عالم الرّوائي المكسيكي «خورخي فولبي» الرِّواية طريقا للمعرفة

حميد عبد القادر


«أودُ أن أوجه جزيل الشُكر لـ “خورخي فولبي”، فهو الرّوائي الوحيد الّذي يكتب أحسن مني»
غابرييل غارسيا ماركيز

تميزت أعمال الرّوائيّ المكسيكيّ “خورخي فولبي” الإبداعيّة، برغبته في إثبات أنّ الرِّواية هي أيضًا طريق للمعرفة، وأنّ دورها لا يقتصر فقط على سرد القصص، بل في طرح قضايا فلسفيّة، وفكرية ضمن سياقات تاريخيّة مُعيّنة.
إنّ انتماء “فولبي” إلى حركة “الكراك” الأدبيّة، ورفضه اعتبار الواقعيَّة السِّحرية كأسلوب وحيد للتّعبير الرِّوائيّ، أعطاه حضورًا مُميزا في الفضاء الرّوائيّ اللاّتينو – أمريكي. اختار رفقة روائييّ الجيل الجديد من الأدباء في المكسيك، الاهتمام بمواضيع إنسانيّة، فابتعد عن النّزعة المحليّة التي ميزت الرّواية المكسيكيّة منذ “خوان رولفو”. ففي روايته “الحديقة الخربة” تناول موضوع الغزو الأمريكيّ للعراق، انطلاقا من إيمانه بأنّ الأدب يجب أن يَنظر إلى ألام الآخر، حتى وإن كان بعيدًا، وفي غاية الاختلاف. وعلى خطى “سوزان سونتاغ”، يَسعى “فولبي” لتَجاوز “الأنانيّة الطبيعيّة للبشر”، وإبراز التعاطف مع الأخر الذي يقترب منه من حيث الشعور بقسوة العالم، حين تُهمين عليه قوى الشر. وقد برز اهتمامه بآلام الإنسانيّة من خلال ثلاثيته الأوروبيّة التي تتكون من الرّوايات التّالية “البحث عن كلينغسور”، “نهاية الجُنون”، و “زمن الرَماد” ، وقد خصّصها للتّفكير في الفوضى والخراب الأوروبيّ خلال مرحلة الحرب العالميّة الثانية وما بعدها إلى غاية انهيار الاتحاد السوفييتي، وصولاً إلى نهاية القرن العشرين، والسقوط النهائي لليوتوبيّات التي قضت عليها النيو لبيراليّة.
تنطلق روايات الثلاثيّة من فشل ذاتي للشخصيّات المحورية (“غوستاف لينكس”، “يوري ميجايلوفيتش شيرنيشفسكي” و”كيفيدو هانيبال”) ومن سعيهم الحثيث لإعادة ترتيب حياتهم المُتدهورة، بالموازاة مع سعي شخصيّات أخرى في الرّوايات الثلاث (العلماء أو الفلاسفة والمفكرين والمحللين النفسانييّن) لإعادة ترتيب العالم، وإعطائه معناه المفقود.
