لم تغادره إلى أن استقبلته جسدًا مرفوعًا على أكتاف محبيه ليوارى في ترابها الذي يحب، فبات و كأنّه يؤكد على أن الفعل هو الذي يبقى، ومع عليّ، فصناعة عمل درامي أو فيلم سينمائي هو الذي يحدد موقفه بشكل أو بآخر، فكان الموقف الأكثر وضوحا منذ اندلاع الثورة السورية هو «قلم حومرة».

عمل يُدرّس
هنا الحديث عن عمل يُدرّس؛ لذلك يستحق الإسهاب، فهو لم يعرض حينها في الفضائيات العربية في عام 2014، لكنّه حقّق أعلى نسبة مشاهدة على اليوتيوب، وتفوق كثيرا في ظل الزخم الإنتاجي الكبير حينها للدراما العربية المنتشرة في فضائيات عديدة، لكن الواجب المرتبط بتقديم حكاية تؤكد أن الدراما العربية بخير هذا من جهة، ومن جهة أخرى هي الثقة المطلقة باسم حاتم علي، صاحب التغريبة الفلسطينية والفصول الأربعة تحديدا، فهو من الأسماء التي أعطت قيمة لشكل تتر الأعمال، بحيث يتزين اسمه مخرجًا، في زمن بات الجمهور يتابع من هو بطل العمل بغض النظر عن مخرج العمل..
فعليّ وبالرغم من بدايته ممثلا؛ إلا أنّ أسلوبه في صناعة الأعمال الدرامية هو الذي خلق جمهوره الذي ينتظر جديده دائما.
نعم الدراما العربية بخير، إذا أردت أن تشاهد عملاً متكاملاً كـ «قلم حومرة» الذي يحمل قصة بتوقيع الكاتبة يم مشهدي، ويؤدي دور البطولة فيه مجموعة من الفنانين السوريين، من بينهم سلافة معمار ورامي حنا وعابد فهد وأحمد الأحمد وكاريس بشار، وغيرهم من الوجوه التي يحمل كل واحد منها حكاية ترويها الشخصية الرئيسة في العمل (ورد)، المعتقلة في السجون السورية، تروي حكاياتهم كأنّها تريد أن توصل الأسباب التي كانت نتيجتها ثورة شعب يطالب بكرامته وحريّته، وكل هذه الحكايات مرتبطة بفئة الكتّاب والمثقفين والفنانين، وهم أكثر الفئات التي تسبّبت في شرخٍ كبيرٍ لدى معجبيها في مواقفها المتباينة تجاه الثورة السورية.
طريقة عرض الحكاية، هي بحدّ ذاتها حكاية، فحاتم علي استطاع أن ينقل تجربة إخراجية جديدة حتى على طريقته المختلفة والمميزة دائماً، كأنّه تأثر قليلاً بالأعمال العالمية، لذلك مطلوب منك التدقيق جيداً وأنت تشاهد، لأن الانتقال من غرفة متر في متر في معتقل سوري، للحياة خارج المعتقل، من المفترض أن يكون عادياً، لكن مع حاتم علي أنت لا تنتقل من مشهد إلى مشهد فحسب، بل تنتقل من حوار معين داخل هذا المعتقل إلى حوار مختلف تماماً عن خارجه، قد تتخلل الحوار صور غرافيكية، وخيالات تطرحها (ورد) على نفسها، وتشارك المشاهد فيها، فقد تجدها من العصر الحجري ربّما، أو راقصة شرقية، أو تراها وصلت إلى الوهم بأن تكون في مطعم فاخر داخل زنزانتها.
