عقل سيئ السمعة «لزينب حنفي» المرض النفسي محاكماً المجتمع

حمزة قناوي

يقول الدكتور عز الدين إسماعيل: «إن النَفسَ تصنع الأدب، وكذلك يصنع الأدب النفس. النفس تجمع أطراف الحياة لكي تصنع منها الأدب، والأدب يرتادُ حَقائِقَ الحياة لكي يضيء جوانب النفس. والنفسُ التي تتلقّى الحياة لتصنع الأدب هي النفسُ التي تتلقَّى الأدب لتصنع الحياة. إنها دائرة لا يفترق طرفاها إلا لكي يلتقيا.»1، فالعلاقةُ وطيدةٌ منذ القِدَم بين الأدب وبين الدائرة النفسية للإنسان في محاولتِهِ منذُ القِدَم أن يتصالح مع ذاته، أو بالأحرى «مع الشخص الآخَر الذي بداخِلِه» وفقَ ما يقولُ كارل غوستاف يونغ2، وبعيداً عن تَعقيدات عمقِ العلاقةِ بين الأدب والناحية النفسية للإنسان، وبين كون الأدب تعبيراً في حدِ ذاته عن الصِراعِ النَفسيِّ، أم هو في حقيقته بنيةٌ نصيَّةٌ ناتِجةٌ عن الصِراعِ النَفسيِّ– أي ثَمَرةٌ لهذا الصراع وبدونه لا يوجد أدب؛ حتى أنَّ البَعضَ يَرى النَّصَ الأدبيَّ في النهاية حلماً طويلاً، يجب أن يُحلَّلَ حسبَ طريقة تحليل الأحلام لدى سيغموند فرويد3 في كونهِ تعبيراً عن ذاتِ كاتبه، أو في أحسن الأحوال تعبيراً عن الوعي الجمعي الذي يعاني ذلكَ الصِراع. وعلى خلفيةِ هَذه الرؤيةِ القلِقة ما بين الأدب وعلم النفس تضعُنا الروائيةُ زينب حنفي في مواجهةٍ نفسية منذ بدايةِ العنونة في روايتها «عقل سيئ السمعة»، لتجعلنا نطرح منذ البداية تساؤلاتٍ وطيدة العلاقة بالنص ومداراتهِ:
هل للعقل سمعة؟ وإذا كنّا نعرف أن نسبَ سوءِ السمعة بالنسبةِ للسلوك الإنساني المُتواضَع عليه اجتماعياً له معاييرُهُ الموجِّهةِ، والتي تجنح في مواجهة المنظومة القيمية الجمعية كالعلاقة الحميمة غير المشروعة، أو الكذب، أو غير ذلك من أشكال مخالفةِ هذه المنظومة، فهل ينسحب ذلك على العقل؟ ما الذي يجعل عقلاً ما سيئَ السُمعَة؟ إن الإجابة تأتي من ثنايا الرواية عبرَ مُعطىً واحدٍ هو «المرض النفسي»، وبعد كلِ هذا الزمن من تقدّمِ البشرية عن عقلية القرون الوسطى في التعامل مع الأمراض النفسيّة والعقليةِ، تضعنا زينب حنفي في مواجهةِ سؤالٍ مهمٍ وحتميٍّ: كيف يَنظرُ العالمُ العربيُّ لهذه النوعيّة من الأمراض؟ وماذا عندما يقترن هذا المرض بامرأةٍ؟ هل يصبحُ من حقها أن تجد الحبّ والرّعاية والحنان؟ هل يضيف إلى عذاباتها وقهرها مزيداً من العذاب؟ والسؤال الأكثر جرأة: ماذا عندما يكون هذا الوضع في مجتمعٍ له خصوصيّته المُحافِظةِ تجاه المرأة، كالمجتمع السعوديّ، كل تلك الأسئلة تضعنا الروايةُ في مواجهتِها، وفي مُواجَهةٍ تحليليةٍ لقناعاتِنَا تجاه هذه القضايا من ناحية، وسردِ الممارسات الواقعية وما تتعرضُ لَهُ المرأةُ السعودية، والمرأة العربية المصابةُ بمَرضٍ نَفسيٍّ عامةً في مثل هذه الظروف.