تبدأ الثلاثيّة برواية “البحث عن كلينغسور”(1999) التي تناولت مسألة السلطة والمعرفة، وعلاقة أدولف هتلر بالقنبلة الذّرية. أما رواية “نهاية الجُنون”(2003) فقد تمحورت حول أحداث ماي 68 بفرنسا، وتأثيرات الفلسفة البنيويّة على النخب اليساريّة المكسيكيّة. في حين، تنطلق رواية “زمن الرماد”(2006) من حادثة “تشيرنوبيل” الشهيرة التي وقعت سنة 1986، والتي يعتبرها “فولبي” بمثابة بداية انهيار الإمبراطوريّة السوفييتيّة، وقد لجأ إليها لكي يروي كيف تمكنت النيولبيراليّة من نخر جسد “اليوتوبيّا الشيوعيّة”، عبر استعادة انهيار اتحاد الجمهوريات الاشتراكيّة السوفيتيّة على شكل حادثة تاريخيّة تشبه احتضار كائن حي يَزرع في نفسه سُمًا مُميتًا. وفي حالة روسيا ما بعد البيريسترويكا، فإنّ الرأسماليّة هي التي التهمت نسيج الإمبراطوريّة الشيوعيّة القديمة وتركتها في حالة من التعفن والتدهور الاقتصاديّ والاجتماعيّ، حتى بلغت مرحلة الانحلال. يُبرز “فولبي” في هذه الرّواية الدور السلبيّ للرأسماليّة بواسطة شخصيّة “جينيفر مور” الأمريكيّة، التي يُحيل اسمها إلى الفيلسوف “توماس مور” صاحب كتاب”اليُوتوبيّا”. والَّتيِ تعمل كمسؤولة بصندوق النقد الدولي، وهي زوجة رجل الأعمال الطموح جدا “جاك ويلز “، المتخصص في التكنولوجيا الحيوية. تتمثل مهمتها في الرِّواية في خفض ديون الدول النامية ومساعدة روسيا على الاندماج في العولمة وفي الاقتصاد الرأسماليّ، و إدخالها في “اليُوتوبيّا” العالميّة الجديدة، وهي الرأسماليّة. مع العلم أنّ “فولبي” يرفض إبراز أي ميل أيديولوجي في روايته. يتعامل مع أحداثها بعيدا عن أي تأثيرات عقائدية مهما كان منبعها. يظهر هذا حين يعود إلى مُخلفات الأزمة الاقتصادية لسنة 1929، التي هزت الاقتصاد الرأسماليّ وتسببت في مأساة عائلة “جينيفر مور”. إنّ الَّذي يَهمُه في النّهاية هو البَحث عن مكان “الخراب”، ليذهب إليه حيثما كان في عالم ما بعد الحداثة.
“جينيفر مور”، عبارة عن شخصيّة مناقضة ومكملة في نفس الوقت لشخصيّة “إرينا جرانينا” الروسيّة، عالمة “البيولوجيا”، المتزوجة من المُنشق “أركادي جرانين”. دور هذه الأخيرة في الرّواية يتمثل في أنّها الشاهد على انهيار الشيوعيّة، وعلى تمرد ابنتها “أوكسانا”، المتأثرة بروح العصر المُعولم، والضحيّة الأولى لانتصار اقتصاد السوق بعد تغلغله داخل روسيا، فهي تعتقد أنّ كل الرموز الأيديولوجيّة فارغة. أما السّارد في الرِّواية فهو الصحفي المعارض “يوري ميجايلوفيتش شيرنيشفسكي” (من أصل أذربيجاني)، الّذي تبدأ متاعبه حين يقف ضد تلك البرانويا السوفييتيّة للانتقال إلى الرأسماليّة، وتتعاظم بعد أن يكشف فساد رجال الأعمال المقربين من “بوريس يلتسين”، والَّذين يُعتبرون بمثابة “الأوليغارشيّة الماليّة الجديدة لمرحلة ما بعد “البيريسترويكا” الّتي كان أحد مسانديها، قبل أن يراجع أفكاره ويتخلى عنها. فأصبح في الأخير أحد المناهضين للعولمة (فيلتقي من حيث الأفكار والتصورات مع “كيفيدو” ..الشخصيّة المحورية في رواية “نهاية الجُنون”) ثم يبدي ميول رافضة لاقتصاد السوق الحرة، والنيو ليبيراليّة باعتبارهما، كما يعتقد “استبدًاد جديدًا”، فيردد قائلا :” ستكون مقاومتنا عابرة للحدود الوطنيّة مثل رأس المال”.