العمل صعب للغاية، من الناحية الفنيّة وحتى النفسيّة، واستطاعت سلافة معمار، التي قدّمت العديد من الأدوار العالقة في ذهن المشاهد، أن تتفوق أكثر وتبدع أكثر، فهي (ورد) كاتبة مسلسلات، متزوّجة ولديها ابن اسمه بحر، ساخرة طوال الوقت، وصريحة إلى أبعد الحدود، حتى في تقييم نفسها، فهي لم تتخاذل عندما طلبت من صديقها الكاتب (حازم) أن يرفض دعوة للعشاء لمسؤول في المخابرات السورية، دعا عددًا من الكتّاب والفنانين إلى منزله، وتؤكد له أنها لم تتلق الدعوة، فيواجهها أنها على الأقل ترضيهم في نهايات أعمالها، لتؤكد له «نحن في بلد في النهاية نشعر بأننا جميعنا نعمل لمصلحة المخابرات»، هذا الكاتب نفسه، الذي ينظّر طوال الوقت عن الحب والحياة والحريّات، لم يشهد في قضية ابنة صديقته، التي تحلم بأن تكون فنانة، وصادف وجودها في هذا الحفل، وهربت منه بعد أن وجدت أن الثمن سيكون جسدها للمسؤول صاحب دعوة العشاء ذاته، فتم حبسها، لأن زوجة المسؤول علمت بالقصة، واتّهمتها بسرقة مجوهراتها، والشرطة وجدت المجوهرات في منزلها مع أنها لم تسرقها، وقبل هذا كله عندما علمت والدتها بالأمر، قرّرت أن تهرّبها إلى بيروت، لأنّها تدرك ماهيّة الذي حدث، لكن الوقت لم يسعفها.
هذا جانب من حكايات كثيرة ويوميّة، ومثل هذه الحكايات المرتبطة بالظلم وانتهاك الكرامة كثيرة، وهي لا تختلف عن حكاية الشاب الجامعي الذي يؤلف الموسيقى، الذي لا يملك القدرة على العزف حتى في الشارع إلا بموافقة أمنيّة، كي يسترزق، ولا تختلف عن الشخصية الكرديّة في العمل، الذي اعتقل لاحتفاله بعيد النيروز، ولا تختلف عن قصة الشاب الشاذ، الذي رفضته عائلته وحتى صديقه نفسه مؤلف الموسيقى، ولا تختلف عن قصة الأستاذة الجامعيّة في معهد الفنون العانس، التي تتمنى أن يحبها أحد، قصص عادية وربما موجودة في مجتمعات كثيرة، لكنّ التّعبير عنها في بلد هو حسب وصف إحدى الشخصيات في العمل «ملابس مدارسنا بتشبه بعض، ودروسنا بتشبه بعض، حتى الأسماء اللي حكمتنا بتشبه بعض»، لن يكون حينها عادياً.
كل هذه القصص في ناحية، والحوار في المعتقل بين «ورد» ومعتقلة تغيّر اسمها كل مرة، في ناحية أخرى، كل واحدة فيهن تشك في الأخرى أنها مبعوثة من الأمن، لكن ما جمع بينهما هو الحاجة إلى الكلام، لأن «ورد» تؤكد أن الصمت يقتل، والكلام هو الذي يؤكّد أنهما ما زالتا على قيد الحياة، الحوار بينهما هو الحوار القائم حالياً، كلاهما خرجت للمطالبة بالحرية، (ورد) تؤكد أنّها يومها خرجت لشراء «قلم حمرة» رغبة في التغيير، فيما تؤكد زميلتها في المعتقل أنها خرجت لنيل حريتها المرتبطة بنهج إسلامي، لكن الذي يربط بينهما فعلاً شعورهما بالظلم الواحد من نظام واحد، وكل واحدة منهما تخاف من نموذج حلم المسؤول القادم ليحكم بلدها، متفقتان أن التغيير هو الأساس، وأن كل ما يحدث حالياً هو نتاج عدم تغيير الأساس، في إشارة إلى «داعش» وغيرها من الدخلاء على ثورتهم التي بنيت بحلم التغيير المبني على ضرورة انتهاء حكم الأبد، وهذا هو الأساس.
«قلم حمرة» لم يقدم عملاً استثنائياً فحسب، بل قدم خطاباً وإدارة لمخرج يفرق فيه بين الجرأة المطلوبة في المكان والزمان المناسبين، وجرأة الجسد، فأنت من الممكن أن يمر أمامك مشهد لو كان في مكان غير المعتقل لكنت ستتحسّس منه، وتتهم من يؤديه بجرأة جرحت مشاعرك، إضافة إلى أنّه قدّم أدوارًا استثنائية لشخصيات عرفها الجمهور بنمط معين، فعابد فهد يقدم شخصية خاصة جداً، مع أداء لا يشبه الثوب الذي يرتديه المتمثل بضابط أمن في المخابرات، أو بزوج مكلوم بسبب خيانة زوجته، دور يغطي على وفي المقابل تجد أحمد الأحمد، المعروف بأدواره الكوميدية يقدم دور العاشق الولهان من طرف واحد، وهنا معنى إدارة الممثل، التي يُتقنها علي دائما ويفاجئ الجمهور بها أيضا. كل هؤلاء يجتمعون في عمل من المتوقع أن يصل إلى أنّ كل الشخصيات فيه وهميّة، ومبنية في رأس معتقلة سياسيّة صادف أن تكون كاتبة وخيالها خصب، لكنّ الرسالة فيها هي الحكاية.