تبدأ الروايةُ من مشهدٍ مُوغِلٍ في الوحدةِ لامرأةٍ تَمضي في حياتِها دونَ رفيقٍ أو شريكٍ يُؤنِسُ وحدَتَهَا، دون شموعٍ لعيدِ مِيلادِهَا- الذي سنَعرِفُ فيما بعد أنهُ العيدُ الثالثُ والثلاثين- وتبدأُ على نَحوٍ يُحاكِي طبيعة المرض النفسي الذي سيهيمن بتفاصيله على جوّ الرواية، تقول الراوية: «لم أحب أحداً في حياتي كما أحببت أمي. ولم أكره أحداً في حياتي كما كرهت أمي. هي تستحق أن أحبها وأن أكرهها في الوقت نفسه. تتأرجح مشاعري بين نقيضين تجاهها. أمي التي كانت سببًا مباشراً لوجُودي في الدنيا، هي كذلك منبعُ تَعاسَتي. معادلةٌ صعبةٌ قد لا يتقبلها الكثيرون!»صـ9
تَتْبَع الروايةُ بنيةَ السردِ الدائري، تبدأ من مشهدٍ تُبدع المؤلّفة في رسم تفاصيله بدقة، وتوطئ للموضع الرئيسيّ للحبكة الروائية، ثم تغوص بعد ذلك في تفاصيل وأحداث وثنايا رواياتها محافظةً على خط التّشويق، والكشف في كلِ منحنىً سرديٍّ مناسبٍ عن معلومة جديدة تغير من طريقة تلقي القارئ لحكمه على الشخصيات، ثم تعودُ في الخاتمة إلى لحظةِ البداية التي انطلقت منها، لتفاجئنا بالنهاية المفجعة والمأساوية للرّواية بانتحارِ بَطلتِهَا التي اختارت لها اسم “وجدان”، «لاحظ علاقةَ الاسم بِمَا يدورُ داخِلَ وجدانِها من اضطرابٍ نفسيٍّ»، وسأعودُ لدلالاتِ الأسماءِ لاحقا.
إذن فهناكَ ثلاثةُ محاورَ مُهِمَّةٍ– من وجهة نظري – في روايتنا هنا، تمضي الرّواية في مساراتها الفنيّة البنائيّة المختلفة، المحور الأول هو: البنية السرديّة واختيار الحبكة وطريقة تقديم أحداث النصّ، المحور الثاني: هو التأويلُ وفَهمُ ما يَدورُ بينَ ثَنايا النصِ من وجهة نظر خاصة بالكاتبة من ناحية، ومطالبة القارئ بأن يراجع وجهة نظره الخاصّة به من ناحية أخرى، وأخيراً المحور الثالث: الحُكمُ على شخصياتِ الرواية، ففي حالة الرواية النفسية تحتلُّ الشخصيةُ وبِناءُ تَفاصيلِهَا وطريقةُ تَعامَلِهَا مع الآخرين، وطريقةُ تعاملِ الآخرين معها أيضاً، تحتلُ أهميةً تَختَلِفُ عن الرواياتِ الاجتِماعيةِ، أو التاريخيةِ وغيرها من الروايات، وإن كانت رواية زينب حنفي مليئةً بجوانب أخرى على قدر من الأهمية؛ إلا أنني سأركز تحليلي هنا على هذه المسارات الثلاثة المحتشدة بعناصر خطابها السرديّ وتفاصيله الثريّة.