استعاد “فولبي” في هذه الثلاثيّة، بكثير من العدميّة، أسطورة “الدكتور فرانكنشتاين”، الذي عجز عن التحكم في “المخلوق” الذي اخترعه. فإذا كانت رواية “البحث عن كلينغسور” تشير إلى عدم القدرة على التحكم في النازية التي أوجدتها الأطروحات القوميّة، فإنّ رواية “نهاية الجنون” تحيل القارئ إلى الفلسفة البنيوية وفكر “لويس ألتوسير” الذي أثَّر في الحركات الثَّورية العنيفة عبر العالم. بينما تُخبرنا رواية “زمن الرماد” بأنّ عدم التَّحكم في التكنولوجيا النووية، مثلما جرى خلال حادثة “تشيرنوبيل”، بإمكانه أن يتسبب في دمارٍ شاملٍ، و يرمي الحياة في “سدوم”، فكتب في روايته وهو يصف خراب ما بعد الحادثة:”هذا ما بدت عليه سدوم، الليل مزدحم بالصراخ، رائحة اللحم المحروق، تلهث الكلاب التي تسد الأزقة، الدخان الأسود الذي يظن الفلاحون أنّه ملاك الموت”.
انتشرت أعمال “فولبي” عالميًا، فتُرجمت إلى عشرين لغة، وعرفت نجاحًا كبيرًا، منذ صدور روايته “بحثًا عن كلينغسور”، التي حازت على الجائزة الاسبانيّة الشهيرة “بيبليوتيكا بريفي” سنة 1999. اعتبرها النّقاد بمثابة رواية التحرّي البوليسيّ على خلفية تاريخيّة، تُناقش علاقة المعرفة بالسلطة، استنادا إلى تأثير اكتشاف “فيزياء الكمّ” التي دعت إلى التشكيك في الصرح الكامل للفيزياء النيوتونيّة الكلاسيكيّة التي استندت إليها نظرة العلماء للكون منذ القرن السابع عشر. كل هذه الأفكار الكلاسيكيّة ستُجرَف بعيدًا، حسب رواية “فولبي” بفضل نظرية النِّسبية التي جاء بها “اينشتاين”، وكذلك “فيزياء الكمّ”، اللّتان توصلتا إلى القضاء على فكرة الفضاء المطلق، والتخلص من اليّقين التام، تمامًا كما تمكنت نظريات التطور الداروينيّة وعلم النفس الفرويدي، من إحداث تغييرات راديكاليّة على مستوى العلوم الإنسانيّة. ولكنها خلفت فراغًا رهيبًا، وفوضى مأسوية، وهو ما يهم “فولبي”.
تبدأ، أحداث رواية “البحث عن كلينغسور” مع انهيار جدار برلين سنة 1989، حين يتذكر السّارد “غوستاف لينكس”، وهو في مكان يجهله القارئ، ولا يتضح أمامه إلا في نهاية الرّواية، تلك السنوات الواعدة لشبابه في ألمانيا، فيردد:”عندما ولدتُ، كان العالم مكانًا منظمًا وكونًا دقيقًا لم تنتشر فيه الأخطاء، و الحروب والألم والخوف(…) القيم التي تعلمانها في ذلك الوقت كانت بسيطة للغاية: الانضباط، والتقشف ، والقوميّة …” لماذا يجب أن يحدث خطأ ما؟ هذا الخطأ الذي أوجده المجانين والمجرمين، فقضوا على مجتمع الرجال الشرفاء، السعداء والأتقياء، خطأ مرتبط بالنازية، التي تعني الشر.
بعدها، ينتقل السَّارد “غوستاف لينكس” إلى ألمانيا بعد الحرب، وبالضبط إلى أكتوبر 1946 ، مع بدء محاكمة القادة النازيين في “نورمبرغ” وسط خراب ما بعد الدمار. لكن أحداثها سرعان ما تعود إلى الوراء، وبالضبط إلى ما يعرف في تاريخ ألمانيا النّازية بمحاكمات “عملية فَال كيري”، وهو اسم الرمز الَّذي اختاره مجموعة من قادة الجيش النازي للتخلص من هتلر، يوم 20 جويلية 1944. فندرك أنّ “غوستاف لينكس” هو أحد الضّباط المشاركين في المؤامرة ضد هتلر بغية اغتياله وإسقاط “الرايخ الثّالث”، ثم فتح قنوات اتصال مع الحلفاء لوضع حد للحرب. وقد تم تنفيذ حكم الإعدام على كل أعضاء المؤامرة، إلا لينكس الّذي نجَا من فصيل الإعدام صدفةً، فيردد قائلا، وهو يسرد علينا أحداث الرّواية:”اقترح أن أقول حبكة القرن. من قرني أنا. وروايتي لكيفية حكم الصدفة للعالم، وكيف نحاول نحن رجال العلم عبثًا ترويض غضب هذا العالم. لكن هذه أيضًا قصّة حياة قليلة، تلك التي عانيت منها بنفسي على مدار أكثر من ثمانين عامًا، نعم، ولكن قبل كل شيء حياة أولئك الّذين، كانوا بجانبي بالصدفة. أحب أحيانًا أن أعتقد أنني الخيط المشترك لهذه القصص، وأن وجودي وذاكرتي – وبالتالي هذه السطور – ليست سوى لمحات من نظرية واسعة لا تنفصم قادرة على فهم الروابط التي وحدتنا”.
