في المتنزه

غاو شينغجيان ترجمة علي عبد الأمير صالح

غاو شينغجيان: كاتب صيني من مواليد العام 1940. حاز جائزة نوبل للآداب العام 2000. وهو أول كاتب صيني ينال هذه الجائزة. حصل على إجازة في اللغة الفرنسية العام 1962. ترجم إلى اللغة الصينية مؤلفات يوجين يونسكو وصموئيل بيكيت وجاك بريـﭬير وهنري ميشو. وهو إلى ذلك رجل متعدّد المواهب، فهو كاتب مسرحي ورسام وكاتب مقالات وناقد. وله كتابات في علم الجمال والإبداع كما يكشف في كتب عدّة رؤيته في مجال الرسم والمسرح والأدب. حين مُنعت مسرحياته الطليعية غادر بلاده العام 1987 وأقام في فرنسا لاجئاً سياسياً ولا يزال مقيماً هناك. تُرجمت له إلى العربية روايته الهائلة ” جبل الروح”، وصدرت عن مشروع ” كلمة ” بدولة الإمارات العربية المتحدة، ودار ” الآداب ” ببيروت العام 2009، بترجمة بسام حجار وماري طوق . و” جبل الروح ” رواية قوية وشاعرية اعتمدت على سيرة الكاتب الذاتية، كبيرة الحجم، عدد صفحاتها بالعربية 798 صفحة. له رواية أخرى بعنوان” إنجيل شخص واحد “. له أيضاً مسرحيات شهيرة ، ومنها : “الضفة الأخر ” ( 1986 ) ، و ” ثلج في آب ” ( 2004) . وله مجموعة قصصية بعنوان ” شراء قصبة صيد لجدّي “( 2005 ) ، ومنها ترجمنا هذه القصة الآسرة التي تقرؤونها الآن.

” لم أتمشَ في أيّ متنزه منذ أمد بعيد. لم يكن لديّ وقت فراغ، أو لم يعد لديّ ميلٌ لذلك”.
” الشيء نفسه يحصل مع الجميع. بعد العمل، الناس يسارعون فقط للذهاب إلى منازلهم. الحياة على الدوام في سرعة صاخبة”.
” أتذكر أنني لمّا كنتُ طفلاً، أحببتُ فعلاً المجيء إلى هذا المتنزه كي أتدحرج هنا وهناك على الحشائش”.
” تعوّدتُ أن آتي مع أبي وأمي”.
” كنتُ فعلاً أحب ذلك حين يكون هناك أطفال آخرون “.
” نعم “.
” خصوصاً لمّا كنتِ هناك أنتِ أيضاً”.
” إني أتذكر ذلك”.
” في ذلك الحين، كانت لديكِ جديلتان صغيرتان”.
” في ذلك الحين، كنتَ تلبس على الدوام ثيابًا من نسيج قطني خشن، وكنتَ مغروراً جدًّا”.
” كنتِ غير وديّة، متغطرسة دومًا”.
” حقاً ؟”
” أجل، ما من فرد يجرؤ على مخاصمتكِ”.
” لا أتذكر ذلك؛ إلا إنني كنتُ أحب اللعب معكَ وحتى تعوّدتُ أن أركل كرة مطاطية معك”.
” كلام فارغ، إنكِ لم تركلي كرة مطّاطية على الإطلاق! كان من دأبكِ أن تنتعلي حذاءً أبيض صغيرًا، وكنتِ تخافين دوماً من أن يتّسخ”.
“هذا صحيح، لمّا كنتُ صغيرة السن كنتُ مولعة بأن أنتعل حذاء رياضيّاً مطاطيّاً أبيض اللون”.
“كنتِ أشبه بأميرة”.
” يقيناً ــــ أميرة تنتعل حذاءً رياضياً مطاطيّاً”.
“ومن ثم انتقلت أسرتكِ إلى مكان آخر”.
“هذا صحيح”.
” في أول الأمر كنتِ تأتين لزيارتنا في أيام الآحاد، إنما لاحقاً لم تعودي تزوريننا كثيراً جداً”.
” كنتُ قد كبرت”.
” كانت أمي تُحبكِ فعلاً”.
“أعرف هذا”.
“لا توجد بنات في أسرتنا”.
“كان الجميع يقولون إننا نبدو شبيهين بأحدنا الآخر، مثل شقيقة أكبر سناً وشقيق أصغر سناً”.
“لا تنسي أننا في العمر نفسه، وأنني أكبر منك سناً بشهرين”.
” إلا إنني أبدو أكبر منك سنًّا؛ كنتُ أطول منك دوماً بكف، كما لو أنني شقيقتك الأكبر سنًا”.
” في ذلك الحين، كانت البنات يصبحن أطول في وقت أبكر. هذا يكفي، دعينا نتكلّم عن شيء آخر”.
“عمّ نتحدث، إذاً؟”
كان الدرب الواقع تحت الأشجار قد جزّ أشجار السرو اليابانية النامية في كلا الجانبين. في السفح الواقع خلف أشجار السرو، ثمة شابة ترتدي فستاناً وتحمل حقيبة يدوية حمراء تجلس على مصطبة حجرية.
“دعينا نجلس برهة، أيضاً “.
“حسناً”.
“الشمس تكاد تغرب”.
“أجل، إنها جميلة”.
” لا أحب هذا النوع الزائف من الجمال”.
” ألم تقل إنكَ تهوى الذهاب إلى المتنزهات؟”
” هذا حين كنتُ صغير السن. كنتُ أقيم في المناطق الجبلية. كنتُ حطّاباً طوال سبعة أعوام في غابات بدائية”.
” تمكنتَ من البقاء على قيد الحياة “.
” الغابات رهيبة فعلاً “.

