فكر بلغتك، واكتب بلغة الآخر ليس ثمَّة هويات نقية.. الهُجنة مفتاح العصر القادم

محمد الشحات


بين فترة وأخرى، تتردّد جملة من الأسئلة حول هويّة النقد العربي المعاصر من ناحية، ومرجعيّات الناقد من جهة ثانية، ووقوع خطاب النقد الأدبي ذاته بين مطرقة الأفكار المستوردة وسِندان الخطاب التراثي الذي أنتجته ظروف غير ظروفنا الراهنة من جهة ثالثة. وهي أسئلة لا تتجاوز في ظنّي أسئلة التراث والحداثة التي طرحها المثقّف العربي منذ القرن التاسع عشر. لكن، يبقى السؤال حول إمكان نشوء نظرية نقدية عربية من بين جملة الأسئلة التي اعتدنا سماعها كل فترة، كأنّها لازمة من لوازم التحوّلات الإرشادية التي تطرأ على نظريات العلوم الإنسانية التي تمتاح منها مناهج النقد في العالم وتيّاراته الجديدة. وليس من الغريب أن يكون طرح هذا السؤال على الواقع النقدي العربي الراهن متزامنًا مع تصاعد مدّ النقد الثقافي وشيوع أدوات الدراسات الثقافية في كل بلدان العالم؛ إذ لم تعد النظرية «هنا-الآن» هي ذاتها «النظرية» (بحروف مكبَّرة) التي أُنتِجَتْ ومُورِسَتْ في القرن الماضي. أقصد أن ثمّة تحولات معرفية وفلسفية (باراديجمية) طالت مبنَى النظرية ومعناها؛ أي طالت قاعدتها وأعمدتها وطبقاتها ونوافذها في حقبتي الحداثة Modernism وما بعدها Post-modernism. من هنا، يحقّ لنا أن نتشكّك في معايير النظرية ذاتها التي لخّصها جوناثان كولر(1) ببعض الاطمئنان غير المُريح في أربع نقاط هي: -1 النظرية خطاب معرفي بينيّ. -2 النظرية تحليلية وتأمّلية. -3 النظرية نقد للإدراك المألوف ونقد للمسلّمات. -4 النظرية انعكاسية؛ أي إنها تفكير حول التفكير، سواء في مجال الأدب أو في أية ممارسات خطابية أخرى. واللافت للنظر أن مُحدّدات كولر السابقة للنظرية تُحيل إلى فضاء حداثي يمتاح في مرجعيته الفلسفية من مفهوم «النصّ» ذاته الذي تشكّل في سياق بنيوي؛ أي بوصفه تجليّا فينومينولوجيا للبنية أو النظام في تصوّر الحداثة للفنون والآداب. أما النظرية منظورا إليها من زاوية ما بعد الحداثة فإنها ترمي إلى استقطاب منظومة مفاهيميّة مغايرة تتصل بالأنساق المضمرة وفلسفة التشظّي وتعدّد الوعي أو الوعي المنقسم ولامركزية الدلالة وإرجاء المعنَى وتشتّته. أي إنها سوف ترتبط بـ»اللا بنية» أو الفوضى أو التفكيكية العدميّة، كما ترتبط بالهامش لا المتن، بالثقافات الجماهيرية لا ثقافة النخبة أو الثقافة العُليا.
إن النظريّة التي تشكّلت ملامحها في فضاء الحداثة Modernism (الذي يُشار به غالبا إلى الكلاسيكية الجديدة Neo-Classical والتنوير Enlightenment الذي يُولي دورًا كبيرًا للعقل أو العقلانية أو السببيّة العلمية، وكل ما يؤثر في فهمنا للظروف البشريّة) على أيدي كُتّاب نوعيين ونُخبويين من أمثال ت. س إليوت وجيمس جويس وإزرا باوند وفرجينيا وولف ومارسيل بروست وغيرهم- قد تمّ تجاوزها زمنيا على أقل تقدير في مسار التأريخ الثقافي لحركة النقد المعاصر في الغرب. لقد انفتحت النظرية الأدبية والنقدية في القرن الواحد والعشرين على دراسات الجنوسة والأنواع البينيّة ودراسات المثليّة والشذوذ الجنسي والنقد البيئي والدراسات الثقافية والتاريخانية الجديدة. ولأن النظرية المعاصرة قد فتحت نوافذها العليا على سماء ما بعد الحداثة التي تُحلّق فيها مقولات ايهاب حسن وفريدريك جيمسون وإدوارد سعيد وفرانسوا ليوتار وجاك بودريارد وجاك دريدا وآخرين، فقد تغيّرت من ثمّ ماهية النقد ذاته أو قاعدته المعمارية؛ فغدا ممارسة حرّة للأفكار والثيمات والبِنَى ولعِبًا طليقًا بالدوال والمدلولات بعد أن كان تطبيقا لإجراءات واضحة أو شبه واضحة في نصوص تتضمّنها مقرّرات الطلاب في الجامعات والمعاهد. في هذا السياق، ارتبطت الممارسات النقدية الراهنة (وأغلبها ممارسات قامت على مقاربات سردية بالضرورة) بهموم الأقليات والمهمّشين وخطابات ما بعد الاستعمار ودراسات الهويّة، وغيرها من موضوعات تراهن على قدرة النقد على استيعاب تحولات المجتمع المعاصر وتبدّلات نماذج المعرفة ووسائط الفنون الجديدة، واستعادت الثقافة الشعبية folk-culture بؤرة الضوء من جديد في متن الخطاب النقدي الراهن.
من ثمّ، أصبح رهان الخطاب النقدي الجديد (و كل خطاب ثقافي جديد أو حداثيّ يجب أن يكون طليعيّا Avant-grade بدرجة ما؛ أي ما بعد حداثيّ) مُنْصَبًّا على ثقافة الناقد نفسه؛ على أدواته الخاصة ومرجعيّاته وخلفياته الفلسفية ومهاراته اللغوية وقدرته على صنع حبكات محكمة من المراوغة واللعب، الظهور والاختباء، المناقشة الحِجَاجيّة وتمرير الخطابات والأنساق المضمرة تمريرا ناعما، حيث يشارك الناقدُ المبدعَ ميراث التقاليد الأدبية والأعراف الثقافية للعصر الذي ينتميان إليه معًا. لنقل بالمعنى المباشر أو السطحي، إنه ليس ثمة موت نهائي أو حاسم للنظرية، ولن يكون؛ إذ لا موت للمنهج أو للنقد وفق هذا التصور الساذج أيضا، بل دورة حياة أخرى من دورات البعث الفينيقيّ المتجدّد، مَفْهَمة جديدة للأشكال والوظائف، تبادل للأدوار في عمليات الخلق والتأثير والتأثّر.
[من ثم، لا أظن أن ثمة ضرورة لوجود «نظرية نقدية عربية» بالمعنى المباشر؛ لأن للدراسة الأدبية المعاصرة خصوصيتَها التي تجعلها غير قابلة لأن تتقيَّد بنظرية بعينها].
في فضاء يتّسم بالتحولات المُتسارعة التي تضع «السرديّات» في قلب النظرية المعاصرة ونظريات ما بعد الحداثة، يحقّ لنا الحديث عن «سرديّات عربيّة» كبديل للحديث عن «نظرية نقدية عربية». وهو بديل مشروع من وجهة نظري؛ لأن القفزة المعرفية التي شهدتها السرديّات العربية في السنوات العشرين الأخيرة (ويمكن الاستشهاد بكل من سعيد يقطين وعبد الله إبراهيم على سبيل المثال) كانت هائلة، ولا تزال موجاتها تتتابع في كل البلدان العربية، وربما لن تتوقف حتى تتمخّض عن مُكوِّنات (نظرية) عربية الصنع والمرجعيّة. أقصد إلى تراكم الوعي النقدي العربي الذي اشتغل به عدد كبير من النقّاد والباحثين العرب، منذ تسعينيّات القرن الماضي، بغية إجراء مقاربات منهجيّة مختلفة لنصوص الأدب العربي. وهو ما أنتج تراكما نظريا وأداتيّا واضحا لديهم، سواء تمثّل في مقاربات ذات مرجعيات بنيوية أو سيميولوجية أو (مؤخرا) ثقافية أو غيرها. لكني أتصوّر أن الرهان الأكبر الذي سيواجه المشتغلين بالسرديات العربية في السنوات القادمة هو مدى استيعاب أجهزتهم النقدية دقّة التحوّلات المعرفية الحادّة التي تمرّ بها العلوم الإنسانية في العالم، وتحوّلات مذاهب النقد الأدبي وتيّاراته ومرجعيّاته الفكرية الأكثر حدّة وتسارعا. ولا أرى الناقد العربي المعاصر إلا مُطالبًا بمتابعة موضوعية دقيقة للنصوص العربية الجديدة أولا، ومطالبا بمتابعة تحوّلات مفاهيم السرديات العالمية ونظرياتها والإسهام فيها ضمن الفضاء العام لحركة النقد العالمي ثانيا، ثم مواكبة الحركات الاجتماعية والثقافية والسياسية من حولنا التي تشتبك مع السرديات العربية بأشكالٍ شتى من التفاعل والتناصّ والحواريّة. باختصار، لا يمكن الزعم ببساطة بموت السرديّات البنيوية بين عشيّة وضُحاها، كما لا يمكن في الوقت ذاته الزعم ببقائها على صورتها الأولى التي بزغت بها إلى الوجود منذ الستينيات الأوروبية. لكنّ بقاءها -كبقاء أية نظرية معرفية- مرهون بمرونتها وصمودها وقدرتها على التحول والاندماج بنسب متفاوتة سواء مع السرديات السيميولوجية أو السرديات الثقافية أو السرديات الرقمية. في فضاء ما بعد الحداثة، ليس ثمة ثوابت جامدة، ولا كيانات مستقلة، ولا هويّات نقيّة. الهُجنة هي مفتاح العصر القادم. والسرديّات الجديدة، أو سرديّات الما بعد (ما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية، ما بعد الكولونيالية، ما بعد الماركسية، ما بعد الفرويدية، ما بعد النسوية، ..إلخ) ربما تكون هي «باراديجم» الزمن الآتي.
في هذا الفضاء المتخم بالتوتّر والفوضى واللايقين، هل يستطيع النقد الثقافي، أو أنموذج الناقد الثقافي، استئناف مشروع التنوير العربي الجديد؟ وفقًا لطموحات النقد الثقافي العربي الذي بدأ في التشكّل حثيثًا، هل يمكن أن يقدّم النقّاد العرب الجدد في السنوات العشر أو العشرين المقبلة (وأنا أفكّر هنا في الخطاب النقدي المصري كعيّنة دالّة على سبيل المثال) ما يجعلهم امتدادًا أصيلا لمشروعات طه حسين ومحمود أمين العالم ولويس عوض وشكري عيّاد ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور في مسار الدراسات الأدبية والنقدية من جهة أولى، أو امتدادا لجهود جمال حمدان وعبد الوهاب المسيري في مسار الدراسات الثقافية من جهة ثانية؟ وما صورة ذلك الناقد العربي بعد عشرين أو خمسين عاما؟ وما طبيعة التحديّات التي سيواجهها؟
[في هذا السياق، يمكن القول إن الممارسات العربية في مجال السرديّات على وجه الخصوص يمكن النظر إليها بوصفها بوادر لنظرية عربية، لا بالمعنى المباشر للنظرية، بل بمعنى القدرة على مشاركة «الغرب» في تطوير النظرية النقدية العالمية، بيد أن الكتابة باللغة العربية وحدها ستظل عائقا أمام انتشار هذه الكتابات خارج السياق العربي].
يذهب جابر عصفور في واحد من كتبه المتأخرة إلى مناقشة (تحديّات الناقد المعاصر)(2) من خلال تبنّي أنموذج إدوارد سعيد(E. W. Said (1935- 2003 ، في فهم الممارسة النقدية برمّتها، عبر مستوييها التنظيري والتطبيقي. في تصوّر جابر عصفور الموضوعي، لا يتأتّى لأي ناقد، عربي أو غير عربي، أن يمضي طويلاً في مناقشة مَهَمَة أحد الأنواع الأدبية أو الفنيّة، كالشعر أو القصة أو الرواية أو غيرها من أنواع الأدب والفن عامة، من دون أن تكون لديه مفاهيم أكثر شمولًا عن مهمّة الإنسان وموقفه من الحياة والواقع، فضلاً عن علاقة الفن ذاته بتلك المهمة أو هذا الموقف. فبمثل ذلك الوعي يلحظ الناقد العربي العلاقة المتبادلة بين اكتمال الفن واكتمال الحياة على السواء، وتفاعل كل منهما مع الآخر تفاعلا جدليّا. إن مثل هذا الفهم يقود إلى النتيجة التي تلازمه، وهي أن الناقد (سواء في لحظتنا التاريخيّة الآنيّة أو حتى بعد عشرين أو خمسين عاما حسب مقدرتنا على تخيّل ما ستؤول إليه صورة الناقد العربي) لن يكتمل له صفة «الناقد The Critic»، بألف لام التعريف والعهد، إلا إذا كان واعيًا بخطورة ما يقوم به من نقد، بوصفه نشاطًا إنسانيًا واجتماعيًا وعلمًا من العلوم الإنسانية في آن، سواء وصف الناقد نفسه أو وصفه مُجَايلوه وقرّاؤه بأنه ناقد أدبي فحسب أو ناقد ثقافي أو ناقد تفكيكي أو ناقد بيئي أو ناقد جِنْدَري أو ناقد ما بعد كولونيالي أو غير ذلك من أوصاف تجدها مسجّلة في مدخل أي كتاب معاصر من كتب النقد الصادرة بالإنجليزية في السنوات العشر الأخيرة. فالناقد في النهاية، أي ناقد، وتحت أية صفة، فردٌ في مجتمع يعي أن ممارسته النقدية نشاط اجتماعي مشروط بشروط اللحظة التاريخية التي يمرّ بها مجتمعه.
من هنا، تأتي أهمية الممارسة النقدية التي تربط التنظير بالتطبيق، والتي تثمّن دور الناقد الذي يمارس مهمّته في حياة الناس وأروقة المجتمع، لا من يتحصّن فحسب بقاعات الدرس الأكاديمي ومختبراته المعزولة عن حياة الناس وأحلامهم وتحوّلات واقعهم المعيش. فمرتكزات العقل النقدي (وهو لازمة لا للناقد بالمعنى الحرفي فحسب، بل لكل مفكّر أو باحث) تنهض على قيمة «المساءلة»، بوصفها المعيار الحاكم لتطور الوعي الإنساني وتطور النظريات العلمية الموازية؛ ذلك التطور الذي هو سبيل البشرية إلى الرقي الحضاري والعمراني. وهنا، يمكن الحديث عمّن أثْرَوا الواقع الثقافي العالمي بغضّ النظر عن تعدّد جغرافياتهم وتنوّع هويّاتهم العرقية والإثنية، وكان لهم أثر كبير في تشكيل مرجعيّة الناقد العربي بالضرورة، من أمثال جاك ديريدا وأمبرتو إيكو وروبرت يونج وميشيل بوتور وميخائيل باختين وإدوارد سعيد ورولان بارت وتزفيتان تودوروف وجوليا كريستيفا ولوسيان جولدمان وآخرين.
لعلّ ما يعكسه خطاب النقد الأدبي في العقدين الأخيرين في أوروبا هو ممارسة فكرية وفلسفية جادّة، ومتحرّرة أيضا بدلالة ما، لخطاب ثقافي هو بديل عن خطاب فلسفي تعثّرت بعض أكاديميات العالم عن إنتاجه، حتى أمست خطابات النقد الأدبي خطابات فلسفية بدرجة من درجات التحليل والنظر المنهجي. لكنّ اللافت للنظر أن متلقّي المناهج والنظريات النقدية من الأدباء والنقّاد العرب في الثلث الأول من القرن الفائت كانوا واعين بخصوصية المرجعيات الفلسفية التي ينتمي إليها كل مذهب أو تيّار نقدي. لكن هذا الوعي بدأ يفقد هويته شيئا فشيئا مع الثلث الأخير من القرن العشرين وبالتوازي مع صعود المدّ البنيوي والسيميولوجي، حتى إن شكري عيّاد (1921-1999) قد ألّف كتابا صغيرا ومستبصرا لمستقبل النقد العربي في الوقت ذاته، يحمل عنوان (بين الفلسفة والنقد) (1990). وهو محاولة منهجية لرأب هذا الصدع في جدار النقد العربي. هكذا، يرجع عيّاد بتاريخ علاقة الأدب والنقد بالفلسفة إلى النصف الأول من القرن العشرين؛ فيقول:
«لم تكن دعوة أحمد أمين في أوائل الثلاثينيات إلى «تأديب الفلسفة من أجل فلسفة الأدب» جديدة كل الجدّة. فقد بدأ شبلي شميل منذ أواخر القرن الماضي [يقصد التاسع عشر] يشرح فلسفة النشوء والارتقاء، ويدعو صراحة إلى تقديم دراسة العلوم على دراسة الآداب، وتلاه أحمد لطفي السيد الذي ترجم بعض مؤلفات أرسطو، هذا في باب تأديب الفلسفة، أما في باب فلسفة الأدب فلعل فلسفة الزهاوي المادية في شعره كانت أكثر مما يطيق الشعر»(3).
ثم يضيف شكري عياد ما يؤكّد استيعاب الأدباء العرب للتيّارات الفلسفية السائدة في ذلك الزمان كالماركسية والوجودية، قائلا:
«قلَّ أن تجد بين الأسماء الكبيرة في أدبنا اليوم من لا يهتمّ بالفلسفة، ومنهم -كالأستاذ توفيق الحكيم- من راح يصوغ لنفسه مذهبا في الوجود، أو فلسفة للتاريخ. وقد أبرز العقدان اللذان أعقبا الحرب العالمية الثانية اتجاهين فكريين جديدين على العالم العربي، كان لهما أثر واضح في إشاعة الاهتمام بالفلسفة. الاتجاه الأول هو الفلسفة الماركسية، وقد تأثّر بها شباب كثيرون من خلال الحركات اليسارية التي أخذت تطفو على سطح السياسة العربية. والاتجاه الثاني هو الفسلفة الوجودية -ولاسيما الفرنسية التي زاحمت الماركسية أحيانا واندمجت معها أحيانا أخرى. ولا شك أن كتابات سارتر كانت النموذج الأسمى لما طمح إليه مفكر عربي، مثل أحمد أمين، من تأديب الفلسفة وفلسفة الأدب»(4).
لا يقنع شكري عيّاد بمجرد عرض الفكرة السابقة في شكل ثنائية ضديّة تجمع بين الأدب/الفلسفة أو الفلسفة/الأدب، أو تأصيلها في وعي المبدع العربي في النصف الأول من القرن العشرين، لكنه يهدف بالأساس إلى التأكيد على شيء آخر هو ضرورة تجسير أو تجديد علاقة النقد الأدبي بالفلسفة أو ربط الفلسفة بمناهج النقد ومذاهبه الفنية ربطا عضويا بنيويا. لذا، سوف يتصدّى شكري عياد لمناقشة أزمة النقد العربي الحديث (ويا لها من أزمة قديمة!) التي تتمثل في سرعة انتقال خطاب النقد العربي من استقبال نظرية ما إلى مدح نظرية أخرى ومن الاحتفاء بمذهب نقدي جديد إلى التبشير بمذهب آخر أحدث أو تيّار أجدّ، دون تمثّل هادئ لأسس هذه النظرية أو ذلك المذهب قبل القيام بعملية التحول أو الانتقال. وهذا ما أسهم في اتساع الفجوة الحاصلة بين «ثقافة الجماهير» و«ثقافة الخاصة» في مجال النقد والدراسات الأدبية على وجه الخصوص. وكأن شكوى شكري عياد الذي صدر كتابه سالف الذكر منذ حوالي ثلاثين عاما، تشاركنا أزمتنا النقدية هنا والآن، عندما يقول إنه بعد الماركسية والوجودية سوف يظهر في الغرب مذهب جديد هو «البنيوية» (ولشكري عيّاد منها موقف قديم(5)):
«لم يكد شبابنا يسمعون بها حتى تلقّفوها في ظمأ المتلهّف إلى كل جديد. وقبل أن يستوعبوها ويُحسنوا فهمها، بل قبل أن يُشفوا تماما من الماركسية والوجودية، طرقت أسماعهم «الهرمنيوطيقا» فتداخلت المصطلحات واختلط الحابل بالنابل، وساء ظنّ جماهير المتأدّبين بل عقلاء المجدّدين بهذه البدع التي تشبه الخزعبلات، حتى أعلن بعضهم يأسه من جماعة النقّاد. وهكذا، لم يزدنا ما حاولنا تعلّمه من الغرب إلا تشويشا. وسرّ ذلك فيما أرى هو أن الموجة العاتية اقتلعتنا من أقدامنا فنحن في الخضمّ غرقى. ولو حرصنا على هويتنا الثقافية لعرفنا اتجاهنا وملكنا أمورنا»(6).
اللافت للانتباه هنا، وهو أيضا ما دفعني إلى استدعاء بعض حيثيات تلك الأزمة النقدية القديمة أو استحضار سياقاتها التي تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين من خلال طرح شكري عيّاد على وجه التحديد، التأكيد على ضرورة ربط المنجزات النقدية بمرجعيّاتها الفلسفية ربطا بنيويا وثقافيا. إن استدعاء الطرائق الأسلوبية التي صيغت بها بعض أفكار من أسهموا بقوة وفاعلية في تأسيس النقد الثقافي في الغرب مثل جاك دريدا أو بول ريكور أو إدوارد سعيد أو ميخائيل باختين أو ليتش أو بابا أو غيرهم، يعزّز مثل هذا الطرح الذي أرمي إلى صياغته بوضوح وقصديّة، لا بمعنى اتّكاء تفكيكية دريدا أو هرمنيوطيقا ريكور أو استشراق سعيد أو سوسيولوجية باختين أو نسقية ليتش أو ما بعد كولونيالية هومي بابا على فلسفات ذات مرجعيّات بعينها، ونهلهم من روافدها وإحالة أفكارهم إلى أصولها وكُليّاتها فحسب، وهذا حاصل بدرجة أو بأخرى شئنا أم أبينا، لاحظنا ذلك أو لم نلاحظ، ويمكن قياسه عبر دراسات خاصة تُعنَى بتحليل خطاباتهم النقدية في علاقتها بالمرجعّيات الثقافية، بل بمعنى تضمّن هذه الخطابات النقدية مقولات فلسفية خاصة (مثل المرجع، النص، القارئ، العالم، المنهج، النظرية) ربما لم تكن متداولة بهذه الهيئة أو تلك الصورة، أو لم تكن على الأقل مكتملة الوجود أو الصياغة في مدوّنة الفلسفة الحديثة ومذاهبها وتيّاراتها.
نظرا لطبيعة المعرفة في حقل العلوم الإنسانية التي تخضع لمبادئ النسبية واللاحسم والتراكم العلميّ وتغيّر النماذج الإرشادية لكل عصر، فإن النظرية الأدبية والنقدية (العالمية) أطروحة متجدّدة، والنقد الثقافي درس معرفي بِكر لم يكتمل بعد (على الأقل بالنسبة إلى ممارساتنا النقدية العربية)، وهو -في تصوّري- مثل رؤية باختين لفن الرواية التي لا تزال قيد الصيرورة. وما هو قيد الصورة هو قيد التشكّل أيضا. وهذا سرّ غوايته بالنسبة إلى الكثير من الأكاديميين المختصّين وطلاب الدراسات العليا من المشتغلين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الثقافية. لعل ما يجب التأكيد عليه بوضوح كون النقد الثقافي امتدادًا، بشكل أو آخر، للنقد الأدبي، لا بالمعنى التاريخي أو الدياكروني بل بالمعنى المعرفي الهيراركي (وهذا محل شِقاق نظري كبير بيني وبين من يقولون بالقطيعة بينهما وعلى أرسهم بالطبع عبد الله الغذامي وآخرين)، وليس في إمكان الأول إسقاط الثاني، إذ ليسا في حلبة مصارعة تنتهي جولاتها بفائز وخاسر وبينهما جمهور يصفّق ومراهنات تصبّ في مصلحة النقد الثقافي على حساب خسارة النقد الأدبي أو العكس. فمركبة النقد الثقافي لم تنطلق من فراغ سديمي كما يتوهّم البعض عندما يتردّد مصطلح القطيعة الإبستمولوجية بينهما. وهو قول قائم على مغالطة لفظية يمكن دحضها بسهولة لمن أراد. فمجرد استقصاء قائمة أعلام النقّاد الذين أسهموا في بزوغ النقد الثقافي برهانٌ كافٍ على أن روافده تنهل من مرجعيات المنجز النقدي (الأدبي) لباحثين ومفكّرين ينتمون إلى القرن العشرين ممّن أقاموا جسورا من الأفكار بين الأدب والثقافة والاجتماع والسياسة والتاريخ وفق أطر منهجية ذات أبنية معرفية منتظمة ومتعاقبة تاريخيا هي انعكاس لأبنية معرفية ونماذج باراديجمية (إرشادية) متتالية.
إن ممارسة النظرية، أية نظرية، تُعادل تفعيل إجراءات المنهج وفق رؤية علمية منضبطة (أي رؤية واعية بذاتها وحدودها المنهجية، لا بمعنى الانغلاق الدوغمائي الحرفي)، رؤية قادرة على تجاوز ثغرات المنهج في مرجعياته النظرية (ولكل منهج ثغراته لمن أراد أن يتتبعها). أما ممارسة النقد الثقافي فهي تفعيل استراتيجيات القراءة الثقافية الحرّة للنصوص وفق مرجعيّات متعدّدة، لكنها متّسقة، تنهض على محور التكافؤ دون هيمنة مرجعية بذاتها على أخرى. فالنقد الثقافي يعمل على«مهاد متّسع من منجزات وتطورات العلوم الاجتماعية والإنسانيات والعولمة وما بعد الحداثة، ولا نبالغ كثيرا إذا ما زعمنا أنه المرحلة الراهنة الأخيرة للاشتغال بالفلسفة»(7). يشترك النقد الثقافي مع النظرية الأدبية والنقدية في كونهما معًا ممارسة تتحرك في السياقات الثقافية المتنوعة، رغم انضباط النظرية في علاقتها بالمفاهيم والأطر المنهجية وتطوّر الأنواع الأدبية وتحرّر النقد الثقافي من أسر النظرية وسجن المفاهيم المسبقة المغلّفة بالأيديولوجيا ومقولات التحيّز. فمجال النقد الثقافي هو الدراسات الثقافية التي تنطوي على دراسة الثقافات الرفيعة والشعبية والفرعية والأيديولوجيات والأدب وعلم العلامات والحركات الاجتماعية وخطابات الحياة اليومية ووسائل الإعلام والنظريات الفلسفية والاجتماعية، على أن يتّخذ الناقد الثقافي من ذلك كله أدواتٍ للتحليل والتفسير والتأويل دون هيمنة إحداها على الأخرى.
[إذا كان سؤال النظرية النقدية العربية يمتلك بعض المشروعية في ظل هيمنة خطاب البنيوية والمناهج النصّية التي خرجت من عباءة الحداثة العربية في عقدي السبعينيات والثمانينيات، كما امتلك بعضا آخر من المشروعية في ظل خطابات الواقعية والفكر الاشتراكي في فترة ما بين الحربين العالميتين منذ الأربعينيات حتى الستينيات، فلا أراه يمتلك أية مشروعية في أزمنة ما بعد الحداثة وجموح الدراسات الثقافية التي لا يستطيع أحد التنبّؤ بمرجعيّاتها المستقبلية. وكل ما على الناقد العربي المعاصر فعله، من وجهة نظري، هو المتابعة الدؤوب والتمثّل الناضج، دون تبعيّة، لكل أشكال الخطاب المتداولة في النقد العالمي، سواء بالكتابة أو الترجمة أو المحاضرة أو ورش العمل التفاعلية أو المؤتمرات العابرة للثقافات. بيد أن هذا الدور المأمول للناقد العربي لا يستقيم من وجهة نظري إلا من خلال الكتابة بلغة الآخر التي تهيمن على ماكينات دُور النشر العالمية وسوق الكتاب النقدي ودوريّات النقد الأكاديمي في المؤسسات التعليمية والثقافية الكبرى].

 

 

شاهد أيضاً

كيف أختصر البحر؟! – المقالح واليمن يولدان من أحشاء الحرب!

محمد علي شمس الدين أدخل مع الكلمات في عراك حين أكتب عن عبد العزيز المقالح.. …