أخبار عاجلة

«صحبة جبل أعمى» لمحمد أحمد بنيس انتهاك الميتافيزيقا والنسق

  يشيد الشاعر محمد أحمد بنيس في ديوانه «صحبة جبل أعمى»(1) عالما كاوسيا، سماته اللانظام واللاخطية والعماء: عالم تؤثثه مجازات سوداء «المجوس»، «الوعول الآدمية»، «الغربان»، «الجثث»، «الموتى». كل ما فيه أعمى: «شاعر أعمى»، «جبل أعمى»، «نهر أعمى»، «لساني أعمى»، «يد معتمة»، «عواء العتمة»، «عيون مطفأة»، «رحم أعمى». استعارات مفارقة تحيل على انتفاء البصيرة وفقدان الرؤية وسيادة الظلام.

إنه عالم اليباب، لا حياة فيه ولا إعمار ولا بقاء:

لا حرث / ولا نسل / بعد الآن.

في عالم فقد بصيرته، لا يوهم الشاعر نفسه بالنبوءات الجليلة والمرويات الكبرى المترنحة بميتافيزيقا اللوغوس (خطاب الحقيقة) وبامتلائها اليقيني، لأن الكاوس مطلق، يطبق بعتماته على الذات والخارج:

معتم هذا الذي في حنجرتي / من أجله اختلست صرة الحنين هاته،/ وتسللت إلى قبري أسترق الضوء المنبعث من عظامي.

الذات تغرق في عتمات أعماقها، وشفرة الكلام معتمة (عتمة الحنجرة) لا تفك لغزا ولا تحل إشكالا. ثمة انفصال وانفصام (فجوة العتمة) بين الذات وخطابها. وبالتالي ما من سلطة للكلام على الذات، لأنه هباء وسديم، لا يملك أية سلطة أو مركز (حقيقة/ معنى/ يقين). حالة كاوس chaos مضاعفة. يتحول الكلام (الوغوس /الخطاب) إلى كاوس بدل أن يكون وسيلة لإضاءة الحقيقة وتشييد المعنى. ما جدوى الكلام في عالم الكاوس؟ هل عليه أن يصمت أم يختفي؟ وما وضع الشاعر في عالم الكاوس؟ هل يتحول إلى نبي يضيء العالم برؤاه ونبوءاته وبصائره الخارقة؟ وإذا كان الشاعر لا يملك سلطة الكلام ولا تخضع لغته لسلطة التمثل، ماذا يتبقى له؟ إنه يتحول إلى كائن أعمى، وبالتالي يتحول خطابه إلى غياب، لن يأتي ليحضر كحقيقة أو نبوءة أو يقين أو أيديولوجيا. إنه ضد فلسفة الحضور، حضور الألفة واللوغوس. إنه ينعى موت الشاعر/ المؤلف الخاضع لإرادة الكلام. يكف الشاعر عن تمثيل دور النبي والمثقف والمخلص، أي ناطق بلسان porte – parole أو حامل لخطاب. إنه نهاية الكلام كانعكاس وامتلاء وحضور» حاضر إزاء ذاته، ومدلوله، وإزاء الآخر، شرط موضوعة الحضور بعامة(2).

 في الميتافيزيقا الأفلاطونية والهيرمينوطيقا الدينية والرمزية الرومانسية، الروح منبع النور، والعالم السفلي، عالم الموتى، أصل الظلام والأرواح الشريرة. بالمقابل يصوغ الشاعر تشفيرا مضادا لهذا التشفير الشيطاني. القبر بالنسبة له منبع النور وليس الظلام، والعالم السفلي، أصل النور والحياة. عالم داخل عالم، عوالم متداخلة، الحياة والموت، النور والظلام.  هكذا هو الشعر تأسيس للمفارقة والغرابة: الضوء محايث للموت  (القبر) والظلام محايث للحياة. يصبح العالم السفلي ملاذ الشاعر لاقتطاف بصائر النور.

 على خلاف أدب الموتى، كما في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، والأوديسا، لا يتخذ النزول إلى القبر، العالم السفلي «ملامح النزول إلى الجحيم»(3)، بل ملامح النزول إلى عالم مضيء، مصدر النور.

 وإذا كانت الميتافيزيقا تجعل من الجسد موضوع نفي، غواية وشر، فإن النص يمارس قلبا وتحويلا لهذا النفي، حين يجعل من الجسد موضوع إثبات. إنه منبع النور. بالنسبة للشاعر الضوء ينبعث من العظام وليس الروح. العظام كناية عن الجسد. وإذا كانت الروح علامة حضور، حضور الحياة والنفس الإلهي. فإن العظام علامة غياب، إنها الأثرtrace المتبقي من جسد مر هنا، يشير في الآن ذاته، إلى امحاء الشيء(الجسد) وبقائه محفوظا فيما بقي من علاماته(عظامه).