المرأة التي ترتدي فستاناً تنهض من المصطبة الحجرية وتنظر إلى نهاية الدرب الظليل خلف أشجار السرو المشذبة بعناية. كان هنالك بضعة أشخاص يأتون من ذلك الاتجاه، من بينهم شاب طويل القامة، شعره نازل على صدغيه. وراء أعالي الأشجار والسور، كانت السماء قد تشرّبت باللونين الأحمر الساطع والأحمر ــــ الأرجواني للغروب، وثمة غيوم متموّجة بدأت تنتشر فوق الرؤوس.

” لم أرَ غروباً جميلاً كهذا منذ زمن طويل. تبدو السماء كأنها مشتعلة”.
” إنه أشبه بحريق هائل”.
” أشبه بماذا؟”
” أشبه بحريق غابة هائل… ”
” حسنًا، تابع حديثك”.
” حين يكون هنالك حريق غابة هائل، تكون السماء بهذا الشكل تحديدًا. النار تنتشر بسرعة وبثأر، ولن يكن هنالك وقت كافٍ لقطع أشجار الغابة. إنه شيء مروِّع حقًّا. سائر الأشجار المطروحة أرضاً تطير في الهواء، ومن مسافة معينة تبدو كأنها قطع صغيرة من القش تنجرف عاليًا في النار، وتخرج نمور مجنونة من الغابات كي ترمي نفسها في الأنهار، تسبح مباشرة أمام ــــ”
” ألا تهاجم النمور البشر؟”
” إنهم يتجاوزون التفكير في هذا الأمر”.
” ألا يسعكَ أن تستعمل بنادقك عليها؟”
“البشر كذلك أُصيبوا بالأذى؛ من ضفاف الأنهار كانوا فقط يرسلون نظرات خالية من التعبير إلى النار”.
“ألا يوجد شيء يُمكن القيام به؟”
“جداول الجبل لا يمكنها أن توقف الحريق. الأشجار في الجانب الآخر تلفحها الحرارة، وتبدأ تطقطق، وعلى حين غرة تصبح على ما يرام. على طول مسافة تزيد على بضعة ليات ( ) هنا وهناك يكون المكان مليئًا بالدخان الكثيف وحارًا، لا يمكنكِ أن تتنفسي. كلّ ما تستطيعين القيام به هو أن تنتظري تغيّر اتجاه الريح أو أن تصل النار إلى النهر، تُطفئ نفسها، وتخفت”.

الشابّة التي ترتدي الفستان تجلس من جديد على المصطبة الحجرية؛ حقيبتها اليدوية الحمراء بجوارها.
“احكي لي أكثر عن تجاربكَ خلال تلك الأعوام”.
“ليس ثمة شيء كثير يُمكن التحدّث عنه”.
” كيف لا يكون هنالك شيء كثير يُمكن التحدّث عنه؟ ذلك كلّه مشوّق جداً”.
” لكن ما من فائدة كبيرة في التحدّث عن ذلك كلّه الآن. حدّثيني عما كنتِ تفعلينه طوال هذه السنوات كلّها”.
” أنا؟”
” نعم، أنتِ”.
” لي بنت”.
“كم يبلغ عمرها؟”
” ست سنوات”.
“هل تشبهكِ تماماً؟”
“جميعهم يقولون إنها تشبهني تمامًا”.
“هل تشبهكِ حين كنتِ صغيرة السن؟ هل تنتعل الحذاء الرياضيّ المطاطيّ الأبيض؟”
“لا، إنها تحب أن تنتعل الحذاء الجلديّ. أبوها يشتري لها زوجاً بعد آخر من الأحذية الجلدية”.
“إنكِ محظوظة. إنه يبدو رجلاً لطيفًا”.
“إنه طيّب جدًّا معي؛ إلا إنني لا أعرف ما إذا أنا سعيدة الحظ أم لا”.
“وهل أنّ عملكِ جيّدٌ بكلّ معنى الكلمة أيضًا؟”
“أجل، بالمقارنة مع ما يؤديه أشخاص آخرون كثيرون في سنّي، عملي على ما يرام. أجلس في مكتب، أرد على الاتصالات الهاتفيّة، وآخذ الوثائق إلى رؤسائي في الوظيفة”.
“هل تعملين سكرتيرة؟”
“أنا أهتم بالوثائق”.
“هذا النوع من العمل سرّيٌّ، إنه يكشف أنهم يثقون بكِ”.
“إنه أفضل بكثير من أن أكون عاملة. ألم تتمكن أنتَ أيضًا من تجاوز زمن عصيب؟ بما أنكَ التحقت بالجامعة، أتصوّر أنكَ تؤدي الآن عملاً احترافياً بشكل من الأشكال؟”
” نعم، غير أنّ هذا كلّه تحقق بفضل جهودي الذاتية”.
تتلاشى ألوان أفول الشمس. السماء الآن باتت حمراء داكنة، إنما في الأفق، فوق أعالي الأشجار، يوجد وهج أصفر ــــ برتقالي على حافة سحابة داكنة. أما في السفح فقد بات الظلام يُخيم على البستان والشابة ما تزال جالسة على المصطبة ورأسها مُنكس. يبدو أنها تحدّق في ساعة معصمها ومن ثم تنهض. إنها تحمل حقيبتها اليدوية إلا إنها تقرر أن تُنزلها على المصطبة ثانية، فيما هي تنظر إلى الدرب الواقع وراء أشجار السرو. على ما يبدو، إنها تراقب القمر وسط الغيوم، تستدير وتبدأ بالمشي، عيناها تنظران إلى الأرض.
“إنها تنتظر شخصاً ما”.
“إن انتظار شخص ما شيء مروِّع. في يومنا هذا، الشبان هم الذين لا يظهرون من أجل المواعيد”.
“هل توجد شابّات كثيرات جداً في المدينة؟”
“لا يوجد شُح في الشبان، المسألة كلّها هي أنّ هناك قلّة قليلة من الشبان المحترمين”.
“غير أنّ هذه الشابة تبدو جد جميلة الملامح”.
“إذا وقعت المرأة في الحب أولاً، تكون سيئة الحظ دوماً”.
“هل سيأتي؟”
“مَن يعرف؟ إن الاضطرار للانتظار يجعل المرء مجنوناً فعلاً”.
” لحسن الحظ لقد تجاوزنا ذلك العمر. هل حصل أن انتظرتِ فردًا ما؟”
“إنّه هو الذي فتش عني أولاً. هل حصل أن جعلتَ فرداً ما ينتظرك؟”
“أنا لم أفشل في أن أظهر من أجل موعدٍ ما”.
“هل لديك حبيبة؟”
“يبدو أنّ لي حبيبة”.
“لماذا لا تتزوج إذاً؟”
“أغلب الظن سأتزوج”.
“يبدو أنكَ لا تحبها فعلاً”.
“إني أشعر بالشفقة عليها”.
“الشعور بالشفقة ليس حبًّا. إن لم تكن تحبها، لا تستمر في خداعها!”
“لقد خدعتُ نفسي فقط”.
“هذا أيضاً خداع للشخص الآخر”.
“دعينا نتكلّم عن شيء آخر”.
“حسناً”.

تجلس الشابة من جديد. وبعدها حالاً تقف ثانية، وتتطلّع إلى الدرب. كانت اللطخة الأخيرة من اللون الأحمر الخفيف على الأفق قلّما تُرى. تقعد مجدداً لكن، كما لو أنّها تحس أنّ الناس يراقبونها، تطأطئ رأسها ويبدو أنها تعبث بتنورتها عند الركبتين.

“هل سيأتي؟”
“لا أعرف”.
“ينبغي ألا يحصل ذلك”.
“أشياء كثيرة جداً يجب ألا تحصل”.
“هل حبيبتك حلوة؟”
“إنها مثيرة للشفقة”.
“لا تتحدّث هكذا! إن لم تكن تُحبها، لا تخدعها. فقط جِد لك امرأة تحبها فعلاً، امرأة ذات إطلالة جميلة”.
المرأة جميلة المنظر ليس من الضروري أن تحبني”.
“لماذا؟”
“لأنه ليس لي أب صالح”.
“لا تتكلّم هكذا. لا أريد أن أسمع ذلك”.
“إذاً من الأفضل ألا تسمعي. أعتقد أنه يتعين علينا أن نغادر”.
“هل ستأتي إلى منزلي؟”
” يتعيّن عليّ أن أجلب هدية لابنتك. كما أنّ ذلك يُعد بمنزلة أطيب تمنياتي لك”.
“لا تتكلّم على هذا النحو”.
“ما الخطأ في ذلك؟”
“إنكِ تؤذيني على الدوام”.
“لم يكن هذا قصدي”.
“أتمنى لكِ السعادة”.
“لا أحب سماع هذه الكلمة”.
“ألستِ سعيدة إذاً؟”
“لا أحب التكلّم عن هذا الأمر. كان صعبًا أن تطرق هذه الكلمة سمعكَ مرة واحدة بعد هذه السنوات كلّها، إذاً لا تدعنا نتكلّم عن أشياء قابضة للنفس كهذه”.
“حسناً جدًا، دعينا إذاً نتكلّم عن شيء آخر”.
تنهض الشابة بغتة. يأتي شخصٌ ما على طول الدرب، ماشياً بخطوات سريعة جداً.
“حسناً، في الأقل لقد ظهر للعيان”.
إنه شاب يحمل حقيبة للكتب المدرسية مصنوعة من الكنفا. لا يُبطئ خطواته ويواصل المسير. الشابة تشيح نظراتها.
“إنه ليس الفرد الذي تنتظره. الحياة تكون دوماً هكذا، إنها غريبة بما يكفي”.
“إنها تبكي”.
“مَن؟”
الشابة تجلس على المصطبة ويداها على وجهها، يداها مرفوعتان ويبدو أنها تغطي وجهها؛ إلا إنه لا يُمكن رؤيتها بنحو جليّ. الطيور تغرّد.
“إذاً ما تزال توجد طيور هنا”.
“ليست الغابات وحدها تملك طيورًا”.
“حسناً، ما تزال توجد عصافير هنا”.
“لقد أصبحتَ متغطرساً بكلّ معنى الكلمة”.
“بهذه الطريقة استطعتُ أن أبقى على قيد الحياة. لو لم أحتفظ بهذا الشيء القليل من الغطرسة، لما تمكنتُ من أن أكون هنا اليوم”.
” لا تكن كلبياً جداً؛ لستَ الشخص الوحيد الذي تعذب. الجميع أُرسلوا إلى مواقع العمل في الريف. يلزمك أن تعرف أنه شيء أسوأ بكثير بالنسبة لامرأة في مقتبل العمر أن تُرسل إلى الريف حيث لا يكون لديها هناك قريبات أو صديقات. السبب الذي دفعني للزواج منه هو إنه لم يكن لديّ خيار أفضل. والداه رتبا مسألة نقلي إلى المدينة مجدداً”.
” أنا لا أنحي عليكِ باللائمة”.
“ما من أحد له الحق في إلقاء اللوم على أيّ شخص”.
كانت مصابيح الشوارع قد أُنيرت وباتت تبعث ضوءاً أصفر باهتًا وسط أوراق الشجر الخضر. سماء الليل رمادية وغير واضحة؛ حتى النجوم لا يُمكن رؤيتها بجلاء في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الضوء المنبعث من مصابيح الشارع وسط الأشجار يبدو ساطعاً جداً.
“أحسب أنه يتعيّن علينا المغادرة”.
“نعم، لم يكن يتعين علينا أن نأتي إلى هنا”.
“قد يحسب الناس أننا عاشقان. إذا ما اكتشف زوجكِ الأمر، لن يُسيء الفهم، صحيح؟”
“إنه ليس فرداً من هذا الطراز”.
“إذاً، هو شخص طيّب إلى حدٍّ ما”.
“يمكنكَ المجيء والبقاء في منزلنا”.
“لن آتي إلا إذا دعاني للمجيء”.
“ألن يكون الشيء نفسه إذا ما دعوتُك أنا؟”
“إنه لشيء سيئ جداً أنني لا أعرف عنوانكِ؛ لهذا السبب مضيتُ كي أزوركِ في موقع عملك. وإلا كنتُ سأمضي مباشرة كي أزوركِ في منزلكِ”.
“لا يلزمكَ أن تخوض في كلّ هذا الكلام الفارغ”.
“ما من حاجة بنا لأن ينتقد كلّ واحد منا الآخر بهذه الطريقة”.
“أنت فردٌ من النوع الذي يقول شيئاً ويعني شيئاً آخر”.
“دعينا نتحدّث عن شيء آخر”.
“حسناً”.
خيّم الظلام على البستان، ولم يعُد بالمستطاع رؤية الشابّة. على أية حال، بالضوء الذي يشع عليهما، الأوراق الخضر الصقيلة لشجرة حور بيضاء يبدو أنها تومض. ثمة ذرة نسيم، والأوراق المرتعشة لشجرة الحور البيضاء تومض كالساتان.
“الشابة لم تغادر حتى الآن، أليس كذلك؟”
” بلى، إنها تستند إلى شجرة”.

تنتصب شجرة ضخمة على بُعد خطوات قلائل من المصطبة الحجرية الخالية، وثمة شخصٌ ما يتكئ عليها.

“ماذا تفعل الشابة؟”
“إنها تبكي”.
“الأمر لا يستحق البكاء!”
“لِمَ لا؟”
“لا يستحق أن تبكي على حبيبها الذي لم يأت. لن تكون لديها مشكلة في أن تجد رجلاً صالحاً يُغرم بها، فرداً يستأهل حبها. يلزمها أن تغادر فحسب”.
“غير أنها ما تزال تأمل”.
“طريق الحياة واسع وسوف تجد دربها الخاص”.
“لا تحسب أنك تعرف كلّ شيء؛ إنكَ لا تفهم كيف تحس المرأة، أي امرأة. إنه شيء بسيط جداً بالنسبة للرجل كي يؤذي المرأة. المرأة أضعف على الدوام”.
” لو إنها تعرف أنها أضعف، لماذا لا تحاول أن تتعلّم أن تكون أقوى؟”
“كلمات تبدو رنانة”.
“ما من حاجة للبحث عن أشياء كي نقلق عليها. ثمة ما يكفي من الهموم في الحياة. ينبغي للمرء أن يكون قادراً على تقبّل الأشياء”.
“أشياء كثيرة جداً يجب أن تكون”.
“إنّي أقول إنه يجب على الناس أن يقوموا فقط بالأشياء التي يجب عليهم القيام بها”.
“هذا يشبه عدم قول أيّ شيء”.
“صحيح تمامًا. ما كان يتعين عليّ أن آتي كي أراكِ”.
“هذا أيضاً لا يفصح عن شيء”.
“حسنًا، يلزمنا المغادرة. سوف أشتري لكِ عشاء”.
“لا أريد أن آكل. ألا يسعنا أن نتحدّث عن شيء آخر؟”
“عن أيّ شيء؟”
“أن تتحدّث عن نفسكَ”.
“دعينا نتحدّث عن الجيل القادم. ما اسم ابنتكِ؟”
“كنتُ أريد أن أنجب صبياً”.
” أن يكون لديكِ ابنة سيّان”.
“لا. حين يكبر الصبيّ لن يتعيّن عليه أن يعاني بقدر ما تعاني البنت”.
“أناس المستقبل لن تكون لديهم معاناة كبيرة، لأنّنا عانينا أصلاً من أجلهم”.
“إنها تنشج”.
صوت خشخشة الأوراق في النّسيم فوق الرؤوس؛ إلا إنَّ صوت النشيج واضح فيه، ويأتي من جهة المصطبة الحجريّة والشجرة.
“يلزمنا أن نمضي إليها ونواسيها”.
“لن يساعدها ذلك”.
“لكن يلزمنا مع ذلك أن نحاول”.
“اذهب أنتَ إذاً”.
“في موقف كهذا سيكون مناسباً فقط للمرأة، أيّ امرأة، أن تمضي”.
“إنها لا تحتاج إلى ذلك النوع من المواساة”.
“لا أفهم”.
“إنكَ لا تفهم أيّ شيء”.
“من الأفضل ألا نفهم شيئاً. ما إن يفهم المرء شيئًا، حتى يصبح هذا الشيء عبئاً”.
“لماذا إذاً تريد أن تواسي الآخرين؟ لِمَ لا تواسي نفسك فقط؟”
“ماذا تقصدين؟”
“إنكَ لا تفهم كيف يحسّ الأشخاص الآخرون. لئن كانت الأحاسيس عبئا، فمن الأفضل لكَ ألا تفهم”.
“دعينا نغادر”.
“هل تأتي إلى منزلي؟”
“ما من حاجة إلى ذلك”.
“هل نقول وداعاً لأحدنا الآخر هكذا بكلّ بساطة؟ لقد دعوتُك أصلاً للمجيء لتناول العشاء غداً. سيكون هناك، هو أيضاً”.
“في اعتقادي أنه من الأفضل ألا آتي. ما هو رأيكِ؟”
“هذا الأمر متروك لك تماماً”.

في العتمة، صوت النحيب يغدو واضحاً أكثر. بشكل متقطع، النشيج المكبوت يختلط بصوت الأوراق وهي ترتعش في نسيم المساء.

“حين أتزوج سأكتب إليكِ رسالة”.
“من الأفضل ألا تكتب أيّ شيء”.
“إذا مررتُ بموقع عملكِ تالياً، ربما سآتي كي أزوركِ ثانية”.
“من الأفضل ألا تفعل ذلك”.
“أجل، كانت تلك غلطة”.
“أيّ غلطة هذه التي تتكلّم عنها؟”
“كان يلزمني ألا آتي كي أراكِ ثانية”.
“لا، لم تكن غلطة بالنسبة لك كي تأتي!”
“لا أحدَ منا يقع عليه اللوم. غلطات ذلك العهد هي التي يقع عليها اللوم. غير أنّ هذا كلّه جرى في الماضي ويلزمنا أن نتعلّم أن ننسى”.
“لكن من الصعب أن ننسى كلّ شيء”.
“ربّما بمرور مزيد من الوقت …”
“من الأفضل لكَ أن تذهب”.
“هل تريديني أن أراكِ في داخل حافلة؟”
كلاهما يقف. من وراء جذع الشجرة الرمادية قرب المصطبة الحجريّة الخالية التي من الصعب رؤيتها، كان هنالك نشيج لا يمكن كبته. على أيّة حال، الشخص الذي ينشج لا يُمكن رؤيته.
“هل تعتقدين أنه من الأحسن أن نحثها على الذهاب إلى منزلها؟”
الأوراق الحريرية، الغضّة، الخضر الجديدة على شجرة الحور البيضاء تومض في وهج ضوء الشارع.

شاهد أيضاً

لا أحد يمكنه الاستغناء عن الحبال

محمود الرحبي* تعيش السعدية مع ابنتها خديجة على علوّ رابية تطلّ على سفح شاسع. يحرس …