قصص روبرت والسر1

الشعر

لم أكتب ابدًا شعرًا في فصل الصيف. تفتح الأزهار والتألق كانا يحركان إحساسي أكثر مما يجب. في الصيف كآبة. الخريف يأتي لحنًا ليغلف العالم. كنت أحب الضباب، مع البدايات الأولى للظلام، مع البرد. وجدت الثلج شيئًا ساميًا، ولكن ربما أكثر جمالًا، أكثر سموًا بسبب العواطف المظلمة البرية الدافئة للربيع المبكر. في برد الشتاء، تلمع الأمسيات وتتلألأ مبتهجة الأصوات، أذهلتني، الألوان تتكلم. لا ريب أنني عشت أزليًا وحيدًا. الوحدة كانت عروستي التي انغمست بها، الصديق الذي فضلت، المحادثة التي عبدتها، الجمال الذي استمتعت به، المجتمع الذي عشت به. لم يكن هنالك ما هو أكثر طبيعية ولا هنالك ما هو أكثر ألفة لي. كنت موظفًا وفي أكثر الأحيان لا مكان مناسبٌ لي، وكان هذا مقبول مني. آه للكآبة الممتعة، الحالمة، فقدان الأمل المثير، الكآبة السماوية الجمال، الحزن العبقري، القسوة اللذيذة. عبدت الضواحي بأشكال العمال المنعزلين. الحقول المغطاة بالثلج التي خاطبتني بدا القمر يبكي منكسرًا ينظر إلى الثلج الأبيض الشبحي. النجوم كانت منتصرة. كنت أميرًا في فقري وفخمًا في حريتي. في الليل الشتائي يقرب الصباح، وقفت عند الشباك المفتوح في قميص نومي فقط، والهواء المثلج ينفخ يلفح وجهي وصدري. وفي نفس الوقت كان لدي إيحاء غريب أن الهواء كان يبرق من حولي. كثيرًا ما في الغرفة القريبة التي أسكن بها رميت نفسي على ركبتَيَّ وتوسلت إلى الله أن يهبني سطرًا جميلًا من الشعر. ثم سرت إلى خارج الباب وتهت في الطبيعة.

 

بعد ظهر خريفي

أذكر بعد ظهر جميل عشته. مشيت عبر البلاد وبعقب سيجار أطبق عليه فمي. الشمس ترسل أشعتها فوق المنطقة الخضراء. في الحقول رجال، وأولاد، ونساء كانوا يعملون، وعلى يساري تدفقت قناة ذهبية وعلى يميني كان لدي مشهد من الأرض الزراعية. تلكأت وأنا أسير إلى الأمام. شاحنة خبز انطلقت مسرعة. من الغريب أنني أتذكر بوضوح كل التفاصيل وكأنها كنز. لابد أن هنالك قوة هائلة داخل ذاكرتي، أنا سعيد جدًا. الذكريات هي الحياة ثم تابعت سيري ومررت من أمام بيوت المزارعين العديدة التي تبدو إلى حد ما مرحة ومنتجة، فلاحة أنَّبَت كلبها الذي كانت لديه فكرة النباح على المشاة الأغراب المارين من هناك. من المبهج أن يسير الإنسان بهدوء ورويّة فوق الأرض وأن يجابه بتحية صداقة من قبل النساء الريفيات الهادئات، القويات.
مثل هذه التحية تفيد الإنسان، مثل فكرة الأزلية. جنة تتفتح عندما يكون الناس لطافا مع بعضهم البعض. شمس بعد الظهر وسريعًا شمس المساء. تسكب حبًا سائلًا وذهبًا خياليًا فوق الطريق، وتبرق باللون الأحمر.
على كل شيء كانت هنالك لمسة من البنفسجي، ولكن فقط صبغة ضئيلة بالكاد ترى. اقتراح ليس له بقدر سمك اللمسة يتمسك به ولكن يتلمس ما حوله ويحوم مباشرة حول المرئي واللامرئي كلية مثل وميض لنغمة، إحساس مشؤوم. مررت من أمام حانة دون أن أدخل، فكرت أنني قد أفعل هذا فيما بعد. وتابعت مسيري بخطوات مريحة، ليس مختلفًا عن أي قسيس لطيف أو مدرس أو رسول هادئ. الكثير من عيون الناس رمقتني بفضول حتى تحل لغز من قد أكون. في الريف الذي تنعكس فيه الأصوات بروعة، كل شيء يصبح جميلًا أكثر فأكثر. كل خطوة تقود نحو حلاوة أخرى. كان الحال وكأنني كنت أكتب، أحلم، أتخيل. فتاة فلاحة شاحبة جميلة، غامقة العينين، كحلت وجهها، أشعة الشمس، نظرت إليّ متسائلة. بعينيها المتلألئتين الغامقتين وقالت لي مساء الخير. بادلتها التحية ودخلت إلى بستان تتدلى من أشجاره الفاكهة الحمراء والذهبية. فاكهة الجنة. عبر الأخضر الغامق لأوراق الشجر أضاءت التفاحاتِ الجميلاتِ شمسُ المساء وفوق الحقول الخضراء قرعت أجراس عوامة النمل الدافئة. بقرات ضخمة بنية، بيضاء وسوداء تمددت ووقفت حول المكان مجموعات تفرقت بين المراعي الخصبة. ممتدة إلى أسفل نحو القناة الفضية. لم يكن لدي أعين كافية لأنظر على كل ما كان يجب أن أراه أو آذان كافية لأسمعها كلها.
النظر والسمع معاً يشتركان في متعة واحدة، الأخضر كله والمنظر الطبيعي الذهبي – أرسل صدى الأجراس، غابة السرو، الحيوانات والناس كانوا مثل لوحة استحضرها أحد كبار الرسامين. غابة خشب زان كانت بنية وصفراء والأحمر والأزرق كان يضخ موسيقى. الألوان تدفقت إلى أصوات والأصوات لعبت بالألوان السامية الجمال مثل الشباب المرافق لصديقات لطيفات، مثل الإله مع الآلهات . مشيت إلى الأمام ولكن ببطء تحت الأزرق الفاتح وبين الأخضر والبني وتدريجيًا تحولتا إلى ظلام. بعض صبيان الرعيان جاءوا إليَّ ليعرفوا ما الوقت.
فيما بعد، في القرية، خرجت ومشيت متجاوزًا بيت القسيس القديم الكبير الجليل. بعضهم كان يغني ويلعب داخل المنزل. كانت أصوات مُجيدة أو هكذا تخيلتها. كم هو سهل أن تتخيل شيئًا جميلًا في مسيرة ذات مساء هادئ. بعد ساعة كان الليل، السماء تلألأت سوادًا. القمر والنجوم ظهرت.

 

معاطف

في هذه اللحظة المعاطف كانت عند فوج. الملصقات الإعلانية وجهت انتباهنا لهذا.
لم ألبس واحدًا بعد لأنني لا أريد أن أرفّه نفسي.
معاطف النساء مذهلة. تفتنني مساعدة النساء في ارتدائها أو خلعها، مع إنه يبدو لي من المستحب أن أضع حدًا لشغفي بالخدمة.
يبتسم الإنسان بين الفترة والأخرى على التزايد في اللياقة، ولكن بوجه عام أنه لشيء جميل.
تستدعي معاطف الفرو الاحترام.
مؤخرًا بعد نهاية حفل موسيقي تفوقت في توزيع المعاطف.
حاجتي لكي أكون لبقًا سيطرت عليَّ.
كتَّاب النثر يحبون الشعر.
تذهب الفتيات متدثرات بعباءة ليشاهدن «الناي السحري» لموزارت. ألا يتكلم جوته عن العباءات السحرية؟
أرجو أن تكون مقالتي مقبولة وتنفث دفئًا.
كانت هنالك أيام كنت ألبس خلالها معطف بائع الأعمال الفنية، وفي مناسبات أخرى معطف كونت. كلاهما جمَّلاني.
استيلاء غير مرفوض يعني أن الواحد قد استفاد بسخاء. استلام الهدايا يتطلب الفهم.
«الملابس تصنع الرجال»، رواية قصيرة لمؤلفها كيلر وتقول. المعطف يثبت الثقة بالنفس.
أحيانًا، رغم قدم المعطف، فالقلب في داخله يزدهر ويرسل ضربات فتية، والتي لأي سبب قد تكون موجودة.
قالت ربة منزل لخادمتها «ما بالك؟» كانت الخادمة تمشي حول المكان بطرحة سيدتها.
مرة قدمت لصديق معطفًا أزرقَ فاتحًا كفكرة. حتى يجذب الأنظار إلى نفسه وهذا شيء متعب، تجاوب معي، وافقته وتركت الإلهام يسقط في مكانه.
موضوع المعطف أتعبني: كم مرة تسبَّبَت في المشاكل لنا الأمور التي كانت تبدو سهلة جدًا.

 

رجل العالم

قيل له إنه قد عذّب، ولكنه لم يقتنع بذلك. مرة كان قد قبل الحذاء الذهبي الخاص بفنائه. هذا الذهب لم يلمع، وبدلًا من ذلك فقد بقي ببساطة شاحبًا، وكأنه طلاء فارغ من الدهان اللمَّاع. لفترة من الزمن كان في داخل عينيه شيء من وميض حريق، ولم يدرك من أين جاء هذا. الآخرون تصرفوا تجاهه وكأنه طفل، وبسعادة اعتبر نفسه ولدًا. ملامح الكبر لم تمنعه عن قناعاته. رأى فتاة تبكي وبكل ذكاء وبلا عناء اقتنع أنها تبكي بسببه. لم يترك لأحد فرصة الضحك، حيث إنه تصرف كمذنب فقير، وبين الناس الذين وافقوا على التعامل معه ترك الانطباع المثلج أنه بلا قلب. سفليته رشحته للقيام بعلاقات مرحة وصريحة مقنعة مع خادمة بيت متواضعة جدًا، والتي تخيلت أنه لم يكن أبدًا تعيسًا أو أنه قام بأي شيء كريه. بالنسبة لها كان يبدو قليل الذكاء لأنه كان يتقن الابتسامة، والتي استطاع امتلاكها جزئيًا بسبب هزليتها وجزئيًا بسبب اطلاعه من وقت لآخر على بعض الأعمال المسلية.
وبتماسك روائي سرد لها قصصًا أعجبتها كلمة كلمة. ألف من التفاقمات التي هاجمته ولبسته كثوب من الطيش والأناقة، وكأنما كساه الحزن وغلف تصرفاته وكيانه، وكأنه لم يكن يعرف كيف يتصرف بحيويته. مرونته كانت نتيجة اكتشافه جملة الذي ليس غير محتمل ولكن دائمًا إلى حد ما مفيد أو له بنيان. لطافته جزئيًا شجعت التملق. في الشتاء كان يذهب للتزلج وكان يذهب للتراشق بكرات الثلج. لم يكن ليمارس حياة الصيف بتاتًا، في الربيع تتراقص الأزهار الصغيرة برشاقة، ترتجف نحو خريفه، الخريف الذي كان هو كيانه. مرة واحدة في حياته عاملته امرأة وكأنه رجل شهم كامل، وهذه الحادثة بقيت في ذاكرته إلى الأبد.
وعلى فكرة، لم يحاول أبدًا أن يكون رجل العالم.

 

كامل العدد

كثير من الأحيان بينما كنت أركب عبر شوارع برلين، وحياة برلين في السيارة العمومية التي يقودها حصان، غريبة متثاقلة مزدهرة، والتي لم تتوقف عن إثارتي وجذبي مجددًا، حيث أسمع قائدها العجوز الطيب يتفوه بتواضع ومرح بكلمة واحدة لا معنى لها ومع ذلك أيضًا وفي تلك اللحظة كانت لها دلالة، والتي هي بالإضافة إلى ذلك مكتوبة من أجل الاستقامة والنظام على لوحة قد تكون مخفية أو ظاهرة، عندما تكون الكتابة «كامل العدد» ..
معلقة بشكل مرتب ومناسب في مكانها، يعرف الناس أنه في هذا الوقت لن يسمح لأحد آخر بالصعود والتسلق إليها لأن الجندول أو قصر الملذات الذي يتدحرج إلى الأمام على إطاراته الآن مليء حتى الاختناق.
ظرف مؤسف يعلن عنه بعبارات ليست غير مؤكدة عن طريق لوحة التحذير «توقف». كائنًا من يكن، فهذا الخط لن تجتازه! وأحيانًا مع ذلك رغم رفض اللوحة الرافضة، فهنالك جماعة تضغط إلى الأمام معبرة عن الرغبة المتهورة للصعود والانتقال بعيدًا. وعندئذ يأتي واحد مثل الحاجب المسؤول فيقول بصوت مؤدب: «يا جماعة، نحن كاملو العدد». أو قد يقول: «رجاء لا تدافع، فهذا لن يفيد في شيء. أو قد يخطر بباله أن يقول: «بكل سرور أيها السيدات والسادة، كنت أود أن أدعوكم للصعود إلى الحافلة وتأخذوا أماكنكم، ولكن واجبي الثقيل أن أوجه انتباهكم لواقع أن السيارة مليئة حتى الشقوق بالركاب. أستميحكم عذرًا في أنني سأمنع التدافع والدخول. «انزلاق وهجوم من جانب، رفض وتمنع من الجانب الآخر، تتابع المركبة إبحارها بهدوء وسعادة عبر مرور المتروبوليتان، التي تكاد تشبه المحيط مرة ثانية، واحد متسرع عنيد يحاول القفز إلى أعلى، ومرة ثانية بلهجة قاسية جامدة «كامل العدد»! ترسل صداها إلى أذن الجنِّي الجريء، حيث إنه هنا يضطر لإنزال قدمه بحذر من على المسند مرة ثانية ومرة عندما كانت الحافلة تنطلق بأقصى سرعة إلى الأمام وكل شيء يتقدم براحة وسلاسة ولم يكن أي كان يحاول تدبير مقلب أو عمل عنيف تخريبي، واحد انزلق إلى أعلى – إنسان من الواضح أنه معتاد منذ صغره على أن يخترق الكثيف والرقيق ويدفع أي واحد أو أي شيء يقف في طريقه.
«كامل العدد تماماً».. قال الحاجب
«غبي، سخيف، بلا طعم» أجاب السيد الجسور. كان بلا شك من ذلك النوع الذي يرغب في التلاحم مع أية سياسة بالغة الغضب.
«استميحك عذرا». لم أسمع ما قلته؟» تساءل رجل السيارة الطيب ولكن الآن هطلت بشكل حقيقي قذائف توجهت على رأسه المسكين.
وهذا الفيضان القوي من الكدر غير المرئي كان ساحقًا لدرجة أن الرجل الطيب اضطر إلى الاستسلام. وعلى أي حال فقد اشتكى، قائلًا: كل السادة مثل هذا السيد، الذي يشتمني رغم أن كل ما فعلته أنني قلت له أن المكان كامل العدد. كان هذا واجبي أن أقول له هذا، ولكن بعض الناس يصرون على التصرف بقسوة واستعلاء ويستطيعون كل شيء لمجرد أنهم قرروا أن يفعلوا شيئًا.
لا أحب أن أدور وأقول: «كامل العدد» من أجل سروري وانبساطي أو لأنني أريد أن أقاوم الناس أو بسبب الشماتة. كل إنسان له مهامه ليقوم بها وواجباته لينجزها. ومن الصدفة أن تكون مهمتي أن أقول للناس «كامل العدد» عندما تكون السيارة ملآنة. وليس من العدل أن يتضايق مني هكذا. بصراحة من غير المعقول أن يغضب بعض الناس بسرعة. حسنًا فأنا سأنضم إلى من عندهم شيء من الفطنة، شكرًا والحمد لله أن بعضهم باق.
هذا ما قاله الحاجب بينما كانت الحافلة تنطلق ببطء في طريقها.

 

 

 

شاهد أيضاً

رفعت سلام: ليس هناك أفق وحيد للتجديد الإبداعي

حاوره : ياسر الششتاوي الشاعر رفعت سلام تنتسب تجربته الشعرية المتميزة إلى جيل السبعينات، هذا …