يواجه الشاعر الميتافيزيقا بتحطيم التوزيع الدلالي للتقابلات: (أسفل/أعلى، روح/ جسد، ظلام/ نور، الحياة/ الموت، المثال/ المادة) بانتهاك حدودها المرسومة سلفا، وخلخلة اقتصادها التراتبي باتجاه تحرير المعنى الآخر المهمش، المكبوت، واستعادته من غيابه ونسيانه، وإعادة الاعتبار له، بما يجعل دينامية الاختلاف هي أساس عملية السيميوزيس (عملية التدليل)، التي ظلت مقموعة بفعل تحكم سياسات اللوغوس في توجيه المعنى نحو مدلول متعال.

يتضاعف عالم الكاوس في النص على مستوى التخييل بالحفر العمودي في أغوار شعرية سحيقة، معتمة ، تستقي جماليتها السوداء من متخيل عنفي، غابوي، بري، وحشي، طقوسي، بدائي:

غابوي وغريب أنت. / فاذبح لأهلك/ غيمة،/ وارم في النار/ غرام القرابين

في عالم محكوم بقانون العنف المقدس، الأضحية القربانية والإله، لايكتفي الشاعر بدور مقدم القرابين بل يتحول إلى قربان، إلى «ضحية بديلة»(4):

سيفترسني هذا البياض/ كشجر كاسر / وستقطع رأسي/ لتلهو بها الآلهة

في المجتمع البدائي تقوم الضحية البديلة بوظيفة بنيوية هي المحافظة على تماسك الجماعة، حيث تعرض للقتل وتطرد خارج الجماعة، لاعتقاد البدائيين بأن العنف يتم طرده معها. يصبح العنف خارج الجماعة، وتنعم الجماعة بالاستقرار والهدوء. فهل يعتبر الشاعر مصدر توتر وانشقاق DISSENT لانتهاكه الحدود:

 يداك / أو رجة الحواس/ أما زلت طينا/  يحلم/ بماء العتمة؟/ تشعل حربا/ وتطفئ حربا

هل ينبغي التضحية بالشاعر، باعتباره عامل توتر واختلاف (تشعل/تطفئ) لصالح بقاء الجماعة واستمرار سلطتها وهويتها وضمان إجماعها CONSENT؟. مع ذلك، لا يأسف الشاعر على مصيره القرباني من منظور «لاهوت الإحساس بالخطأ»(5)، والإحساس بالذنب واستبطان الألم والندم:

الآن صرت ميتا/ فلا تقل إن يديك/ أضحتا بلا  نبع/ لا تقل إن قلبك خانك في الطريق/ قد صدقت الرؤيا وصار قلبي بريا

إنه منطق الإثبات الديونيزوسي (قد صدقت الرؤيا) الذي يحتفي بمصيره كفرح دينامي بالحياة، أي أنه موضوع إثبات ونشوة وليس موضوع نفي. في منطق الإحساس بالخطأ تنفى الحياة لفائدة الاحساس بالذنب والألم، تتحول الحياة إلى عبء ثقيل ينبغي التخلص منه، حيث يتم نقش التناقض بين الحياة والألم، المتناهي واللامتناهي، ويكون سبيل الخلاص في حل التناقض بالدياليكتيك الذي يحول التناقض إلى وحدة تحقق المصالحة بين الأضداد. بالمقابل، يثبت منطق الإثبات الديونيزوسي الحياة في ذروة مأساتها لصالح النشوة والفرح. ما من ديالكتيك بئيس في النشوة الديونيزوسية ينشد الوحدة، أو يسعى «لحل الألم في لذة عليا أو فوشخصية، بل يجري توكيد الحياة في ذروة ألمها ويجعل من الألم لذة. يمسرح الشاعر مصيره القرباني في مشهد فرجوي مفعم بالمتعة الذاتية ونشوة الإثبات:

كنت أستمتع بمشهد الذاهبين برأسي إلى ورقة تسرح

فيها مهرة الخيال. ولم أدر إلا وظلالهم تتدحرج على جبل

كان يقبع بداخلي مثل عرجون قديم. عبدة الماء يسرحون

في صحراء أحرسها نكاية في المؤرخ الذي أشعل نارا

أسفل السريرة.

إذا كانت الاستعارة القربانية تحيل على كاوس بدائي عنفي لانهائي، القتل والقتل المضاد، فإن الاستعارة الانفصالية، الرحلة إلى الجبل، تحيل على كاوس معاصر. ما الذي يبتغيه شاعر في القرن الـ21 من صحبة جبل أعمى؟ يبدو الأمر مفارقا في عالم يوصف بأنه قرية صغيرة وأنه عصر التواصل وانفتاح السماوات. ينفصل الشاعر عن المجتمع ليقيم في الجبل. ألا يدل استبدال صحبة الإنسان بصحبة الجبل على انتفاء التواصل، وعلى ضيق العالم بدل انفتاحه، وعلى عدوانيته بدل ألفته. هل التواصل الذي بشرت به العولمة وانفتاح السماوات ليس من الناحية الأنطلوجية إلا وهماً، وتكريساً للأحادية والنمطية. وهل القرية الإنسانية الصغيرة لا تحتمل الشعر؟

في الرمزية الدينية الجبل فضاء للتأمل ومنبع للحقيقة والملاذ. في قصة موسى الجبل مكان تجلي الحقيقة المطلقة واليقين.  وفي قصة جبل حراء الجبل ملجأ وملاذ من الأذى. وفي الرمزية الرومانسية الجبل (الغاب) فضاء نقيض للمدينة. إنه خلاص الشاعر من شر الوجود. على نقيض هذه الدلالات الايجابية، يؤثث الشاعر تصورا كاوسيا لرمزية الجبل. إنه كائن أعمى . العماء غياب للنور والأرواح الطيبة وحضور للظلام والأرواح الشريرة. بهذا التقابل الدلالي (البصيرة/ العماء) يخضع الشاعر رمزية الجبل على المستوى التناصي لعملية إزاحة تنأى به عن الاستلهام المحاكاتي. في الوقت الذي يصوغ النموذج الديني والرومانسي تشفيرا ايجابيا لصورة الجبل، يطرح الشاعر تشفيرا مضادا.

في الشعر العربي القديم تشتغل استعارات الانفصال عن الآخر(الجماعة/القبيلة)، أي استبدال صحبة الإنسان بصحبة الصحراء، ضمن خطاطات دلالية دينامية كرفض لقيم الجماعة وبحث عن قيم مغايرة (عروة بن الورد)، وهروب من أذى الآخر وضياع وجودي(امرؤ القيس)، وإثبات للذات والكينونة(عنترة بن شداد) ضد محاولات استلابها ونفيها. فما الذي يبتغيه الشاعر في القرن 21 من صحبة جبل أعمى؟. ما الذي يمكن أن يهبه جبل أعمى للشاعر في مأزقه الوجودي؟

آه يا صاحبي../ فلنرم المفاتيح كلها، ولندخل البرية ولنحي. / البرية، يا صاحبي، عنوان أخير،/ البرية حرب داخل الجسد./ البرية في النهاية:

شاعر / يقفز / في الورقة/ وينام.

البرية فضاء بديل للمدينة والمجتمع. إنها فضاء هامشي في مقابل المدينة/ المركز. في النص  تكتسب البرية رمزيتها من استعارة الاكتشاف، حيث يرمي الشاعر جميع المفاتيح، ويسلم نفسه لإغراء المجهول. تحيل استعارة المفاتيح على الألفة والسلطة (ألفة المكان وامتلاك مفاتيح المعرفة والبيوت). ومن جهة أخرى تحيل المفاتيح على الذاكرة والاستمرارية. المفاتيح تتوارث وتنتقل من شخص إلى آخر. بالمقابل تحيل استعارة البرية على الغرابة وافتقاد المعرفة المسبقة. .إنها فضاء للمغامرة والاكتشاف. ومن جهة أخرى تحيل على الانفصال والقطيعة: الانفصال عن الجماعة والقطيعة مع قيمها. البرية انفصال عن المركز المألوف واستجابة لنداء  الهامش المجهول، الغريب. ولكل انفصال عن الأصل تكلفة:

أستعيد خسائري البيضاء/ وأرحل بصحبة جبل أعمى

إذا كانت الصحراء (البرية) تشكل للشاعر الجاهلي فضاء ملحميا لتحقيق الذات واثبات جذارتها، بطولتها وفروسيتها، فإن البرية بالنسبة للشاعر هي استعارة رمزية أكثر منها واقعا ماديا. ذلك أن مكونات التخييل (الورقة، شاعر، جسد) المصاحبة لاستعارة البرية تحيل على سياق رمزي ذهني (ورق الكتابة)، على ورشة عمل الشاعر، وليس على سياق مادي، أي برية حقيقية. إنها تجسيد مجازي لمغامرة شعرية رمزية وثقافية. فالمغامرة (القفزة) تحدث في الورقة كاستعارة للكتابة الشعرية.

في هذا السياق التخييلي يتأسس الفعل الشعري في المنظور الكاوسي للشاعر كمغامرة مشحونة برغبة البحث عن المجهول، وانتهاك القيم والقواعد المألوفة المتوارثة (استعارة المفاتيح). يرمي الشاعر بمفاتيح المعرفة المألوفة ويسلم نفسه لإغراء المجهول. المغامرة الشعرية لا تحيل على عالم معطى بل على عالم يتكون قيد الاستكشاف في خضم المغامرة:

أمشي في سماء جرداء إلا من مجاز أبيض/ أبني أرضا وأنقع فوقها نجوما خلفها رجال بعيون مطفأة.

تحاول الكتابة إعادة بناء العالم وفق منطق مخالف للنسق العام، لتشكيل عوالم جديدة ومنظورات مغايرة. في مقابل النسق المألوف الذي يقوم على الفصل بين العوالم وأنساقها (الواقع ـ التخييل، الحقيقة ـ الخطأ، النظام ـ الفوضى)، حيث لا مكان للتزامن بين نسقين أو أكثر، تقترح الكتابة نسقا مغايرا يقوم على تداخل العوالم وتزامن أنساقها. إنه منطق المجاز الذي يقوم على انتهاك ما هو كائن، وفي هذا الانتهاك «يقوم بقول التزامن(الزمني والمكاني) للممكن واللاممكن وللواقع والمتخيل»(6). ومن ثمة تنقش الكتابة ممارستها واستراتيجيتها الانتهاكية الخلاقة داخل المنعطفات اللاخطية للإبداع والغرابة والانفصال، وليس المسارات الخطية للذاكرة والتراث والألفة. الانتماء للبرية هو انتماء للمهمش، اللامفكر فيه، ولما ينبت وينمو في الأطراف بشكل وحشي مهجور. إنه تأسيس للنموذج النيتشوي، حيث يشتغل الشعر كمطرقة للتفكيك، وهو ما يتم تشفيره في النص كانتهاك للمقدس في الاستعارة القربانية من جانب، وانتهاك للدنيوي في الاستعارة الانفصالية(استعارة البرية/ الجبل) من جانب آخر.

في هذا المنظور الكاوسي لا يختزل الشعر إلى مجرد فعل استطيقي أليف يعكس الجمال الرومانسي، بل ينبثق في صورة فعل وحشي، بري. بمعنى أنه يتحول إلى  فعل انتهاكي وليس محاكاتي،  تكمن قواه الإبداعية المعرفية النقدية في هذا الفعل الانتهاكي الخلاق،  التمرد على المؤسسة والإقامة في الهامش. الهامش يتيح للشاعر التحرر من إكراهات المؤسسة والنسق (استعارة المفاتيح) وانتهاك الحدود:

لا تبتئس، إني رأيت جسدا بلا مأوى؛/ رأيت نفسي تحتسي خطيئتها الأولى؛/ الرأس تدشن غوايتها.

في صيرورته الدينامية، أي رحيله، ومغامرته لا تحرك الشاعر شحنة أيديولوجية، بل الرغبة في المعرفة، وهو ما تعبر عنه استعارة الخطيئة الأولى، تذوق الثمرة المحرمة في الفردوس، وغواية الرأس باعتبارها استعارة للانتهاك. ولنتذكر أن غواية الشيطان لآدم هي سبب سقوطه من الفردوس. وإذا كان مصير آدم على خطيئته الأصلية هو السقوط العمودي من الأعلى المقدس (السماء) نحو الأسفل (الأرض) المدنس، للتكفير عن خطيئته، هل يمثل الرحيل للبرية وصحبة الجبل  للشاعر خلاصا ونفيا للكاوس؟ هل هو جحيم أم فردوس؟:

كأن ما يلزمني/ مجرة/  وفجيعة/  وجبل أحن إليه.