بالنسبة للبنية السرديّة فإننا نستحضر مقولة (حميد لحمداني) حول السرد حينما يقول: «القصة لا تحدّد فقط بمضمونها، ولكن أيضاً بالشكل والطريقة التي يقدم بها هذا المضمون.»4، وبالنظرِ للشكلِ والطريقة هنا فإن الرواية تجمعُ بين السلاسة في طريقة التقديم، مع التراكيب وبناء الأحداث والمتواليات السردية بشكلٍ مترابط بين بعضها بعضا، فالبدايةُ من لَحظةٍ تَسبِقُ لحظةَ النهاية بقليل، أي تسبق لحظة انتحار (وجدان) المريضة نفسيًّا بمرض عضال يعرف علميا باسم: «الاضطراب الوجداني ثنائي القطب»، ثم عن طريق الفلاش باك تسترجع (وجدان) من مخزون ذاكرتها وعبر الحكي قصة حياتها، أو بمعنى أدق قصة معاناتها، وهذا الحكي يتمّ على نحو منظمٍ يمنحُ كلّ شخصيّةٍ رئيسيةٍ أثرت في حياتِها متواليةً سرديةً متوالية سرديّة، فهناك متوالية خاصّة بأمها (جميلة)، وأخرى خاصّة بأبيها (حامد)، ومتوالية باسم «خيوط عنكبوتية من الماضي» تتحدث فيها عن جوانِبِها العاطفيّة الذين مرّوا في حياتها وصداقاتها مع زميلاتها أيضاً، واضطرابِ علاقاتها مع والدتها، وكذلك «هبوط اضطراريّ للحاضر» يصوِّرُ محاولةَ التأقلم والتغلّب على المرض قدر الإمكان للعيش في الحياة، ثم متوالية بعنوان «فيرجينيا وأنا» التي تستلهم وتمضي فيها الشخصيّة الرئيسية في الروايةِ على نَحوٍ يُوحي بتداخُل ما بين شخصية الرّاويةِ وشخصية الكاتبة بشكل ما مع السيرة الذاتية لـفرجينيا وولف، وتنتهي هذه المتوالية بالعودةِ لِلَّحظةِ الراهِنةِ من الحكي، للحظة الحسم بالنسبة للبطلةِ فتُقررُ التخلصَ من حياتها إثر مُعاناتِها من هجران زوجها (ضياء) ورحيله عنها.
على هذا النحو جاء البناء الروائي، المعتمد زمنيًّا على تقنية الاسترجاع – فلاش باك، وهو استرجاعٌ مُرتَّبٌ زمنيًّا، قلما نجد تداخلَ وتعقيدات زمنية، وإنما خطٌ زمنيٌ واحِدٌ منذ لحظة ميلاد (وجدان) ثم رحيل أمها، ثم العودة للبحث عن مسيرة والدتها (جميلة) وفجيعتها بمرضها وخياناتها التي تمت بدون وعي أو تحت تأثير مرضها العقلي وتصادف أن رأت ابنتها ذلك، ثم رحيلها – الذي يأتي مضطرباً في ثنايا الرواية، فالرواية تقدم عدة حكايات عن تاريخ وفاة (جميلة) والدة (وجدان)، وعن توقيت وفاتها، وعن طريقة وفاتها، والحقيقة أنه في ظل أننا نتعامل مع الراوية أساساً على أنها مُصابةٌ بالاضطراب النفسي، وبما أننا نعلم سابقا أن صدمةً كبيرةً في حياتها سببها شخصيةُ والدتها (جميلة)، فإننا ننظر لهذا الاضطراب بعين القبول من ناحية، ونرى أنه قُدِّم بشكل يخدم فكرة التشوش داخل عقل المريضة النفسية (وجدان) من ناحية أخرى.
وهنا نأتي لنقطة التأويل، ونشير إلى ما يقوله (محمد عزام) حول أحد النقاط الجوهريّة في طريقة تلقي النص، ألا وهي «مظاهر الواقع التي يمكن أن تصور في النص»5، ماذا لو كانت القصّة المقدمة هنا هي واقعة حقيقية عن ذات حقيقيّة؟ ونحن نشاهدُ إنسانةً على وشك الضياع والتلاشي وفقدانِ حياتِها دونَ قُدرتِنا على تقديم يد المساعدة والعون لها، وكأننا شهود على جريمة قتل نشارك فيها بشكل أو بآخر، وقد اختارت المؤلفة لبطلتها أن تكون مريضة بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب (Bipolar Disorder)، وهو مرض يتم تعريفه بأنه: «اضطراب نفسي شديد، ناتج بشكل أساسي عن خلل في الموصلات الكيميائية بالمخ، ويظهر في صورة تقلب مرضي في المزاج والعاطفة ومستوى النشاط»6، فمريض هذا الداء يتقلب بين كفي الرحى، من أقصى النقيض إلى أقصى النقيض، من فرط النشوة إلى حد الهوس، إلى أقصى نواصي الحزن حتى الإقدام على الانتحار، ويتسبب في معاناة ضخمة لنفسه، ولمن حوله. وبجانب قضيّة حق المريض النفسي في الحياة، وفي الحصول على العلاج النفسي المناسب، وفي توفير الدولة الرعاية له، وهو أمر مُنتقصٌ في دولنا العربية، سواء على مستوى الوعي العام لدى شعوب الدول العربية، التي أيسر لها أن تعزو مثل هذه الأمور إلى الجن والدجل والشعوذة، فإن بعداً نسويا تلقيه (زينب حنفي) على معاناة هذا المرض، بتقصي حياة فتاة سعودية، تطاردها لعنة سمعة والدتها المجنونة، التي انتقلت إلى جيناتها سمات مرض والدتها، فأصبحت من ناحية تحميل ميراث السمعة الذي تركته لها والدتها، ومن ناحية أخرى صارت تحمل بين طيات دمها ولحمها بذور جنونها ومرضها، فكيف لها أن تنظر لأمها، التي في لحظة أشفقت على مصير ابنتها فأرادت أن تنهي معاناتها بقتل ابنتها حتى لا تلقَى معاناةً مثلَ مُعاناتها لكنها لم تفلح في ذلك.
تضيف الكاتبة لمعاناة هذا المرض الرغبة في الحب، وأثر فقدان الحب لدى (وجدان) على حياتها، تقول: «ليس أصعب على المرأة من أن تبحث عن الحب في عيني من أغرمت به، فتجد حدقتيه باردتين كالبلورتين الزجاجيّتين لا روح فيهما. أتعرفين لماذا آثرت الرحيل؟ لأنني وددت أن أصطحب معي الحب الذي أمدّني به زوجي طوال السنوات التي عشتها معه. قرّرت الرحيل قبل أن يتحول حبي له إلى احتياج…» صـ129، والحقيقة أنّنا لا نعرف ماذا يمكن أن نتخذ من مواقف تجاه هذه المعاناة، وهذه المواقف، وتوظيف الكاتبة لشخصية وجدان نافذةً تستعرضُ من خلالها بعض المشكلات المجتمعيّة التي تنخر في جسد البنيان الاجتماعي للمجتمع، فنع محاولات الكبت الظاهرة في العزلة القسرية المفروضة قانوناً بين الرجال والنساء، وفكرة عدم الاختلاط، إلا أن المخفيّ تحت السطح من وجود العلاقات الآثمة ليس بالأمر الهين، أو ما يمكنُ غضُ الطرف عنه، وتنتج عنه عذابات أخرى لشخصيات تعاني نزواتِ أهلها، كالمثال الذي ضربته الكاتبة بشخصية (سهى) التي هي حصاد نزوات والدها مع أمها -ذات الاحتياج للمال- وأسفر الأمر عن إصابتها بالمرض النفسي، ومعاناتها كآبة الوحدة وكراهية والدها، حتى أنهت حياة والدها بطلقات من مسدسها، لتقضي بقية حياتها في المصحة النفسية.
إذن؛ إن كان مرض «ثنائي القطب» يلعب الجانب الوراثي أثرًا فيه، فإن ما أصاب (سهى) هو حصادٌ محضٌ للخلل الاجتماعي، دون إغفالِ أثرِ الخلل الاجتماعي على حالة (وجدان). إذن؛ ورغم انغلاق الرواية على محيط (وجدان) حتى لتصبح كأنها سيرة ذاتية لها، فإنها لا تغض الطرف عن الواقع الذكوري السعودي الذي أرى أنه بحاجةٍ ماسّةٍ إلى طرح قضاياه بقدر من الحرية والانفتاح على مشكلاتهِ الاجتماعية التي تؤذي نفوس كثيرٍ من الفتيات والنساء اللواتي يكتوين بنار هذه الممارسات.
جئنا الآن إلى النقطة الثالثة، وهي الحكم على الشخصيّات، فإن تصاعد عملية التأويل، وفي محاولة قراءة معنى المعنى والرسالة المشفرة في ثنايا النص، فإنّ الرّواية هي بالأساس محاولة تقديم نماذج إنسانية لوقائع مصيرية تتحدَّد عبر السلوك الجمعي لمجمل ممارسات المجتمعات العربية عموما، والمجتمع السعودي خصوصا، ثم يلي ذلك ممارسات شخصيات الرواية على نحو التّخصيص من بين هذه المتغيّرات الاجتماعيّة، التي إن كانت تتيحُ واقعًا يجعلُ من حياة المريض النفسي – لا سيما إن كانت امرأهً – أمراً صعباً من ناحية، وكون هذا الواقع يقف بطريقة ميكانيكية أمام تحقيق عامل الحب والعشق والتواصل العاطفيّ الحقيقيّ بين الرجل والمرأة من ناحية أخرى، فإن الواقع أفضى ببطلة القصة إلى الوحدة وتخلي البشريّة عنها، وإلى مواجهتها مصيرِها بالصمت الأبدي في مواجهة أي فعل قابل لتحقيق ذاتها وإثباته، ومع أنّها فكّرت وحاولت أن تصبح أديبة – في إشارة واضحة لحضور الأنا الثانية للكاتبة على ثنايا النص – إلا أنها لم تفعل ذلك، ولم تقم البطلة بتأليف حتى قصتها، بل بعد المضي في نهاية ثنايا النص نعلم يقيناً أن من ألّفَ هذا النص هو الروائية (زينب حنفي) عن صاحبة المعاناة القاسية (وجدان)، حتى إنّ الخاتمة تشهد تدخلاً تقنياً من قِبَلِ المؤلفةِ فيأتي على النحو الآتي: «كانت تلك آخرَ رسالة كتبتها وجدان لضياء قبل أن تودع العالم. وضعتها بجوارها على المنضدة كتبت على الظرف بخط يدها: (إلى حبيبي وزوجي الغالي.. ضياء) لبست منامتها البيضاء الشفافة التي ارتدتها ليلة عرسها. تمددت على سريرها… راحت في سبات الموت»صـ183.
بالطبع كان من المستحيل أن تحكي (وجدان) عن نفسها في موتها، وإن كنّا شاهدنا بعض الروايات التي تحكي فيها شخصياتها بعد وفاتها، لكن ذلك يخرجها من إطارِ الواقعية إلى الفانتازية، والكاتبة تريد لروايتها تحقيقَ أكبر قدر من الواقعية، ومن ثم تدخلت في النهاية لكي تحكي المشهد الختامي، وإيغالاً في اثبات وجهة نظر نسوية لديها، لم نعرف على نحو اليقين رد فعل (ضياء) تجاه هذا الحدث المفجع، لا نعرف سوى أنه انتحب نحيباً مكتوما وأخذ يئنُ، ومع ملاحظة أن الرواية استفاضت في استبطان كثيرٍ من جوانب الشخصيات، إلا أنها أبقت شخصية (ضياء) قيد الكتمان والغموض، لا نعرف على وجه اليقين ما الذي جعله يقبل باستمرار زواجه من (وجدان) رغم معرفته بحالتها، هل كان حباً؟ أم شفقة؟ كان حلم (وجدان) أن تجد شخصية مثل شخصية والدها (حامد) يقدم لها الوفاء والتفهم والمسامحة مثلما فعل مع والدتها، لكن حظّها لم يكن على قدر حظ والدتها، وإن كانت قد أقرّت بمقدارِ المعاناة التي تعرض لها والدها، وهو ما أسهم عن تفهمها لموقف (ضياء) وعدم اتخاذها موقفاً مستاءً منه.
لقد كانت اختيارات المؤلفة لأسماء الشخصيات، لا سيما لأسماء الذكور على نحو وظيفيّ يعكس حكماً ضمنيًّا على موقف كل شخصية من وجهة نظر (وجدان)، فـ(سيف) هو من أوجعها مباشرة وواجهها بالحقيقة مبكراً أنه لا يمكن له أن يفكر في الارتباط أو الاحتفاظ بأي مشاعر ناحيتها نظرا لظروفها وحالتها النفسية وتاريخ والدتها المرضي – كان ذلك قبل ظهور أي أعراضٍ عليها – فكأنما ضربها بقسوة بسيفٍ في كرامتها، و(يوسف) هو الذي رأت فيه الجمال وشعرت معه بكثيرٍ من العواطف المهتاجةِ الشبِقة، وإن كانت حياتها تنتهي معه بإنهائه الزواج وعدم قدرته على تحمل حالتها المرضية، أما (ضياء) حبها الختامي الذي وقف معها وتحمّل نوبات مرضها، لكن على النقيض كان لديه قراران حاسمان، الأول ألا يحضر ابنه (حسن) إليها، لأنّه يخشى أن تضره دون أن تشعر، والثاني: عدم الإنجاب، حتى لا يكون له ذريةٌ تحمل هذا المرض، ويعاني معه، لكنه قَبِلَ بشهامةٍ مُنقَطِعةِ النظير أن يتحمل حالتها، وأن يقدم لها الحُبَ والرِعايةَ قدر المستطاع، فكان ضياء حياتها، الذي لم تتحمل أن تعيش بدونه عندما غضب منها ورحل، ومن هنا كانت تسمية الشخصيات- لا سيما الذكور- في الرواية دالةً ومُعبّرةً بطريقةٍ يُمكِنُنا منها الحُكمُ على موقف كل شخصية من خلال اسمها، وسيكون على القارئ أن يتخذ موقفه الشخصي من كل شخصيّة، ويقيم من وجهة نظره الخاصة سلوكَ كل شخصية ويحكم عليه وفق منظومة القيم الخاصة به.
إن رواية “عقل سيئ السُمعة” رغم محاولتها تقديمَ نَظرةٍ نَسويةٍ، مُتداخلةٍ مع الناحية النفسية، واعتماد مرض «الاضطراب الوجداني ثنائي القطب» المحور الأساسي للرواية، متداخلة مع النسوية لكونه أصاب امرأة، وتناولها قضايا “المسكوت عنه” في مجتمعٍ محكومٍ بالخفاءِ والتستر، كل عناصر الجدة والاختلاف هذه لم تكن كافيةً لخلقِ روايةٍ متماسكةٍ أو عملٍ مقنعٍ من الجانب الفني، فهناك الكثير من النقاط التي قللت من إمتاعيّةِ النص، أو لم تكن مناسبة في موضعها، ونقاط أخرى ربما لو تم الانتباه إليها لتغيّرت القيمة الفنيّة للرواية لتصبح أكثر قيمة بكثير عن وضعها الراهن، ولعل أولى هذه النقاط هو التساؤل: لماذا لم تقدم لنا الكاتبة نموذجاً موازياً لـ(وجدان) من الذكور مصابًا أيضًا بمثل هذا المرض، وكيف كان سيتعامل معه المجتمع؟ فمثلما يُمَثِّل المرض النفسي مشكلة ومعضلة للنساء، يكون كذلك الحال أيضاً بالنسبة للرجال، فلو افترضنا أن (وجدان) في مسيرتها تقابل مثلها من المصابين بهذا المرض من الذكور- كخلفيةٍ طبيعيةٍ ومنطقيةٍ للسرد- لأعطى ذلك للرواية قيمة إضافية.
الأمر الثاني، رُغم كون مرض الاضطراب الوجداني هو العقدة الأساسية في الرواية، فإنني أعتقد أن الكاتبة لم تبذل جهدها لتقصّي تفاصيل المرض وتعريفنا به- وبمدى حدّته التي تواجهها البطلة- في سياق النص، فكان يمكن تسليط بعض الضوء عليه، بشكلٍ يُؤثّرُ في تلقي القارئ تجاه هذا المرض، خاصة أنه من الممكن التعايش معه، وفق كثيرٍ من الدراسات الحديثة، ومن ثم فإن انتحار (وجدان) في اعتقادي مثَّلَ نِهايةً مَجانيةَ القيمة بالنسبة للتلقي، فلم نرها تبذلُ جهدها الكافي للحفاظ على حبها من (ضياء)، فقد آثرت الاستسلام والرحيل، دون محاولة كبيرة للتغلب على اضطرابات ذاتها بمواجهتها، كنّا نحتاج- على الأقل- رؤيتها وهي تحاول ذلك، وإذا فشلت فيه يمكننا قبول مبرّر انتحارها، وهو ما قد نراه ساعتها قد وقع إشفاقًا على (ضياء)، لكن بطلة الرواية وصلت لليأس سريعا، ورحيل (ضياء) عنها جاء أكثر سرعةً! لقد فهمنا من سياق الأحداث أن (ضياء) بدأ يتقبل حالة (وجدان)، وهو بالتأكيد قرأ عنها وفهمها وعرفها، ومن ثم نرى معاقبته لها، باختفائه من حياتها، لأنها قررت الإنجاب، غيرَ مُبررٍ فنياً، إن شعوراً عاماً يتسرّبُ لدى القارئ أن الرواية تم تعجُل نهايتها وإنجازها بشكلٍ سَريع قبل أن تكتمل فنياً بنفسِ الجودة الإبداعية التي بدأت بها.