“غوستاف لينكس” هو عالم فيزياء. يختاره النقيب “فرانسيس بيكون” (الأستاذ في جامعة “برينستون” والشّاعر الحَالم)، ليُساعده في مهمة البحث عن “كلينغسور” العَالِم الألمانيّ المُتَهم بارتكاب جرائم بشعة، باعتباره المستشار العلمي لـ “الفوهرر”. مهمة “بيكون”، جاءت بتكليف من الجيش الأمريكيّ (وهنا يكمن الجانب المُتخيل في الرِّواية). وحين يتابع “بيكون” مُحاكمات النّازيين في “نورمبرغ”، يستمع فجأة لأحد الشهود، واسمه “فون سيفريس”، يقول إنّ مركز البحث العلمي السري التابع لـ “الـ أس – أس” (الأمن النازي) الذي يرأسه، وبعد اتفاق مع “هيملر”، قام بفحص جماجم “اليهود البلاشفة” للتوصل إلى حل نهائيّ. أثناء استجوابه، أعطى “فون سيفريس” لمحة عن اسم “كلينغسور”، المنسوب إلى مستشار علمي نافذ للغاية ومقرب من أدولف هتلر، والذي يُعتبر المسؤول الوحيد عن التجارب الإجراميّة التي نفذها الرايخ الثّالث. من يكون “كلينغسور”؟ هل هو الشخص الذي يجسد الشر المطلق باعتباره اسمًا موجودًا في مقطوعة “فاغنر” الموسيقية الشهيرة باسم Wagner’s Parsifal ، الّتِّي كان يستمع إليها هتلر دائمًا؟ هل هو رمز العلماء الألمان الَّذين، تحت غطاء حياد العلم، لم “يشاهدوا” الفظائع الَّتيِ ارتكبت من حولهم؟ هل هو موجود حقًا؟ هل ماتَ مع سيِّده (هتلر)، أم أنّه لا يزال يعيش في مكان ما؟ بمعنى أخر، وهنا يكمن ذكاء “فولبي”، هل الشَر موجود دائمًا بيننا؟
ويرافق “لينكس”، النّقيب “فرنسيس بيكون” في عملية البحث، تماما مثلما يرافق “الدكتور واتسون” رجل التحرّي الخاص “شيرلوك هولمز” في روايات “آرثر كانون دويل”. وإذا كان “الدكتور واتسون” هو من يروي أحداث روايات “كانون دويل”، فإن “غوستاف لينكس” هو من يتكفل بدوره بعملية السّرد، تاركًا عملية الاستقصاء المعقدة الغارقة في الفيزياء لفرنسيس بيكون.
تقول رواية “البحث عن كلينغسور” إنّ عصر الحقائق المعصومة من الخطأ، أفسح الطريق أمام فراغ كبير ، وإنّ نظرية الصدفة والفوضى أصبحت تُهيمن على العالم، من منطلق أنّ كل الأشياء في الحياة لا تخضع لمسار منطقي، بقدر خضوعها لمسار تتحكم فيه هذه الصدفة التي تجعل المسار مخيفًا، فكثير من الحوادث الصغيرة سيكون لها عواقب وخيمة على مسار التّاريخ. بحيث أنّ سلسلة من الحالات الطارئة والبسيطة والتّافهة أحيانًا تمنع المتآمرين في “عملية فالكيري” من تنفيذ خطتهم كما أرادوا، وجرى ذلك من خلال مجموعة من الظروف التي لعبت ضد خطتهم. إذ تعطل مفجر القنبلة التي كان من المفروض أن تنفجر وتقتل هتلر، بعد أن تم وضعها على مسافة أبعد بقليل من كرسي الفوهرر. ومع ذلك، فهو كافٍ حتى لا يؤثر الانفجار بشكل خطير على هتلر، وأن يكون مجرى التّاريخ مختلفًا تمامًا.
يأخذ التحرّي المنهجي للمحققين (لينكس وبيكون) مُنعطفًا حاسمًا حين يرسل لهما الفيزيائي “يوهانس ستارك” الشخصية التّاريخية المعروفة، والحاصل على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1919، وعضو الحزب النازي، الذي جعل الفيزياء في خدمة الأمة الألمانيّة، اللغز التّالي: “جميع الفيزيائيين كاذبون”. وإذا ردّد هذه الجملة عالم فيزياء، فإنّ ذلك غير قابل حتما للشك فيها. وبنفس الطريقة، كلما تقدمنا في القراءة، كلما قلّت قدرتنا على الوصول لمعرفة من هو “كلينغسور”، فندرك بأنّ كثير العلماء البارزين –على غرار “هينبرغ”، و” ستارك” و “شرويدنغر”، كان من الممكن أن يكونوا هم “كلينغسور”. ومع ذلك، فإنّ أسباب توقف التحرّي، وعدم الوصول إلى أي نتيجة، إنما تعود لعوامل عاطفية، بحيث قام “بيكون” بتسليم “لينكس” على أساس أنّه “كلينغسور”، دون أن يقدم أي أدلة على الذنب الذي يكون قد اقترفه. وتجعلنا الرّواية بدورها خاضعين أثناء القراءة لفكرة “اللايقين”، من منطلق فيزياء الكم والنسبية التي يستعرضهما “فولبي” فيضعنا أمام نهاية الحقائق المطلقة. إنّ الحقيقة الوحيدة التي ظلت ماثلة أمام “بيكون”، هي أن المُساهمة الوحيدة لعلم القرن العشرين إنما تمثلت في تحقيق ما أسماه البعض بـ “الانتحار الجماعيّ”، أي تدمير البشرية جمعاء. يقول “فولبي”: “يبدأ القرن الحادي والعشرين بنفس المخاطر التي عرفناها في القرن العشرين”. وتصل روايته إلى فكرة أنّ العلاقة الشاذة بين السلطة والعلم نتج عنها انفجار القنبلة الذّرية. أما اليوم، فالتكنولوجيا الحيوية هي سلاح في خدمة الهيمنة الاقتصادية، على حد تعبيره.
في محاولتهم لكشف أسرار الفوضى في الكون أو الطبيعة البشرية، يؤكد العلماء والمفكرون (الفلاسفة) في ثلاثيّة “فولبي” استياءهم من عالم معرض للصدفة والفوضى، بدل خضوعه لليقين والنظام. لم يعد بإمكان الإنسان أن يكون لديه أي يقين في أي مجال، ما عدا أنّ الحقيقة المطلقة غير موجودة، وبالتالي فإنّ كل المعرفة (علمية كانت أم فلسفيّة) قد تقع في الخطأ، وفي النّهاية فإنّ “الإجابات قد تكون عبارة عن أكاذيب”، لأنها تسعى لخلق السيطرة على العالم. ربما تكون هذه هي الرسالة التي يود “خورخي فولبي” إرسالها إلينا؛ فهو يعتقد أنّ الشك، سيشجعنا على أن نكون حذرين من معرفة كل شيء يُفترض على أنّه حقيقة، لأنّه مثل “فرديريك نيتشه” و”ميشال فوكو”، يعرف جيدًا أنّ الحقيقة ليست موجودة في حد ذاتها.
استمر نجاح “فولبي” الأدبيّ، وبرز مرة أخرى حين نشر سنة 2003، رواية أخرى بعنوان “نهاية الجنون”، كمحاكاة ساخرة لأحداث ماي 1968، وتأثيراتها على المثقّفين المكسيكيين عبر البطل الرئيسي للرّواية الذي يجد نفسه في باريس أثناء أحداث ماي 68، فيتحوّل لمثقف ملتزم، يكتشف أعمال “جاك لاكان”، “رولان بارث”، “ميشال فوكو” و”لويس ألتوسير”، فيتأثر بهم. جاءت هذه الرّواية على شكل مزج ذكي بين الرّواية السّياسية والمُغامرة. وهي هجاء شرس للعالم الفكري، وامتداد مكسيكي لرواية “غوستاف فلوبير” “بوفار وبيكوشييه”. في النهاية هي استعارة قاسية لفشل اليسار الثّوري في فرنسا وأمريكا اللاتينيّة.
تبدأ، أحداث الرّواية حين يستيقظ رجل في غرفة فندق من الدرجة الثالثة، ومظهره يشبه المتشرد. لا يعرف مكانه ومن يكون، و ماذا يفعله هناك. ينظر من النافذة فتصله فجأة ضوضاء عالية وصاخبة في الشارع لشباب يتظاهر. إنّنا أمام أحداث ماي 68 في باريس.
هذا الرجل الذي اسمه “هانيبال كيفيدو”، يستيقظ، وهو فاقد للذاكرة. وبغية استعادتها، يقرر قراءة أعمال المحلل النفساني “جاك لاكان”. فيذهب إلى شارع “ليل”. وبالقرب من الرقم خمسة، يراقب خروج عالم النفس الفرنسي الذي جدّد “سيغموند فرويد”، وأعاد له صيته. يقترب من العمارة، فينفتح الباب أمامه. يجد نفسه أمام “لاكان” شخصيًا وهو برفقة فتاة في العشرين من العمر، (يتضح لاحقا بأنها عشيقته) وبعد توديعها، يُقرر “كيفيدو” أن يتبعها، بعد أن شعر بانجذاب مفاجئ نحوها. في هذه اللحظة، ستتخذ حياته مُنعطفًا جديدًا. الفتاة اسمها “كلير”، وهي مناضلة تنتمي لليسار الثّوري، متأثرة بأفكار ماي 68، و متحمسة مثل كل الشباب آنذاك، للتخلص من القيود التي يفرضها مجتمع آبائهم. وهي من أنصار “الثّقافة المضادة” التي انتشرت في باريس بفضل الفلاسفة البنيويين، وتحذوها رغبة ملحة لتحرير غرائز ها المكبوتة.
يقع “كيفيدو” في حب “كلير”، ويصبحان عشيقين. وهي من يدخله في عوالم الفكر المؤثر خلال تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ فرنسا السّياسي والفكري، فتمتلئ ذاكرته التي كانت بمثابة صفحة بيضاء، بالفكر البنيوي، فيُصبح مثّقفًا ثوريا مثلها، في إشارة من “فولبي” إلى تأثيرات الفلسفة البنيوية الفرنسيّة على المثقّفين المكسيكيين، والّتيِ كانت تقدم نفسها لهؤلاء كتّيّار علمي يعتقد أنصاره وأتباعه بأنّهم قادرون على تقديم إجابات جديدة لعالم ما بعد الحرب، للتخلص من كليشيهات العلوم الإنسانيّة، ومن الفلسفة الوجودية.
بعد أن تشبَع بفكر “لاكان”، وأبحرَ فيه، يكتشف “كيفيدو” فجأة أفكار “لويس ألتوسير”، الثّورية، فيأخذها معه إلى أمريكا اللاتينيّة، ويُسافر إلى “كوبا”، للقاء “فيدال كاسترو” الذي طلب منه أن يجري عليه تحليلا نفسيًا. ثم ينتقل إلى التشيلي رفقة “كاسترو” للقاء الرئيس “سالفدور ألليندي” الّذي كان يسعى للاحتفاظ على السلطة والدفاع عن الدّيمقراطيّة. وعلى إثر عودتهما إلى “هافانا” يقرر “كاسترو” طرده من كوبا بعد خلافات نشب بينهما. وهي إشارة إلى الخلافات العميقة بين الزعيم الكوبي وبين جزء كبير من المثقّفين اليساريين بسبب قضية الشّاعر “هيبيرتو بادييَا” الذي سُجن سنة 1971 بسبب قصائده التي رفض من خلالها مسايرة توجهات النظام الأيديولوجيّة. طُردَ “كيفيدو” من “هانا”، فعاد إلى باريس. لكنه اتجه هذه المرة نحو الثّورة الفنّية، مسترشدًا بسيميائيّة “رولان بارث”. لقد ابتعد عن صرخات الثُّوار، مثل نموذجه الجديد، رولان بارت، الذي كان بلا شك المفكر البنيوي الذي شعر بأقل قدر من الاهتمام بالثّورة الطلابيّة في ماي 68. ومع ذلك، وكما توضح الرِّواية، فإن تأثيره على هذا الجيل بأكمله كان واضحًا. إذ مع مرور الأيام، أصبحت مدرسة “بارث” تشبه إلى حد كبير مدرسة “لاكان”. وبعد “بارث” توجه “كيفيدو” إلى فكر “ميشال فوكو “، وبالضبط إلى الجانب الآخر من الشارع. وكتبَ فولبي :”كان رجلا ذا ابتسامة عنيفة، يتلو بأعلى صوته المبرر الأكثر وضوحا للثّورة. فجأة، كما لو كان بحاجة إلى استخدام شخص ما كمثال، وضع عينيه على عيني. راقبهم جميعا. فأشار لرفيقه (لاحقًا اكتشفت أنه جان دانيال) ، مشيرًا إلى جوزيفا وأنا-: إنهم لا يصنعون الثّورة، بل هم الثّورة. لم يستمر المشهد أكثر من بضع ثوانٍ، لكن منذ تلك اللحظة فصاعدًا لم أعد قادرًا على إخراج نظراته من ذهني”. وحين رحل “فوكو” سنة 1985، شعر “كيفيدو” بحزن كبير فقرر العودة إلى المكسيك للاستمرار في نضاله، ومناهضة السلطة غير الدّيمقراطية.
لقد سيطرت النزعة التشاؤميّة على الرِّواية. إذ لا يستطيع خورخي فولبي التحدث عن السّياسة انطلاقًا من الإيمان الراسخ الذي سكنَ أسلافه. فالتّاريخ الأساسي لهذه الرِّواية، والثلاثية برمتها، هو تاريخ عالمي متداخل. لذا تعتمد الرِّوايات الثلاث، كقاسم مشترك، على يوم 10 نوفمبر 1989، تاريخ سقوط جدار برلين، كرمز لنهاية “السراب الأيديولوجيّ”، الأكثر ضررا من النازية والنيو ليبيراليّة. وتعتقد شخصيات “فولبي” الرِّوائية، أنّ هذه الأيديولوجيّة أوجدت في النهاية أساطير خربَت العالم، وأنتجت الفوضى. وتجلى هذا الفشل الذي شهده القرن العشرون، بالخصوص في رواية “نهاية الجنون” في تفضيل البنيويين للعلم على الإنسان، فأغرقته في فوضى مريرة وفي فراغٍ مُخيفٍ، جراء فُقدان الإيمان في القيم. فكان المصير وفق ما جاء في الرِّواية مصيرا مفجعًا تعكسه نهاية “لويس ألتوسير” الحزينة.
في نهاية حياته، يظهر ألتوسير في الرِّواية، كشخصية هشَّة، خالٍ من التركيز ، ضحية للاكتئاب المزمن ولأزمات الفصام. وبعيدًا عن أي تعاطف معه، يتخيل “فولبي” تأمله النهائي، كما يلي :” بناءً على كتاباتي، خططَ مئات الشباب للثّورة في جميع أنحاء العالم. قاتلوا بلا هوادة من أجل إنشاء مجتمع أكثر عدلاً. وخاطروا بحياتهم وأرواحهم لتحقيق مخططات رجل مجنون. كيف تخيلوا أن مصدر إلهامهم هو هذا المجنون؟ وكيف يمكن أن يكونوا قادرين على رؤية أنه وراء نظرياتي كان يختبئ مجرم؟ عند التحقق من حجم عملية الاحتيال، لم يكن لديهم سوى خيار التخلي عن معتقداتهم أو نسيان التزامهم أو فقدان أنفسهم في إخفاء هويتهم، مقتنعين بأنّهم كانوا مخطئين مثلي”.
وحين عاد إلى المكسيك، يلتقي “كيفيدو” بـ “الكومندان ماركوس”، الذي قاد حركة “التشياباس” الثّورية ضد السلطة، ويتبادل معه أطراف الحديث عن فلسفة “ألتوسير” التي قرأها “ماركوس، وتأثر بها. لقاء “كوفيدو” مع “ماركوس”، يجعل السلطة تنظر إليه بعين الشك والرِّيبة. وحين استنكر استمرار الجرائم السّياسية في مقاطعة “تشياباس”، والتزوير الانتخابي وجميع العوائق الأخرى أمام الدّيمقراطية، أثارت الحكومة حملة تشهير ضده، مما دفعه لإعلان فشله.
جاء اختيار “فولبي” للتّاريخين الرمزيين لعامي 1968 (استيقاظ “كيفيدو” في فندق بالحي اللاتيني) وسنة 1989 (سنة وفاته في المسكيك) كإطار زمني لروايته، للتعبير عن فكرة انهيار المثل الثّورية في النصف الثاني من القرن العشرين، أو ما يمكن تسميته بصعود ثم تراجع “يوتوبيّا” اليسار الثّوري الذي انهارت أماله وتحطمت مع سقوط جدار برلين. لقد ترك الشباب المثالييّن والحالمين في عام 1968 أنفسهم ينجرفون في زوبعة ابتلعت أوهامهم، بعد أن أفسدها عنف الحركات المسلحة أو الوقوع في أسر سلطة السّياسي.
في الحقيقة، تطرح الرِّواية مسألة في غاية الأهميَّة، وهي تأثير الكُتب والفكر على الواقع. قد نخطئ، لو لا نأخذ هذا الأمر محمل الجد. ففكر “ألتوسير”، الَّذي تحمس له “كيفييدو”، هو الذي دفع في الأخير، العديد من المثالييّن في ذلك الوقت، إلى خيار العنف المسلح، بما في ذلك “كلير” عشيقته، التي تحولت إلى إرهابيّة. كأن مصير كل شخصيات “فولبي” يُعدُ في النهاية مصيرًا جهنميًا، منذ روايته الأولى “البحث عن كلينغسور”، حيث ندرك في النهاية أنّ “غوستاف لينكس” بدوره انتهى به الأمر إلى الجنون، فيروي قصته وهو نزيل مصحة (وهي في الحقيقة سجن) للأمراض العقليّة في موسكو بعد نهاية الحرب.
في منتصف الطريق بين الرِّواية والمقالة العلميّة، تمزج ثلاثيّة “فولبي” بين الحقيقة والخيال. من أجل هذا “التكيف الخيالي”، اعتمد على عمل بحث مكثف سمح له بإدخال الكثير من المعلومات والحكايات الحقيقية عن اللحظات والشخصيّات الرئيسيّة في تاريخ القرن العشرين. لكنه استمتع أيضًا بإعادة النظر في التَّاريخ من خلال التطفل على الحياة الخاصة لبعض شخصيّاته الحقيقية دون أن يكون لدى القارئ وسيلة لتحديد أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الخيال.

شاهد أيضاً

حوارية النفس والقص :«لعبة الأقنعة» للؤي عبدالإله

عالية خليل إبراهيم العلاقة بين التمثيل الأدبي والتحليل النفسي تجمعُ بين التّحليل النّفسي والتّمثيل الأدبيّ …