باختصار «قلم حمرة» ورغم القصص المحزنة فيه، المغلفة بشكل جميل، يجعلك تحزن كلما اقترب وقت نهايته من شدة قدرته على لمس قلبك، مثل هذا المشهد «هون.. وبس هون.. بتشتاق لكلمات بتكون مفكر بحياتك ما رح تشتاق إلها.. بهالمكان ما بتضطر تستخدمها فبتشتاق لكلمة أنا آسف.. بتشتاق لتعتذر من حدا.. هون.. كيف وليش بدك تعتذر وأنت ما عم تعمل أي شي.. ولا شي.. لهيك بيجوز بتحب تستخدمها.. لانو هي من الكلمات القليلة يلي بتأكدلك أنك عايش وعمّ تشتغل بأي شي.. حتى لو بحالك.. عم تعمل شي صح غلط ما كتير مهم، هون بتفكر انو المهم تكون عم تشتغل وحتى النتيجة بتبطل مهمة».

البطولة الجماعية
من ناحية أخرى ..التسلسل في تواريخ إنتاج الأعمال الدرامية لا يتلاءم إذا كان حاتم علي هو العنوان؛ لأنه في كل عمل قدمه ثمة حالة تريد استعادتها بطريقة أو بأخرى تتناسب وظرفًا آنيًّا؛ فمسلسل العرّاب بجزئيه (نادي الشرق و تحت الحزام)، من المُمكن أن لا يكون أفضل أعمال علي؛ لكنّه ارتبط بقدرة علي على جمع من فرّقتهم السياسة تحت مظلة إدارته ، هذا التجمّع الذي أتقنه علي في تصدير فكرة البطولة الجماعية، كان سابقا بظروف بعيدة عن الحرب التي وضحت معالمها جليًّا في مسلسل (الفصول الأربعة) وهو من الأعمال التي ما زال جمهورٌ عريضٌ من الوطن العربي يتذكّر تفاصيلها، ويعيد مشاهدتها؛ فالعمل الذي يجتمع عليه كل من شاهده، لأنّه لامس جزءًا أصيلا من تفاصيل حياته، وداعب ذكرى عالقة في مطرحٍ ما في عقله، وهذه النوعية من الأعمال هي التي تسكن الذاكرة ولا تفارقها، وهنا تحديدًا من الفصول الأربعة، تُدركُ تقاطعَ الحكايات التي لا عنوانَ لها، لأنّ شدّة القرب فيها هو الجامع، وبحنكة مخرج شاب؛ استطاعَ علي أن يُعطيَ درسًا بمعنى إدارة الممثّل وإدارة الأمكنة والضوء، واستطاع أكثر أنْ يدخل تلك التفاصيل في يومياتنا، ننتظر بشوقٍ كبيرٍ موعدَ الحلقة التّالية، فكم كريمٍ في الوَطن العربيّ، الذي أدّى دوره الراحل خالد تاجا الذي أطلق على بناته أسماء لممثلاتٍ من الزّمن الجميل، وكم جميلة تعرف، والتي أدت دورها هالة شوكت تلك المرأة المعتزة بعزوبيتها علنا ومغتاظة سرًّا، وهي التي تدّعي أن جمالها سلب عقل محمد عبد الوهاب، ومن لم يتعرف بطريقة ما على نادية التي أدت دورها يارا صبري، من ليس بحياته أصهار مثل عادل الذي أدّى دوره جمال سليمان، مالك بيك الذي أدّى دوره سليم صبري، ونجيب الذي أدى دوره بسّام كوسا، وبرهوم الذي أدّى دوره أندريه سكاف الشاعر المثقف الفقير الحال، وزوجاتهم اللواتي يعشن ظروفًا ماديّة غير متقاربة أبدا، مثل فاتن زوجة مالك الغنيّة والمرفهة التي أدت دورها سلمى المصري، وشقيقتها ماجدة زوجة نجيب المتواضع الحال التي أدّت دورها مها المصري، وزوجة برهوم شادية التي أدّت دورها ليلى جبر، ناهيك عن الأحفاد، كل شخصية في العمل تشبه شخصيّة مرّت بحياتك؛ لذلك استطاع أن يجمع العائلة الواحدة معًا أثناء لحظة بثّ الحلقات عام 1999 في الجزء الأول وعام 2002 في الجزء الثاني.