وفي تصوّري أيضاً، أن الرواية خلت من وجودِ شخصية داعمة كان من الواجب حضورها بجوارِ (وجدان)؛ صحيح أنها عوضت ذلك بشخصية صديقتها المصرية في نهاية الرواية، لكنّنا كنا بحاجة لرؤية شخصية تتحرك وتتحاور مع (وجدان) في مسيرتها، حتى نصل للحظة النهاية متفهمين وحدتها، خاصة أنها بدأت من صخب يُوحي بأن هذه الشخصية قد عاشت جوًّا من الاحتفالات ومن الأفراح كانت تتهيأ له، ولكنّها الآن تفتقده، تقول في بداية روايتها: «أين شموع ميلادي، لا أسمع أحداً يغني لي Happy birthday to Wijdan. (…) لماذا لم يحضر لي أحد كيكة عيدي؟ أعشق قالب الحلوى المحشوّ بالكراميل، غداً سأوصي على واحد كبير. سأدعو كل من أعرفه لحضور حفلتي. سأرتدي فستاني الزهري.»ـ صـ10
فمن الذي كان يُعِدُ لها كل هذا إذاً؟ إن انقطاعا سرديّا عن هذه التفاصيل يأخذنا بعيداً عن مسارِ الحكي، وبعكس ما أفردته الكاتبة من مساحة كبيرة لحياة (وجدان) الأولى كانت المساحة المفرودة لحياتها في نهايتها أقل وأصغر، الاهتمام بالتفاصيل والتروّي في الحكي عن والدها وأمها، أكبر بكثير عن الحكي عن (ضياء)، فهل لذلك سبب؟
كنت قد أشرت لظاهرة التشويش الحكائي في الرواية، عندما ذكرتُ أنهُ تمَّ تَقديمُ تاريخين مختلفين لوفاة والدتها، وتقديم طريقتين مختلفتين لذلك أيضاً، وقلت إن هذا مقبول في إطار أننا نتلقى الحكاية عن مُضطربةٍ نفسيًّا، ومن ثم فإن التشويش في خط سير الأحداث ودقتها يكون مقبولاً، وأحيانا ينجح البعض في توظيف ذلك فنياً، فيظهر الأمر أكثر قلقاً واضطراباً حكائياً عندما تكون الشخصية مأزومة أو متوترة أكثر، ويخف ذلك كلما كانت سعيدة، لكن بخلاف ذلك فإننا لا نجد أثراً لاستخدامِ التَشويشِ هنا، ومن ثم فقد يكون الحكي عن اختلاف تواريخ وكيفية وفاة الأم اضطراباً في الحكي ذاتِه، وقد تكون سرعة الإيقاع في إنهاء الرواية، ونقص مساحة السرد عن (ضياء) رغمَ احتلالهِ مساحةً مهمةً من التأثير في حياة (وجدان) كل ذلك أضرَّ بفَنيّةِ الرواية وقلَّلَ من قيمةِ إمتاعيّتِها.
أيضاً رغمَ أنه كانت تأتي إشارات لزيارة الطبيب في الرواية، إلا أنّ دوره هامشيٌ، أعتقِد أن مثلَ هذا النوع من الروايات يحتاج بداخله لظهور شخصية الطبيب وتدخله أحياناً في مسار الأحداث، خاصة أنه في بعض الأوقات – ومع مثل هذا النوع من المرض الذي اختارته المؤلفة – كان الطبيب يأخذ حق الوصاية العلمية والسلوكية على المريض في إصدار القرار، فيحتجزه في المستشفى، أو يقرر ما إذا كان يمكن له الزواج من عدمه، كل هذه الأهمية لدور الطبيب تظهر بدون تأثير تقريباً في مسار الحكي، وهي نقطة أعتقد أنها أثرت سلباً على الرواية.
إن الشكل الذي اختارته الكاتبة لروايتها، هو شكل المتواليات السرديّة الذي ارتبط بالشخصيات، فكانت تقدم التفاصيل من وجهة نظر إحدى الشخصيات، كيفما رآها، ثم تنتهي عند نقطة معيّنة، ليبدأ شخص آخر الحديث، حتى يصل لهذه النقطة، ويقدم لها رؤية أخرى ومنظوراً آخَر، وهو ما يجعل موقفاً مثل خيانة والدة (وجدان) لأبيها مع أحد أصدقائه، تحت تأثير الخمر والمرض، هو الحدث الجوهريّ الذي شرخ حياة (وجدان)، وبما أننا نُشاهد هذا الحدث في تأثيره العميق على (وجدان) فإنّني أعتقد أن الرواية كانت ستصبح أكثر ثراء لو اتّبَعَت خطَ التوالي الحكائي، وليس المتواليات، فبرغم تشويقية المتواليات، فإنها حَتَّمت خط الاسترجاع، فأصبح من الصعب على الراوية كثيراً أن تروي ما يحدث الآن، غالباً تروي ما حدث في الماضي، فأفقدها ذلك خطّ الإدهاش في المشاعر وفي تقديم لحظةٍ تُفاجئُ القارئ فنياً.
النقطة اللافتة أيضاً: هل يناسب كل هذا الاسترجاع الدقيق، والضارب في تذكر التفاصيل، مريضةً نَفسياً- ومعروفٌ طبياً أن من علامات ومتلازمات مرض الاكتئاب، ضعف الذاكرة وعدم تذكر الأحداث المهمة؟ ألم يكن من الأفضل أن يكون خط الأحداث للأمام بدلًا من العودة للخلف، خاصة مع حالة تعاني الاضطراب، ومن الحمّى الانفعالية التي تصلُ إلى حدِ الهوس، لماذا لم تُوظّف الكاتبة اضطرابات (وجدان) الانفعالية في طريقة الحكي نفسها؟ أو تحاول التجديد واستخدام أسلوب التجريب في الكتابة، بالقدر الذي يتناسب مع مرض طبيعته أن مريضه بين قطبين نقيضين: إما في قمة النشوة والسعادة، أو في قمة التعاسة، وفي الحالتين يعاني الهوس؟
ربما كانت محاولة الكاتبة للتغلب على هذه الجزئية هي استخدام تقنية الراوي الخارجي، الراوي العليم الذي يحكي عن كل شيء ويعرف كل شيء، وهو راوٍ لا نعرف بالضبط- حتى هذه اللحظة- علاقته بالشخصية الرئيسية (وجدان) ولا بكل شخصيات الرواية! إنه راوٍ يستطيع الدخول لأعماق الشخصيات والحكم عليها، ويعرف حتى ما تعرفه هذه الشخصيات من انطباعات عن بعضها بعضاً، كان القرار في اتخاذ راوٍ كهذا يحاول أن يعالج ما وضعته فكرة الحكاية من خلال الاسترجاع الزمني من ضرورة أن يكون الراوي قوي الذاكرة، قادراً على ربط الأحداث والتعليل للقارئ، وهو ما أفقد خطاً كبيرا من تحقيق المتعة باستخدام ووصف نوبات (وجدان) من الهوس، ولذلك اضطر هذا الراوي أن يُكمل الحكي حتى بعد وفاة بطلة قصته الرئيسية والأساسية، اضطر أن يُكمل الحكي بعد انتهاء الرواية ذاتها!! تقول: «كانت تلك آخر رسالة كتبتها وجدان لضياء قبل أن تودع العالم (…) راحت في سبات الموت، في اليوم التالي، دخلت الخادمة عند الظهيرة للاطمئنان إليها، ألفت صفحة وجهها مصفرة مدهونة بصبغة الموت …»صـ183
لم يكن من مبرر لاستمرار الحكي بعد موت (وجدان) اللهم إلا محاولة الإشارة لحزن (ضياء) عليها، ومن ثم فإن البداية الجامحة التي بدأت بها الرواية، تلاشت مع الخاتمة التي كنت أتمنى أن تجد لها المؤلفة شكلاً أفضَل من هذا.

شاهد أيضاً

شهرزاد السّرد العُماني ذاكرة البدوي وانتهاك التابو فـي إفك لبشرى خلفان

أحمد ضحية* «قد أخشى إعلان بعض آرائي، لكن يستحيل أن أقول شيئًا لا أعتقد بصحته» …