في المنظور الكاوسي الديونيزوسي للشاعر لا يكتسب الجبل إغراءه وجاذبيته  من استعاراته الرومانسية، أي من كونه  ملاذا للخلاص، بل على العكس، إن البرية بما تحيل عليه من قيم الهامش والغرابة والقطيعة والتيه، وما تقتضيه من تكلفة وألم الانفصال، هي من مستلزمات المغامرة. وبالتالي لا تشكل البرية نهاية الصيرورة، أي الرحلة، بما يفضي إلى حل التناقض، وكبت دينامية الاختلاف الداخلي كبنية محايثة للذات، بل تمثل بداية المغامرة ومسرح صيرورة الذات لاستكشاف الأصوات الأصيلة في الوجود. البرية جحيم وفردوس، بمعنى انفصال مؤلم عن الجماعة والمركز والمألوف، وفي نفس الوقت تذوق للذة الانتهاك، واستمتاع بحرية المغامرة وغرابتها. إنها كاوس واستكشاف للمجهول. هكذا لا تؤسس استعارة البرية فضاءها الخطابي ضمن الحقل المغلق للتقابلات الثنائية للميتافيزيقا، بل في العتبة الما بينية لهذه التقابلات، حيث تحدث تحويلا وقلبا للتراتبية الضمنية التي تتحكم في اقتصادها الدلالي، من دون أن تمحو أثر كل طرف أو تقصي هذا الجانب لصالح الجانب الآخر. ومن خلال هذا الاختلاف ينقش فضاء البرية بوصفه استعارة حقل دلالاته الدينامي المفتوح في تخوم التقابلات.

إن الانفصال مشحون بالرغبة في استكشاف أصوات جديدة، ودروب غير مطروقة في الوجود والمعرفة، بحث عن صيغة للكينونة والوجود أصيلة، تحتفي بقيم الاختلاف والانتهاك والحرية والصيرورة. وهو ما تعبر عنه استعارة الحنجرة الأصيلة، أي الصوت المتفرد:

الأمر في النهاية / لا يحتاج إلى أكثر من حنجرة/ لم يقربها أحد.

الفعل الشعري باعتباره مغامرة، هو فعل انتهاكي للألفة (الصوت المكرور)، إنه ليس صدى لحنجرة مألوفة، ولا محاكاة لمسارات مطروقة. إنه خروج عن النسق العام المحكوم بقواعد صناعة الإجماع. وهذا الانتهاك هو ما يؤدي إلى تقويض منطق النسق العام الذي يقوم على الضبط والحصر بهدف التحكم، وطرد عناصر التوتر والاختلاف التي تنتهك الحدود خارج النسق، ومن ثمة تصبح موسومة «بقرينة اللاوجود التي ستصبح قرينة الإبعاد والخطإ والموت والتخييل والجنون..»(7) مثلما تجسد ذلك الاستعارة القربانية، حيث يكون مصير الضحية القتل والطرد خارج الجماعة.

في الاستعارات الانفصالية التي تؤثت متخيل النص، يتحرك الشاعر خارج النسق العام، إنه غير معني بالانتماء لهوية أو مركز أو سلطة  ولا نسق تحكمي، بل بانتهاك الحدود وبتفجير القوى الدينامية الخلاقة للحياة في عنفوانها واختلافها الخالية من الإكراه  والنمطية. إنه «يؤسس روح الهيام بالإنسان، والتهيام والترحال، والانسراب إلى العالم دون قيود أو حدود، روح الانخلاع من نقطة ثابتة، وانتماء متحجر، وتاريخ متناسق عضوي يتصور له الكمال»(8).

نقيضا للكينونة المترنحة بهوية متوهمة وسلطة خطاب (إرادة الحقيقة) متعال على سياسات الاختلاف،  يؤسس الشاعر نموذج الهوية الرحالة التي تتشكل في دينامية الصيرورة، حيث الذات منذورة للرحيل وانتهاك الحدود، ذلك أن البرية كتجسيد للإقامة المضادة تستدعي الانفصال عن الفضاء الأصلي وعن الألفة، وبدء مغامرة جديدة محفوفة بالمخاطر. مخاطر الغرابة والانفصال عن الأصل. وبالتالي يغدو الشعر تحريرا للغة والكينونة في لذة الانتهاك المشرعة على المجازات الجديدة التي تغري بها مغامرة المجهول.

الهوامش

1  ـ محمد أحمد بنيس: بصحبة جبل أعمى، منشورات وزارة الثقافة، 2006.

2 ـ جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال، ط1، 1988، ص:106.

3 ـ عبد الفتاح كيليطو: العين والإبرة: ترجمة مصطفى النحال، دار شرقيات، القاهرة، ط1، 1995، ص:89.

4 ـ رينيه جيرار: العنف المقدس، ترجمة جهاد هواش وعبد الهادي عباس، دار الحصاد، دمشق،ط1،1992، ص:289.

5 ـ جيل دولوز: نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1،1993، ص:233.

6 ـ علم النص، ص:77.

7 ـ علم النص، ص:74.

8 ـ كمال أبو ديب، من مقدمته لكتاب الثقافة والإمبريالية، لإدواد سعيد، دار الآداب، بيروت، ط1997، ص:25.
 
 محمد بوعزة ناقد من المغرب

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …