سبع قصص كيبيكية كندية

تقديم وترجمة: ادريسية بلفقيه *
ll لا نعلمُ إلاّ القليل عن بلد اسمه كندا، الجار الشمالي للولايات المتحدة الأمريكية، ولا نعلم أيضا إلاّ النزر القليل عن مقاطعة كيبيك، وعن رموز الفكر والأدب والقصة فيها.
نحاول، هنا، إماطة اللِّثام عن وجوه قاصّات كيبيكيات متميّزات،غير معروفات للقارئ العربي، تركن بصمات واضحة في سجلّ السرد القصصي الفرنكفوني المعاصر؛ نحاول أن نتعرّف على نظرتهن إلى الحياة وما يدور فيها، ورَصْدِهِنّ للعلاقات الإنسانية المختلفة في مجتمعهن المتعدد الثقافات والمجموعات العرقية ..
l ليزا كاردوتشي
ولدت ليزا كاردوتشي بمونريال(كندا) عام1943. شاعرة وروائية وقاصة ومهتمّة بالشأن الثقافي والسياسي الصيني. عملت مدرسة، نالت العديد من الجوائز.من أعمالها: “حُفِظَتِ القضيَة” (قصص،1992) و”بالحبر الصيني” (قصص،1994).
كالمعتاد
كانا قد افترقا مند ستة أشهر،كان يأتي مرّة واحدة تقريبا في الأسبوع. أصبح الأمر طقسًا خاصا بالنسبة لي أنا التي اقطن في المنزل
الأسفل بالضبط .
أوّلاً،يُقْرَع الباب،ثلاث مرّات؛هي لا تجيب. يَقْرَعُه مرّة أخرى،بصوت أعلى قليلا.يَقْرَعُه بقبضتيه.إنّه يَعْلَمُ أنها لن تجيبه، لكِنَّ الطقس يريد ذلك، من بعد يتوقف للحظة، يستنشق الهواء،يقوم بخطوات على الدرجات،ثم يَدْنو من الباب، ويبدأ الحديث مع نفسه بلطف أوّلا،مِثْل همس لَمْ ألتقط منه سوى بِضْع كلمات… جوليا….عزيزتي.
“افتحي لي،جوليا،أتوسَّل إليك.أريد فقط أن أتحدّث إليك.جوليا،اسمعيني.لن ألمسك..أَعِدُك. جوليا،أَتَسْمَعيني..جوليا !بِرَبِّك ! ستفتحين الباب لي أم لا؟ هل تريدين فضيحة؟أن يطلب الجيران الشرطة،أَلَيْسَ؟هو ما تريدينه؟افتحي جوليا،هذا أمر !(يقرع الباب كمجنون).آخٍ !أكيد انكسرَتْ أصبعي.ستدفعين ثَمَنَ هذا التصرّف غاليا، رخيصة !جوليا،أنا أحبّك ! هل باستطاعتك أن تفهمي أَنَّني أحبّك؟”
ثم يتوقّفُ على الفور.ينتظر بضع ثوان،بضع دقائق،أحياناً يتظاهر بالرحيل،ينزل خطوتين ثمَّ يعود فورا. أنا، أسترق السمع، باب منزلي موارب، أتهيأ في نفس الوقت. أعلم أنه لم يَعُدْ لَدَيْهِ المزيد لِفَتْرَة طويلة.
«ثم لا.أنتِ لا تستحقين هذا العناء.هل يُسَلّيكي أن تجعلينني أعاني؟ لِذا استمتعي ! أنا ذاهب،جوليا،لن ترينني أبدًا، أبدًا».
هذا كل ما في الأمر. ينزل. أمام المرآة، أضع آخر اللّمسات على شعري.
أَضْبطُ خَطَّ عُنُقُ مَنامتي. أترُكُ الباب مواربا.
أُحَرِّرُ غِطاء السرير وأشعلُ المصباح الجانبي.
-هل أغلَقْتِ جيّدًا الباب،حُبّي؟
-إيه نعم. كالمعتاد.
* * *
l كارمن مروا
ولدت كارمن مروا بكندا عام 1951.نشرت العديد من النصوص القصصية وأكثر من ثلاثين كتاباً ما بين شعر وقصة ورواية ومسرحية وموسوعة وكتب للأطفال، كما كتبت تحت اسم مستعار ست روايات مغامرة.
التباس
عجيب…مع أنّني قد خرجتُ من منزلي هذا الصباح في السابعة والنصف، مِثْل كلّ يوم من أيّام الأسبوع، للذهاب إلى العمل، مَرَّ اليوم بشكل طبيعي، ليس أَفْضل ولا أَسْوأ من يوم عادي. كان الزبائن منسجمين مع أنفسهم؛ بعضهم لطفاء، والبعض الآخر لا. فيهم المتذمّر والمُتَصَنِّع وصاحب الكلام المعسول. مع المدير نعم،كان يوماً عادياً جداً. مع ضغط في الشغل في وقت الغداء، متبوع بانحسار تدريجي لا يَسْتَثْنِي سوى المتقاعدين وبعض التجّار الصغار،كان يوماً تافهاً.
مِثْلُ كلّ يوم، الانتهاء من العمل في الرابعة مساء.الحافلة والميترو لمدّة ساعة، التوقّفُ الاعتيادي عند مصلح السيّارات في التقاطع، شراء قنينتين من البيرة وبعض شرائح اللحوم المُجَمَّدَة وخُبْز بالجلجلان. لم يَبْقَ لي سوى العودة إلى المنزل، و(إسدال) الستارة ، !نسيان اليوم والتفاهة والخسَّة. كِتابُ خيال علمي مفيد، قَطْع التيار عن الهاتف، والمساء أمسى مُلْكاً لي، بالكامل. الهروب إلى عوالم الفنتازيا حيث كل شيء يصبح ممكناً، كل شيء ماعدا التّافه.
المشكل بدأ على طاولة بَيْع اللحوم،النادلة تَعْرِفُني، من زمان ! لكن هناك،تصرفتْ معي كأنها رأتني للمرة الأولى. حدث لي نفس الشيء مع المشرفة على الأداء، وهو ما بدا غريباً بالنسبة لي، لكنّني لم أَتَبَيَّن ذلك، كنتُ أستعجل أَمْر عودتي إلى المنزل، كُنْتُ أخشى مِنْ أن تُؤَخِّرَني المناقشة، هَزَزْتُ كَتِفي إذن وَعُدْتُ.
أخيراً…رَغِبْتُ في العودة. لكن في مكان إِقامتي الصغيرة وَجَدْتُ أَرْضاً شاغِرَة، في وسط الأعشاب الطويلة القامة، كانت هناك علامة ضخمة (مكتوب عليها) «للبيع»مع رقم هاتف.
عجيب…مع أنّني قد خرجْتُ من منزلي هذا الصباح…
* * *
l مونيك برولكس
مونيك برولكس من مواليد عام 1952. خريجة جامعة لافال (كندا). كاتبة متعدّدة الاهتمامات؛ رواية، قصة، سيناريو، تنشيط مسرحي. حاصلة على العديد من الجوائز من أعمالها:”فدر مونريال” (قصص،1997)
النقل العمومي
أَلْقَتْ بنفسها بين القضبان، في احتكاك مُتَيَبِّس مِنْ مِعْطف واقٍ من المطر، لم تسقط والآن هي لا تزال مُنْتَصِبَة، حقيبتها راسية على كتفها. نظاراتها بالكاد مُلْتوية، إنها مثل الآخرين، تنتظر(قدوم) الميترو-ولكن ليس للصعود، من الواضح جداً.
اِنْتَشَر الخبر كأنفلونزا مَعَوِيَّة من خلال مُصابي ساعة الذروة، محطة “بيري” في تمامها تَلْتَحِمُ بالقرب من السكة الحديدية لفهم أفضل للمُنْتَحِرَة بِقُضِّها وقضيضها التي ألقت بنفسها للتو هناك.
بَيْن الحشد، يوجد “كونراد”، الذي يعمل بائعاً للأحذية عند “بيكابو”،لا أحد يتحرّك أو يتكلم كما في عرض(مسرحي)، وفي بضع دقائق سَيَكون هناك الكثير من الدماء أمامه، هو من لا يستطيع تحمل رؤية الدّم. حينئذ غاص في الحفرة،كونراد اِرْتمى على الفتاة، أفقدها الوعي جزئياً، وألقى بها على الرصيف.
على الفور، خرج من مكان ما فريق تَلْفَزي بالكامل ووقف أمام “كونراد”،الأضواء الكاشفة تبهره،يُرْفع على الأكتاف مع التهليل.الفتاة ذات المشمَّع تزيل نظّارتها ومعطفها الواقي من المطر، إنّها جميلة جداً كما في إعلانات التجميل.تُفَسِّرُ لـ “كونراد” أنّ الأمر يتعلّق باختبار تلفزي.تَمَّ استجواب “كونراد” من جريدتي “بوان” و”سكالي رنكونتر”، وحصوله على وسام الشرف وصليب “سانت جان- باتيست”، كما مَنَحَهُ “روبيربوراسا” ربطة عنق البابا، بدوره، بارك عمله الإيماني هذا.
هذه التصرفات، جعلت “كونراد” يصاب بالإحباط. حالياً، لم يعد يستقل نهائياً
الميترو، ويُفَضِّلُ المشي على قدميه، وعندما يجد نفسه متوقفاً عند ضوء أحمر، بجانب شخص أعمى على سبيل المثال، لا يُساعده في العبور: إنّه يدفعه قليلا، خِفْيَةً، ليسقط على وجهه.
* * *
l أود..
الاسم الحقيقي لـ “أود” (1947-2012) هو “كلوديت شاريونو- يسو”. خريجة مونريال ولافال، امتهنت التدريس.من أعمالها:”حكايات لبالغين مصابين باستسقاء الرأس (قصص فانتاسيكية، 1974).
الباب الأخير
وصلَتْ أمام الباب، كانت تمشي،منذ شهور نحوه بصبر.
حاولتْ فَتْحَهُ،لكن دون جدوى .جلستْ على الأرض وبقيَتْ هناك، كان الانتظار طويلا، أسابيع.
ذات يوم فُتِحَ الباب.
أمامها،من جديد،فُسْحَة لا نهاية لها تقريبا. لاشيء سوى سَطْحٍ مُسْتَوٍ،صَقيل وجامد، الأُفْقُ كَخَطّ.
مَشَتْ لِعِدَّة شهور.
كان هناك باب آخر.
الانتظار.الفتح.
والصحراء مَرّة أخرى.
الآن، هي تركض.
أسمعها..تَنَفُّسُها لاهث.
أغلقَتْ عَيْنيها.
لَنْ ترى الأخير.. سَتَصْطدِمُ به وجها لوجه، سَتَسْقُط.لَنْ تكون لديها أيّ مشكلة.
لن تنتظِرَ بعد الآن.
أبداً.
* * *
l لويز لوبلان
وُلِدَتْ الكاتبة “لويز لوبلان” عام 1942.عَملَتْ أستاذة لمادتي الفرنسية والتاريخ، كما اِهتمت بالصحافة والإشهار وبكتابة السيناريو، وقد تُوِّجَتْ أعمالها بالعديد من الجوائز. من أعمالها: “الرجل- الموضوع” (أضمومة أفكار فكاهية،1980)
لامبالاة
لمدّة عامين نعيش معا، اِلْتقينا،ظنَنْتُ (للْوهلة الأولى) أنّ اللقاء كان بداية حياة مثيرة،لكن…
يمكن أن أخبركم بالضبط كيف ستجري أحداث هذا المساء.
سأسمعُ المفتاح في القفل. هذا القليل من الضوضاء الجافة، يُمَهِّدُ لِبُرودَة علاقاتنا.وهو يَلِجُ المنزل، سيضع حقيبته على حاشية الحائط،إلى يسار خِزانة الملابس، أتساءل (دائماً)لماذا يُعيدها معه إلى المنزل، إنّه لا يفتحها أبداً.ربّما هي فارغة. رُبَّما مند سنتين.لم يكن هناك شيء في هذه الحقيبة؟ ثُمَّ سَيَتَدَبَّرُ مَشْروبًا كحوليا، سيذهب للجلوس على فوتيله الجلدي وسينشر الجريدة. سيتعمّق الصمتُ.مِثْل أُخْدود ستطلق فيه كلمات لا طائل تحتها، كما نلقي عظما لِكَلْب، سأتحمّل المضايقات المزعجة لِخَشْخَشات مُكَعَّبات الثلج في كأسه حتى يَفْرَغَ من قَضْمِ حُطامها، القليل من الضوضاء الجافة، يُمَهِّدُ لِلْكونْشيرْتو اليَوْمي لِمَضْغِنا. لِحُسْنِ الحظّ، ستكون الوجبة وجيزة، إنّه لا يُحِبُّ أَنْ يأكُلَ، إِنّه لا يُحِبُّ أَيُّ شيء،وهذا ما فَهِمْتُه مع مُرور الزّمن.
بعد ذلك سنخرجُ في فسحة مَشْي روتينية كما سأَرْقُبُ في كل الأمسيات.. تَقَرُّبَ.. لَفْتَةُ مَوَدّة. سَأوهِمُ نفسي أَنَّنا يمكن أن نَرْكُضَ مَعًا. سيكونُ الأَمْرُ مُبْهِجًا، سأحاول جَرَّهُ، لَكِنَّه سَيَسْمَح لي فقط بِسَحْبِ مِقْوَدي. سأعتقد أنني أهرب، لَكِنَّ خطوته البطيئة ستلحق بي ثانية، سأقضي حاجتي عند سفح شجرة ثم سنرجع إلى المنزل.
أسمع المفتاح في القفل، القليل من الضوضاء الجافة، الذي تُمَهِّد لبرودة علاقاتنا. هذا المساء، لَقَدْ فَكَّرْتُ وقَدَّرْتُ، سَأَعُضُّهُ.
* * *
l ماري-أندري كونيون
كاتبة وباحثة من إقليم كيبيك الكندي،اهتمت بدراسة النثر القصير جدًا في أعمال الكاتب”هوغ كوريفو”. من أعمالها القصصية ” Hacher menu”
لازمة
جَرَّتْها إلى أقرب حانة، رفعتها وأجلستها على مقعد. ثم أَخَدَتْ منها وَعْدًا بأن تتصَرَّف بشكل جَيِّد، مداعبة شعرها القصير جدًا. بعد ذلك، النادل ذو الوجه الشاحب قدَّم لها أقلامًا ملونّة، الورق. بعض القطع النقدية في خزانة فونوغراف آلي، إبريق من كْريم البيرة، رقائق بالخَلّ ودائما، نفس اللازمة.”أعدك عزيزتي، لَنْ يكون الأمر طويلا”.
جالسة، قدماها في الفراغ ، الصغيرة ترسم في صمت، قَصْرًا، أميرة بقدمين دقيقتين وحذاء من الفُراء. هذه الحكاية، تعرفها عن ظهر قَلْبٍ. لِدَرَجَةِ أَنّها أعادتْ كتابة نهايتها:حينما تضاء الأنوار وَكُلُّ الآباء المستندين إلى طاولة الشرب يتحوّلون إلى يقطينات، فالأميرة ذاتُ القدمين الدقيقتين تعود إلى منزلها وحيدة، بينما يتبعها أميرها الضفدع وهو يترنح.
* * *

l ليز كوفين
من مواليد 1940،دَرَسَتْ بجامعات لافال (كيبيك)وفيينا وباريس. كاتبة وناقدة أدبية، أستاذة شرفية بجامعة مونتريال، مديرة المجلة العلمية”دراسات فرنسية”1994_2000″، حصلت على العديد من الجوائز. من أعمالها: “هاربات” (قصص).
شجرة الورد
كانَتْ نَزْوِيّة وليّنة.
هو،كان حسّاساً وشديداً وسخيّاً.
كانا قد اِلتقيا في زاوية الشارع، وتحابّا.
ظلاّ متساندين.
مكمّلين جدّاً لبعضهما، قال الفضوليون والحُسَّاد.
طُوْبة فوق طَوْبَة، كانا قد شَيَّدا الدّار والحديقة .مساءً بعد مساء، كانا قد أَثَّثاها بالطفولة والصداقة.
ذات يوم، عائداً من نزهة طويلة،لاحظ أنَّ كُلَّ هذا كان أكثر من اللازم وأنّه كان لاشيء.
طلبَ منها التخلّي عن الكلب.
هي، المتَيَّمَة، نَفَّذَت ما طلب.
في اليوم التالي، عند العودة من، أمرها بعدم
رؤية والديها مرّة أخرى.
وهو ما قبلته أيضا.
فيما بعد، قام هو بنفسه بطرد طفلهما.
هذه المرة، بَكَتْ.
وأخيرًا، أمرها بقطع شجرة الورد الموجودة خلف الحديقة، وأضاف أَنَّ كلَّ وجوده مَرْهونٌ بذلك.
دونَ أيّ تَصَنُّعِ، دون تَرَدُّدٍ، رَفَضَتْ.
تَرَكها.
عندئذ قطعتها.

شاهد أيضاً

طراوة الجبل*

أمل السعيدية بيتنا، كان قريبًا من الوادي، ومجراه العميق، تطلعُ فيه أشجارٌ بريّة، والذئاب تعيش …