الألفية الجديدة والتوسّع عربيًّا
بداية الدخول إلى الألفية الثالثة، تزامنت مع خطواتِ حاتم علي تجاه تأكيد بصمته الخاصّة في طريقة صناعة الأعمال الدراميّة، وبدأ اسمه يُنتظر، بما سيقدّمه لاحقًا، وكان للأعمال التاريخيّة نصيبها في ذلك الوقت، فحضر (الزير سالم وفرح بسيسو) بطولة سلوم حداد، الذي أدركَ من خلاله المشاهد، أنّ الدّراما التاريخية تصنع بطريقة مختلفة أيضا إذا كانت برؤية حاتم علي، بحيث وصل إلى مرحلة أن يعرفه الجمهور بالطريقة التي يصنعها حتى لو لم يتم الانتباه إلى شارة الأسماء سابقا، وهذه ميزة ما قدمه علي، بحيث إذا ما شاهد الجمهور عملًا ما يميز إذا كان له أم لغيره، ثمة روح يبثها تشبهه، تلك الروح هي ذاتها التي تشعرك بأن كلّ شخص تعلق بعمل لعلي، وكأنه بات صديقه ويعرفه، نعم هذه حقيقة، نادرا ما تجد أعمالًا تشبه أصحابها بالواقع، لكن بحالة علي ابن الجولان المحتل، دائما ثمة شيء يشبهه تجده في طريقة صنعه للعمل؛ لذلك هو قريب بهذا القدر، ولأجل هذا بكاه ملايين من العرب.
فدخول علي في طريق صناعة الدراما التاريخية، عمليا كان بوابته للتوسع عربيا حتى من ناحية الإنتاج، واستقبال كبرى المحطات العربية لاحتضان تلك الإنتاجات، مثل (صلاح الدين الأيوبي، صقر قريش، ربيع قرطبة) تلك الإنتاجات التي كانت بين عام 2000 إلى عام 2003، لأنّ علي بعد ذلك دخل مرحلة جديدة في تطور أدواته وطريقة تعاطيه في صناعة الحكايات، وهو ما تجسد في التغريبة الفلسطينية عام 2004، بحيث أصبح وكأنّه مرحلة فارقة، وجملة تتكرر دائما (حاتم قبل التغريبة الفلسطينية كان وبعد التغريبة الفلسطينية أصبح).
وقبل التوسّع قليلا بالحديث عن خصوصية هذا العمل، من الواجب المرور بالأعمال التي صنعها علي بين عام 2004 إلى عام 2010، والتي شهدت تنوعّا في الفئات بين تاريخيّة واجتماعية وتوثيقيّة، ولاقت إقبالًا جماهيريًّا، لأنّها انتقلت من المحليّة السوريّة إلى العربيّة؛ وكان أبرزها إلى جانب التغريبة الفلسطينية، أحلام كبيرة، عصيّ الدمع، ملوك الطوائف، على طول الأيام، ندى الأيام، الملك فاروق، وصراع على الرمال الذي بنيت أحداثه على شعر سمو الشيخ محمد بن راشد.
ومع تلك الأعمال ثمّة نقلة نوعية ومكانية كانت بانتظار حاتم علي، تحديدا بعد مسلسل ملوك الطوائف الذي حاول فيه علي، استعراض إمكاناته في توظيف المؤثرات البصرية، وقدرته على إدارتها، فالعمل الذي يحكي حسب التعريف الرسمي له «مرحلة بعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس، ونشوء الدويلات الصغيرة المتناحرة في : قرطبة، وغرناطة، إشبيلية، بلنسية، كما يحكي عن ظهور ونشأة المرابطين في المغرب، وسيطرتهم في النهاية على دويلات ملوك الطوائف صيانة لها من الوقوع في يد قشتالة التي تحالف معها الكثيرون من ملوك الطوائف. ويبدأ بانتهاء الخلافة الأموية، وظهور حكم الجماعة، منتهياً بخروج المعتمد بن عباد منفياً إلى أغمات مع أسرته»
إضافة إلى قصة العمل المثيرة، لكن ثمة إثارة من نوع آخر اعتمدها علي، وهي طريق تناول مشهدية العمل وصناعته، واللون المعتمد في الأزياء وشكل الشخصيات ومكياجها، ناهيك عن العبارات الخالدة فيه التي تدغدغ مشاعر المتلقي العربي، فقد نقل طريق تناول الحكاية التاريخيّة إلى منحى مختلف، الصدقيّة والحرفيّة فيه كانت درسًا جديدًا، والنهاية التي اعتمدها بحيث وجد المتلقي نفسه فجأة في الألفية الجديدة مع ضريح المعتمد بن عباد وزوجته اعتماد الرميكية في أغمات على أطراف مراكش.
هذا العمل تحديدا والذي تم تصويره في المغرب وسوريا، بنى جسرا من الثقة بينه وبين المنتجين العرب، فكان الانتقال إلى مصر لصناعة مسلسل الملك فاروق في عام 2007 وهو من إنتاج MBC، ومشاركة أسماء كبيرة عربية، مثل تيم حسن، عزت أبو عوف، وفاء عامر وغيرهم، ليدخل مرحلة جديدة جعلته المخرج العربي السوري حاتم علي؛ لأنّه بات مطلوبًا عربيًّا وهي المرحلة التي لازمته حتى وفاته.

بعد الوجع السوري
منذ لحظة اندلاع الثورة في سوريا، ثمّة صمتٌ خيّم على حاتم علي، تتخيله يجلس أمام شاشة التلفاز، يحاول فهم ما يحدث، هل هو حقيقة أم خيال، هو يدرك معنى السوري إذا أراد أن ينتفض، عمليّا تحدث عنه كثيرا في أعماله بطريقة غير مباشرة، من الممكن أنه تجاوز فكرة الإعلان بشكل واضح عن تأييده أو معارضته لتلك الثورة؛ لكن ما فعله لاحقا يؤكد ما يشعر به تجاه كل ما حدث، ومن جلس معه على طاولة واحدة يعرف تماما ما كان يحلم به، تعابير وجهه تكشفه، حتى بحضرة ابتسامته التي لا تفارق وجهه، فتزامن ذلك العام بعمل الغفران الذي كان جاهزا قبل الثورة، وبعدها قدم مسلسل عمر، عام 2012 ، ومع أن الموضوع لا علاقة له بما يحدث ببلده سوريا مما شكل صدمة لمتابعيه؛ إلا أنك لو نظرت بشكل أوسع ستتأكد أن قبوله صناعة مسلسل عمر يصبّ بشكل مباشر على الحالة التي يريد إظهارها، وخاصة الصفات التي تمتع بها الخليفة عمر بن الخطاب، والتي تعنون دائما بصفة الفاروق، ومعنى القائد الذي يجب أن يكون عادلا، وقد حقق هذا العمل نسبة مشاهدة عالية عززت من مكانة حاتم علي بشكل أكبر.
وفي عام 2013 أخرج حاتم علي المسلسل المصري تحت الأرض، بطولة أمير كرارة، ولم يلق هذا العمل انتشارا، في حضرة ابتعاد علي عن الحديث دراميًّا على الأقل بخصوص ما يحدث في سوريا.
والحقيقة أنه لم يبتعد أبدًا، بل اقترب إلى درجة جعلته يخرج مسلسل «قلم حومرة» عام 2014 الذي لم تشتره أية محطة عربية، وتم عرضه عبر اليوتيوب، وحقّق نسبة مشاهدة كانت الأعلى، وتعدّت مشاهداته أعمالا عربية تعرض على الشاشات الفضائية. هنا وقف علي وقرّر أن يحكي سوريا بطريقته، ليقدم بعدها مسلسل العرّاب بجزئين عام 2015 و2016، ويغرد في عام 2017 للعمل الدرامي التاريخي مع مسلسل أوركيديا الذي يتحدث عن عتبة بن الأكثم.

مع مصر
قبل الاستقرار النهائي له في مونتريال في كندا، عاش حاتم علي سنوات عديدة في مصر، وكان يحضر دائمًا في المهرجانات السينمائية، ليس بصفته الفنيّة فحسب، بل كمُشاهد للأعمال السينمائية العربية، فتجده يقف في الطابور ينتظر دوره للحصول على تذكرة، كان يقول بتلك الوقفة أن من حق صانع الفيلم أن يقف جمهوره في طابور التذاكر، لم يكن ينتظر أن تصل التذكرة إليه، ، فقد كان يحرص على دعم السينما العربية، يناقش صناعها، ويبدي إعجابه حينا أو صمته إذا لم يعجبه العمل، يحضر بخلق رفيع، وبتجربة يحملها بين طيات سنين عمره، يخجل من الاحتفاء به ويكتفي بابتسامة من الود.
آخر أعمال حاتم علي الدرامية كانت في مصر مع (كأنه مبارح) و(أهو ده اللي صار)، وكان يتجهّز داعما ابنه ليصنع فيلمه الروائي الطويل الأول.

«كتر خيرك»
صوت المرأة التي لم يعرفها أحد وهي تصدح في جنازة حاتم علي وتقول «كتر خيرك» وتزامنت مع موسيقى التغريبة الفلسطينية التي كانت وقت الوداع الأخير له ليست جملة عابرة، بل هي الجملة الأكثر والأدق تعبيرًا لكل من عرف حاتم علي من خلال أعماله، أو كان له الحظ ليعرفه بشكل شخصيّ؛ لذلك تستحق التغريبة الفلسطينية أن تكون هي المرافقة له وهو يرحل إلى مثواه الأخير، وتستحق أن يتمّ الحديث عنها على لسانه «أنا لست فقط أحد أبناء “الجولان” المحتلّ الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع تجربة شخصيّات المسلسل «التغريبة الفلسطينية» ولكنّني أيضاً عشت طفولتي وشبابي في مخيّم اليرموك، وكنت في عام 1967 بعمر «صالح» الذي كان يحمله خاله “مسعود” وكنت أيضاً محمولاً بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي، بشكل أو بآخر استطعت أن أستحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحياناً والمشوشة في أحيان كثيرة والملتبسة في بعض الأحيان وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفاً إياها في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه، وكثيراً ما سُئلت نفس السؤال وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملاً عن هذه القضية، وأنا شخصياً كنت أقول إن القضيّة الفلسطينية هي قضيتنا جميعاً كعرب».
ولأن هذا العمل تحوّل إلى حالةٍ توثيقيّة من الصعب إلغاؤها، وأهميته تكمن أنه بات مرجعًا أساسيًّا للحديث عن النكبة الفلسطينية، وتعتمده عائلات وحتى مناهج مدرسية لتعريف أبنائهم وطلابهم كوثيقة لتسهيل الحديث عن تلك الحقبة، هنا المعنى الحقيقي لجملة (كتر خيرك)، وهو ما ترجمته وزارة الثقافة الفلسطينية مؤخرًا بأن أطلقت اسم حاتم علي على إحدى شوارع مدينة طول كرم.

وداعا حاتم علي
كنا نبحث عن أنفسنا بالشخصيات التي تتحرك أمامنا عبر الأعمال التي يديرها كمخرج، كان يعي أن الفن رسالة، والرسالة إذا كانت عربيّة فهي مليئة بالهموم، وكان ذكيّا في خياراته، وذكيًّا في رفضه لأعمال عديدة. الدراما العربية فعلًا خسرت أهمّ مخرجيها، خسرت من جعل من ألبوم صورنا وتفاصيل حياتنا وشوارعنا حكايات نراها على الشاشة الصغيرة.
حاتم علي لا يليق بك أن نبدأ حديثنا عنك بكان؛ لكنّها الحقيقة، التي يخفف وجعها أنك على الأقل عدت إلى سوريا مرفوع الهامة.

شاهد أيضاً

رفعت سلام: ليس هناك أفق وحيد للتجديد الإبداعي

حاوره : ياسر الششتاوي الشاعر رفعت سلام تنتسب تجربته الشعرية المتميزة إلى جيل السبعينات، هذا …