أخبار عاجلة

حوار نادر بين آلان بوسكيه ويشار كمال الدب التركي بأربعين أغنية

آلان

بوسكيه

شاعر, ومترجم, ومنظر أدبي, ورسام فرنسي, وراصد لتحولات النص عبر الجغرافيات اللغوية والبشرية.. عاش في خضم ملحمة نصوص منتصف القرن الأدبية.. أحب سان جون بيرس, وكان من أوائل من قرأه وكتب عنه.. سان جون بيرس المنسي في حينه »الذي يسمونه الغامض والذي كان يسكن البرق«.. وفي سياق هذا الكشف عن الروح الأدبي العالمي- الأونيفرسالي التقى بوسكيه الروائي التركي يشار كمال.

 ترجمة: خالد النجار

* كيف تحدد نفسك?

– أنا مثل الدب في موروثنا الشعبي التركي, كان هذا الدب يعرف أربعين أغنية, وكل أغنية تتعلق بتفاحة, وأنا لا أعرف إلا أغنية واحدة أغنية تتعلق بالطبيعة أو قل بقتل الطبيعة: إنها أغنية الانسان وإطاره المشهدي.

* ومن أين جئت?

– من تشوكور أوفا في منطقة ميليسا القديمة على منحدر الطوروس, كان ابي وأمي يتكلمان الكردية, أما أنا فقد تعلمت التركية, وقريتي نفسها تسمى جوكسيلي, وتتكلم اللغة التركمانية.

كان أبي فلاحا, وقد قتل أمامي في احد الجوامع عندما كان عمري اربع سنوات, لقد أفقدتني هذه الصدمة الكلام لسنوات بعد تلك الحادثة.

* والطبيعة?

– في قريتي حجارة ضخمة وتوجد خارجها سهول ممتدة لا تنتهي, وهي على حسب التقريب مكان ولادة ديسقوريون اكبر علماء النبات في العصور القديمة, وماتزال هذه القرية أيضا تحمل ذكرى عالم كبير آخر هو لقمان الحكيم أحد أطباء العصر الوسيط الذي كانت تكلمه النباتات فتقول له انا اشفي هذا أو ذلك من الأمراض, وهكذا ساءل لقمان كل النباتات الأمر الذي ساعده على شفاء كل الأمراض.

وقد أراد أن يمضي أبعد من ذلك, أن يجد بلسما للموت, فظل يسأل عبثا الأزهار ونباتات الدغل واحدة, واحدة. وفي احدى المرات كان نائما تحت شجرة وهو في أرذل العمر شيخا هرما بائسا; وإذا به يفيق من سباته على نبتة تقول له أنا أشفي من الموت, قطع لقمان الحكيم هذه النبتة وأسرع بها في اتجاه القرية لينشر خبرها العجيب. ولما كان على أحد الجسور مر طائر وأخذ منه العشبة بمنقاره.

بقصص من هذا النوع تغذيت وفي سنوات 1928- 1930 كان الشعراء الشعبيون التركمان ينزلون القرية ويظلون بها ثلاثة أيام بلياليها ينشدون ملاحمهم التي تتشابه مع القصص التي ذكرت وباتصالي بهم تعلمت كتابة أشعاري وإلقاءها.

* والحضارة العصرية بهذه القرية?

– هناك ستون منزلا ومخزنا للكبريت, ولكن هذا الشعب المنتجع استعمل الجرارات منذ زمن ليس بالقصير.. وقد اشتغلت بقيادتها وكانت أول الاعمال التي امتهنتها.. قريتي تتعاطى حياة نقية, حياة نموذجية اتمنى أن اعيشها اليوم.

* ما هو جانب الابداع والتخييل في أعمالك?

– كل وجودي مشكل من الخيالي والواقعي, وأنا أحاول أن أكون خلاصتهما.

) هل لفلاحي قريتك وجود في أعمالك?

– نعم, ولكن في صياغة أخرى, فروايتي محمد النحيل قرئت من طرف 450 ألف شخص وهو دليل على التعاطف.

بعد صدور ثلاثيتي: العمود وأرض الحديد سماء النحاس, والعشبة التي لا تموت عدت الى قريتي والتقيت بطبيب بيطري يبلغ من العمر تسعين عاما, كنت عرفته في شبابي وقد قال لي في هذا اللقاء: أنا أعيش الآن في الجبل. وقد جعل مني هؤلاء الفلاحون الذين لا يحتملون نبيا سبع مرات, وأزالوا عني النبوة سبع مرات, وهذه إشارة الى رأس بولس, وهو أحد شخصياتي الروائية الذي يرد بكثرة في كتبي, وفي الحقيقة يولد بطلي من حادثة عادية مرت بي, ولكن بطريقة يؤثر فيها الواقعي على الخيالي والخيالي على الواقعي.

* هل تذكر بعض الحوادث?

– الحوادث القديمة هي التالية: بين سنتي 30 و1933 عرفنا جفافا لم نره من قبل وكان علينا ان نقنع بالبراعم غذاء لنا. كما كان في قريتنا احد الرعاة فيه شيء من البلاهة كان يقال انه عندما يغيب عنا فإنه يذهب الى مكة ويعود في مساء اليوم نفسه, وهكذا اعتقدوا فيه الولاية, فكانوا يقبلون يديه ودام هذا الاجلال سنة ونصف السنة, بعدها ظهر دراويش آخرون, وفي أحد الأيام نزلت أمطار غزيرة أعادت للمنطقة خصبها وبدأ الأطفال يهزأون بالراعي الذي أحس بتخلي الناس عنه فرمى نفسه في النهر, وبعد أيام شاهدت جثته.

– بعد هذه الأحداث بقليل غادرت القرية, وقد ولدت ثلاثيتي من هذه الأحداث, او على الأقل نستطيع أن نقول إن هذه الأحداث كانت نبعها ومفتاحها.

* هل إن لغتك تقليدية?

– لقد طعمت اللغة الشعبية بلغة حديثة, وكان تحديثي على مستوى البنية والتركيب, أكثر مما كان على مستوى اللفظة والعبارة.

* من أي الكتاب تحس بالتقارب?

– لو كان هوميروس حيا لكتب مثل وليم فولكنر.. أنا أعود باستمرار الى ناظم حكمت وأعيد قراءة استندال قبل الشروع في كتابة كل كتاب جديد, التقيت مرة برجل موسوعي أهداني حقيبة مليئة بالكتب وكانت عبارة عن نسخ متعددة لكتاب الدون كيخوتي.

* وعن حرية الكاتب عندكم?

– هذه الحرية تمر بحالات ضغط وبحالات انفراج; ففي سنة 1955 حجزوا بعض الأعداد من الصحيفة التي كانت تنشر رواية محمد النحيل مسلسلة بحجة التطرف اليساري, وفي سنة 1961 عرفنا حرية تامة, وبين سنتي 71 و73 عاد قلم الرقابة الى نشاطه, واليوم عدنا إلى ممارسة الحرية.. صحيح هناك قانون مجحف متمثل في الفصلين 141 و142 من قانون المطبوعات التركي, ولكنه متروك.

* أي الكتاب الأتراك يستحقون الترجمة الى الفرنسية?

– هناك مثالان وان كان هناك كتاب عديدون أذكر منهم أورهان كمال الذي كتب عن الاغتراب وأساليب الإفلات منه. وهناك فقير بايكوت الذي كتب الرواية الشهيرة المنحرفون وهي تتحدث عن نضال الفلاحين ضد البيروقراطية.

* لنحاول تحديد نظرتك للطبيعة التي تبدو حداثية; هل ترى أنه من الاجرام إزالة غابة لبناء سد?

– كان في منطقتنا ايام طفولتي ستة أو سبعة عشر غديرا. كانت هناك طيور وحشرات, زرافات وظباء, وأدغال قديمة. وحوالي عام 0591 تبدل كل شيء, أنا لست من المعادين للتحول. ولكنني أناضل ضد الهدم, لقد اختفت الغابات والمصانع التي حلت محلها لا تفيد كثيرا. إن الطبيعة جزء من دم الإنسان, إذ الإنسان ليس شيئا مجردا, لقد عاش دائما في الطبيعة وذلك قبل ظهور تقليعة حماة البيئة والايكولوجيا. لقد نشرت في سنة 1953 سلسلة من التحقيقات حول اختفاء الغابات في آسيا الصغرى. وفي نفس الفترة نشرت مسلسلا حول انقراض الدلفين بعنوان البحر الذي يغضب.

الإجرام الكبير ليس التكنولوجيا في حد ذاتها, وانما التكنولوجيا المتوحشة, سجينة الربح المادي والتنظيم الخاطئ, نحن نريد تكنولوجيا في خدمة الانسان تستطيع الإفادة من الطبيعة اذ تخلق وفي مستوى أعلى تناغما, وتكاملا بين الانسان والطبيعة, هذا اختيار, وعلى السياسيين القيام به وهو يتطلب نضالا يوميا كبيرا ومستمرا.
 
خالد النجار شاعر ومترجم من تونس

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …