أخبار عاجلة

كتاب جزر الأنتيل ونص سان جون بيرس ألاعيب البناء والتحري عن شجرة النسب

قليلون هم المبدعون الفانون الذين خلدت حظوتهم الاعتبارية, عن جدارة واستحقاق, في الوجدان القرائي العام لمواطنيهم وغير مواطنيهم على السواء. لذا فإن تبادر ثلة من المعجبين الفرنسيين والأجانب, دارسين وباحثين ونقدة وقراء من الصفوة, وذلك منذ سنوات خلت, بإطلاق مشروع »مؤسسة سان جون بيرس«  والائتلاف ضمن حلقة اختيرت لها تسمية »جمعية أصدقاء سان جون بيرس«  مع إصدار مجلة متخصصة في تراثه الشعري تدعى »نفحة بيرس«, فإن هذا المسلك الثقافي, بل الحضاري, لدليل سيان على المكانة الرمزية المرموقة التي يحتلها الشاعر مقارنة مع شعراء آخرين, فرنسيين وغير فرنسيين, أو على الاعتناق الصميم, الذي يوحد ثلة المعجبين هاته, لثراء الشعرية البيرسية وغور أسئلتها البنائية وكشوفاتها الموضوعاتية وتحققاتها الرؤياوية..

إن هذا الاحتفاء ليس مخصوصا لأي  كان وإنما هو مرتب لأحد أوزان الشعراء الرمزيين وأرقاهم في النصف الأول من القرن العشرين, أحد أشدهم شكيمة من حيث اجتراح السجلات اللغوية الباذخة وطرق الموضوعات العصية وابتكار الأخيلة البعيدة الشأو. ولأن خبرته الشعرية على قدر عال من التراكب والتعقيد, إن على صعيد التوسل الأدائي أو من حيث كيفية بناء الاستبصارات وتدبير شأنها الشعري, فإننا نلفيها ذات قرابة ملموسة بمجموعة من الشعريات المتقدمة: فهي تتماس مع الأفق الشعري الذي انضوى إليه نداه الرمزيان الشهيران, جان بول فاليري وبول كلوديل, مقدار تماسها مع القارة الشعرية الوعرة, الخطرة, واللاهبة التي استوطنتها مخيلات شعراء ألمان ونمساويين مشهود لهم بالاقتدار الشعري, من عيار فريدريش هولدرلين وجورج تراكل وراينر ماريا ريلكه, هذا من غير إغفال تصاديها / تفاعلها الثابت مع المتخيل الشعري السريالي الفرنسي, الذي هو متخيل جريء واقتحامي, وبخاصة مع نصوص بول إيلوار وجان ب ولان وروبير ديسنو.

إن الأمر يتصل, بتعبير مواز, بالشاعر ألكسيس سان ليجي (1887-1975), المعروف في الأوساط الشعرية والثقافية باسم الشهرة سان جون بيرس, وريث التقاليد الأرستقراطية المفطور على زبدة النبالة الفكرية والأخلاقية الفرنسية, رجل الدبلوماسية المتأنق, المحنك, واللبق, والسائح النبيه في أمصار المعمورة, صاحب المجموعات الشعرية ذائعة الصيت: »مدائح« 1911, »سفرة استكشافية صوب الدخيلة« 1924, »منفى« 1944, »رياح« 1946, »منارات« 1957, »طيور« 1962, »نشيد من أجل ربيع رائق« .1971. إضافة إلى ما خلفه من دراسات ومترجمات ومقابلات صحفية ومراسلات فائقة القيمة, والحائز على جائزة نوبل للآداب – عام 1960 – كتتويج عالمي لجهده الإبداعي الاستثنائي.

إن شعره يتلامح محفلا لقلق أنطولوجي موجع, لوحدة وحنين روحيين ممضيين, ورغبة عارمة في التجذر الكياني في أرض شعرية – رمزية بعيدة المنال, أما مهمة القصيدة فهي محصورة, من منظوره, بين حد ين اثنين متكاملين هما: تمجيد الكينونة الإنسانية وتبجيلها ثم التعرية عن دواخلها وإنارة عتماتها. لقد استطاع بذهنه الشعري المفتوح على التيارات العقدية والفكرية الكونية أن يلتقط, بفطنة لا يكاد يضاهيه فيها إلا  الشاعر الأمريكي عزرا باوند, النبض الحي لروحية الشرق الأقصى العتيق ويدمجه في صلب قصيدته, الموصولة في الجوهر بخلفية إيمانية مسيحية وثقافية إغريقية – لاتينية, جاعلا إياها بمثابة مطهر رمزي للذوات والأشياء والأزمنة والتوض عات والمصائر.. بمثابة نشيد نشوان / أليم يبدد كثافة ليل العالم ووحشته المطبقة.

و إذ تهيأ له أن ينجز كتابة شعرية تبرهن على مسؤولية ومراس  وعلو  كعب لم ينصرم سوى ردح من عمره الشعري المديد حتى تخطت سمعته الشعرية النطاق الفرنسي المحدود واخترق صوته الشعري الكثير من الآداب الوطنية الحديثة, الأوروبية والأمريكية واليابانية والزنوجية – الإفريقية والعربية (تأثيره في شعراء تجمع مجلة ؛شعر؛, أدونيس على وجه التحديد).

و عليه فإذا ما كان شعره قد أرخى بظلاله على أرجاء مترامية من الكرة الأرضية فما بالنا بجزر الأنتيل التي شاءت الصدفة أن يولد سان جون بيرس بجزيرة الغوادولوب التي تشكل, بمعية جزيرة المارتينيك وحفنة من الجزر الصغيرة المتناثرة, إقليما فرنسيا لما وراء البحار يسمى بجزر الأنتيل الفرنسية, وإذا انتماؤه الفعلي, بقوة الجغرافيا والتاريخ, إلى سلالة »الكريول« Créole أو »البيكي« Béké, أي سلالة السكان البيض الذين ولدوا في ذلك الأرخبيل المداري الهاجع في لجة بحر الكاريبي ويتعايشون مع أحفاد العبيد الأفارقة الذين تم استقدامهم مكرهين, في غضون موجة التهجير الرهيبة والمشينة التي شهدتها القرون الماضية القريبة لتول ي أعمال السخرة في العالم الجديد.

لهذا الاعتبار لربما كان أدباء جزر الأنتيل السود: شعراء وروائيون وقصاصون.. أولى من غيرهم للاعتناء بتراث سان جون بيرس ومعاودة قراءته ومساءلة قضاياه والتموقف من تداعياته وآثاره. فهو لم يكن شاعرا فرنسيا حديثا كبير الشأن, رفيع الطراز, وكفى, بل وشاعرا ترعرع بين ظهرانيهم وأمضى القسط الأوفر من حياته في أرضهم/ أرضه, معنيا بتقاليدهم وثقافتهم, مصغيا إلى أحلامهم وتطلعاتهم. إنه إذن, فضلا عن هويته الشعرية الناجزة, واحد من ألوف البيض الذين يؤججون بحضورهم في ذلك الصقع التخومي, الذي قر  مزاج الدوائر الاستعمارية الفرنسية على بقائه, في معاكسة صارخة لمجرى التاريخ, كما جزيرة الر يينيون في المحيط الهندي وجزيرتا تايتي وكاليدونيا الجديدة, أو ما يعرف بب ولينيزيا الفرنسية, في المحيط الهادي, إقليما فرنسيا يتعايش فيه, طوعا أو قسرا, خلف المستعمرين البيض مع الأهالي السود, المأزق الحضاري والثقافي الشقي اللصيق بعلاقة الأبيض مع الأسود, وهو المأزق الذي عاركته أجيال من المثقفين السود, سواء الأفارقة منهم أو الأفرو – أمريكيين, كما انكب  عليه, من بين المثقفين الأنتيليين, الكاتب والطبيب النفساني اللامع, فرانز فانون مؤلف »معذبو الأرض« و»جلد أسود, أقنعة بيضاء«, والذي بلغت به عاطفته العالم ثالثيه المناوئة للاستعمار والميز العنصري والاضطهاد حد  الانخراط في صفوف جبهة التحرير الجزائرية في إبان سني الثورة.

إن ورطتهم القدرية فيه كشاعر وكمواطن, إن شئنا, ما كان لها إلا  أن تموقعه في بؤرة السؤال الأدبي والثقافي الأنتيلي, سؤال الهوية والجدارة, التماهي والقطيعة, بل وفي اللب من الشاغل السياسي والمجتمعي الضاغط على تفكير الإنتلجنسيا الأنتيلية منذ مطالع القرن العشرين, شاغل المواطنة الحق: هل نحن سود فرنسيون أم ترانا أفارقة أنتيليين?

لكننا ونحن نتحدث عن أدباء جزر الأنتيل يلزم أن ننبه إلى كوننا لا نتحدث عن أدباء كسيحي القريحة والخيال, بمعنى عن أنصاف أدباء, وإنما حديثنا عن أدباء حقيقيين أخذوا المسألة الأدبية مأخذ جد وأعربوا عن دربة ودراية بالغتين بدواليب اللغة الفرنسية, بل وحتى اللغة الإنجليزية, وأدرك بعضهم مراتب مشر فة في سل م العالمية الأدبية. حسبنا أن ننوه, في هذا المضمار, إلى ثلاثة أسماء أساسية ومشعة في الأدب الأنتيلي المعاصر: إيمي سيزير, أحد أعمدة الثالوث, الذي يضم أيضا الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور والشاعر الغوياني غونتار داماس, المؤسس لنظرية الزنوجة, الشاعر السريالي الذي لم يتمالك أندري بروتون نفسه وهو ينهي قراءة ملحمته الشعرية الفذة, »كراسة العودة إلى مسقط الرأس«, في وصفها بأنها درس بليغ في التخييل السريالي, وإدوار غليسان, أحد ممن كرسوا جدارة النص الشعري الأنتيلي, بل وأضافوا إلى الشعر الفرنسي إجمالا, في عقر لغته ومتخيله, إضافات حاسمة لا تنكر, ثم ديريك والكوت, الشاعر والروائي الذي يكفينا استذكار واقعة فوزه بجائزة نوبل للآداب, لعام 1992, مما يمكن احتسابه تحية رمزية موجهة للأدب الأنتيلي برمته وتثمينا معنويا لجهود سائر الفاعلين فيه, لندرك أهمية تجربته الأدبية ومدى أصالة موضوعاتها وجمالياتها.

حول ماهية النص الأدبي الأنتيلي وموجوديته وحدوده.. صفائه وهجنته.. طرائق التشييد النصي وتقنيات الإعمال التخييلي.. أو لنقل حول زوايا النظر المتباينة إلى هذا النص, وضمنيا بصدد علاقة كت اب جزر الأنتيل بنص سان جون بيرس: محطات هذا التعالق وتمفصلاته البارزة, مفاعيل النص البيرسي في النسيج الشامل للمتن الأدبي الأنتيلي.. وفي كلمة واحدة حول مناحي تدب ر ما يمكن دعوته بعقدة سان جون بيرس في الوعي الأدبي الأنتيلي الراهن تدور هذه الدراسة لفيرونيك بوني, والمقتطفة من مجلة ؛نفحة بيرس« – ع 8 / يونيو 1998 – التي تشرف عليها الناقدة البنيوية والسيميائية الفرنسية المعروفة جويل تامين.

؛يعد سان جون بيرس الأكثر أهمية من بين الشعراء الأحياء ؛, هذا ما كتبه غليسان عام 1969 في مصنفه, »الانتواء الشعري« (1). وبإحالته على هذا الشقيق الأكبر, الطاعن في القدم, وترتيبه لنوع من معترك بدني مع شعرية سان جون بيرس يدشن غليسان, من حيث يقصد أو لا يقصد, منحى لم يتوقف, في غضون العقود الموالية, عن التوسع والتجذر في نسيج الآداب الأنتيلية. ولعلهم قلة, في أيامنا هذه, الكت اب الكاريبيون مم ن يكتبون باللغة الفرنسية ولا يحيلون, بهذه الكيفية أو تلك, على سان جون بيرس (اسمه الحقيقي أليكسيس سان ليجي) الذي سوف يتمتع, وإن رمزيا, بمواطنة مسقط الرأس. فقد جرى الانعطاف به عن منبع إبداعه الأصلي وبقدر ما يلازم نثره نثر كثيرين أتوا بعده لم تكف  لغته الشعرية, من جهتها, عن تغذية جملة من الكتابات, ومع ذلك, وعلى منوال ما توضحه ماري غالاغير (2) فإن إنسية الشاعر البيضاء الأنتيلية, بل وسمته الأنتيلية القحة, ما فتئتا تطرحان أكثر من إشكال وإلا  كيف يمكننا تبرير الحضور المكرور لتمظهرات بيرسية شتى في الأدب الأنتيلي الجديد? وأيضا كيف نستطيع حصر الشعريات التي تجعل من هذه التمظهرات قرينة رمزية لها?

و سيان تعلق الشأن بالكتاب أو بالنقاد فلطالما خاضوا في حيثيات انبثاق أدب أنتيلي وفي ملابسات تعينه غير متلكئين في إقامة حججهم وبناء دفوعاتهم انطلاقا من مفارقة, ولو أنها مقلقة نسبيا, بحيث إنه في الوقت الذي يصرح فيه, على سبيل التمثيل, كل  من بيرنابي, شاموازو, وكونفيان قائلين: « لا وجود لأدب أنتيلي بعد, فنحن ما زلنا في وضعية ما قبل أدبية, نعني وضعية إنتاج كتابي يفتقر إلى متلقين في عين المكان, أي محلي ين, يمكنهم الإسهام في معادلة المؤلفين / القراء الكفيلة بإنضاج أيما أدب« (3). من المحقق أن محفلا, أو رأيا عاما, قرائيا, قد نشأ إن في جزر الأنتيل أو في الميتروبول قد يسعف على تكريس تقليد القراءة, بما هي واحدة من الأولويات المسطرة, ولم لا تلبية أوفى مما هو مؤم ل, لكن, وعوضا عن بلورة تفكير في ما يمكن حسبانه عدما تخي ليا لربما كان من اللائق, بل الأجدر, افتحاص سبل وصيغ تأسيس تراث أدبي يعثر على أهليته في العديد من الألاعيب البنائية المواربة التي تمثل, في الآن نفسه, جملة من الرهانات الغاية منها انتزاع موقع محدد داخل الحقل الأدبي. وللعلم فلكي يتم استحصال استقلالية ما وتحقيقها بإزاء أدب مرجعي ذي طبيعة هيمنية يلزم الأدب الوليد أن ينضوي على علاقة فرعية, مرتضاة أو محترز عليها لا فرق, مع الأسلاف الأدبيين, ومن هنا, ومثلما نص  على ذلك الكت اب والمبدعون المحسوبون على الإنسية البيضاء الأنتيلية, فلا مفر   لهذا الأخير من استحداث أسلافه الخاصين (4) والعمل, أحيانا, على قولبتهم ضمن شعاريته.

هذا إذا ما كان الغلاف التركيبي لأي  ثقافة كانت, والثقافة الأنتيلية في المقام الأول, من الأمور التي لا يعترضها الشك, فإنه لمن الملائم أن ننكب  الآن على جس  نبض العناصر التكوينية لهذه الثقافة واستبارها, ما دامت لا الخطابات ولا النصوص الأدبية لا تلح على تبنيها واستغلالها, والكشف سواء عن الخيالي أو عن تخييلية هاجس التحري عن شجرة النسب في ثناياها.

في هذا الاتجاه بالذات سوف لن يتقاعس ريجين روبان عن الجزم بحيوية متطلب كهذا, إذ ؛عندما يهم  الأمر الثقافة الخالصة المسماة إمبريالية فإن كافة الأشياء تتخذ لبوسا تخريبيا, وتصبح مادة تستوجب الإبقاء على مسافة واقية منها, لكن حالما نقوم بالنبش في ثقافة الآخرين, أولئك الذين لا يتوانون عن هدم ما هو خيالي تشرع كل  الفرضيات ذات الصلة بجوهرية الاختلاف في تلمس فضاء يسنح لها, في آخر المطاف, بإبداء التقدير, التام غير المنقوص, للثقافات المغايرة « (5). وبالنسبة لمناوئي فكرة الجوهرية فأن تكون هناك نزعة أنتيلية وأخرى تعبر عن الإنسية البيضاء الأنتيلية فإن الحركتين كلتيهما – والثانية بوجه أخص – تحكمهما, بما يكفي من الوضوح, تطلعات ملموسة إلى مواراة الأبنية المعاد تشييدها, هذه الأبنية التي تقترح, مرات كثيرة, مجموعة من الترسيمات التحديدية الملزمة بوصفها منجزات أو قيما لا غبار عليها مع أن الحاجة الموضوعية تقتضي وضعها, من قبلنا في أضعف الأحوال, موضع تدقيق واختبار.

عن توظيف سان جون بيرس في بناء الخطابات والشعريات الأنتيلية:

ما نعنيه بالخطابات الأنتيلية هو جماع الكتابات النقدية والتلقينية التي أنتجها كت اب جزر الأنتيل: دراسات, مقالات, وأنطولوجيات, وبأخذنا في الحسبان درجة الانفجار التي عرفتها الأجناس التقليدية المرفوع سهمها من لدن غليسان متبوعا بكل  من شاموازو وكونفيان يغدو في مكنتنا إدراج كل  التضمينات المتسربة إلى النصوص الخيالية والمقاطع التلقينية, التي تعالج موضوعا بعينه وتعمل في نفس الوقت على تطويره منهجيا, بمقولة الخطاب. وفي هذا الباب حقيق بنا أن نشير, بدءا, إلى أن مختلف الخطابات الأنتيلية تكاد تتساوى في ولائها لما يصح نعته بقضية الرفض والاختلاف في إطار وضعية فرانكفونية محلية معطاة (6). وبالفعل فتحت يافطة العلامة المثناة: المواجهة والاختلاف سيقوم غليسان, انطلاقا من ؛الانتواء الشعري؛, بتشخيص علاقته بسان جون بيرس وموضعتها في مكانها المناسب, ذلك أنه من بين سائر الشعراء المستحضرين في مصنفه هذا نلاحظ استئثار الشعرية البيرسية بنصيب كبير من الحدب والمساءلة في حين يصبح صاحبها مدعاة للاحتراس إن لم يكن أكثر الشعراء استجلابا للنفور. وبمنأى عن أي  انبهار سافر يعمد غليسان إلى تسليط الضوء على مجموعة من الاختلافات, المختلفين ضمنيا, جاعلا منها موضوع تأمل ناضج وحصيف باعتبارها مجموعة من الانزياحات الدالة على بناء خطاب أنتيلي مسخر لخدمة شعرية مخصوصة.

ضمن هؤلاء المختلفين قد لا يتعذر علينا أن نعزل منهم فريقا تكاد تتحول لديه فكرة الكونية, جراء طغيانها, إلى غريزة متأصلة (7), علما بأن غليسان لا يشاطر تماما فكرة الانطلاق الأدبي رأسا نحو الأفق الكوني, أضف إلى هذا أنه كان قد استقر للت و, ثانية, في جزيرة المارتينيك, إثر مقام طويل الأمد بفرنسا, في نفس الظرفية التي حر ر فيها ؛الانتواء الشعري؛. »إن الانسلاخ عن الجذور لا يستهويني«, كذا قال ذات مرة, وأبعد من هذا ما قاله مرة أخرى: »إن حلم هيا ننصرف لا يليق برجل مثلي« (8), والخلاصة أنه سوف لن ينثني عن مغالبة فكرة الكونية الحاملة, وفقا لتحليله, لمطبات الشمولية والتعميم. ثم إن وثوقه من هويته الأنتيلية المتنورة سيمنحه حصانة ضد استشعار ذاته مختزلة في ترسيمات غربية تقع في منزلة بين المجرد والمدرك ويحفزه على مساءلة الأسس الاجتماعية – العرقية لشعرية سان جون بيرس.

من هذا الضوء سنراه يقايس المسافة التي يخمنها فاصلة بينه وبين بيرس, بل ويقر, دونما تحرج, بانتسابه إلى أولئك الذين يجسدون, في ديوان ؛مدائح«, الديكور البشري لطفولة الملك الصغير: »أنا لست غير واحد من تلك الوجوه الخامدة الطنين, المطلية بلون العنب الهندي وبالحزن« (9), وهي الجملة التي ستكتسب فيما بعد صفة المسكوكية والتسيار ويقع الاستشهاد بها من طرف زمرة من الكت اب الأنتيليين الذين انوجدوا, على الغرار منه, وجها لوجه مع الأثر الإبداعي لسان جون بيرس الذي بزغ نور حياته في نفس أرضهم لكنه ينحدر, بخلافهم, من سلالة البيض الأنتيليين (10).

هذه الوجهة المزدوجة, بمعنى عدم التنكر للشاعر وتخوبل لغته الشعرية حقها من العرفان والثناء, يمكنها أن تجسد مدخلا إلى تخصيب المتخيل النقدي الذي قد ينتظمها ويتقرى مغزاها. فالخطاب الأنتيلي يضع نصب عينيه, وبطريقة لا مراء فيها, سمة الشاعر الأنتيلية, الشاعر الذي يمتنع عن التصنيف والموزع بين محاولتين تسعيان إلى اختزاله وتنميطه: تلك التي تود اجتثاثه من تربته الأم (هو المترحل العميق), والأخرى المتحمسة لإبراء ذمته من انتمائه إلى الإنسية البيضاء الأنتيلية, من ذلك التذبذب الذي لا ينتابني شك في أنه كابد, في الخفاء, ويلاته « (11). وهكذا سينقلب, على نحو متنام, التبرم من الشاعر إلى تعاطف, وبالمثل ستلجأ الدراسات النقدية المتأخرة, بشكل ملموس, إلى إعادة تقييم أكداس من الأحكام والتخريجات ذات الطابع الإيديولوجي, أو الأخلاقي بعامة, التي شابت المقاربات النقدية السابقة.

؛إنه لم يطق لعب دور مستعمري العالم على شاكلة ما بدا لي لفترة طويلة ؛, يؤكد غليسان مردفا إلى هذا كون بيرس »يسربل شعرية العلاقة بروح رسولية« (12). وبينما كان يرى فيه »شاعر الجوهر وخاتمة نوابغ تحرير الأعمدة الصحفية« (13) كانت, بالموازاة من هذه المفارقة الأولية في طريقها إلى الحل ليغدو الأثر الإبداعي محط تنويه, بل وتحكيم على هدي من المعايير والمواصفات الأنتيلية من جهة ونظرية – شعرية العلاقة من جهة ثانية, هذه الأخيرة التي لا يتحقق اكتمالها, فيما يرى, غليسان, سوى توسط بصنيع أدبي لأسم تقوى رمزيته واعتباريته على تغطية أدب وطني رهن الانولاد, ويقوم فيها, أي العلاقة, مفهوم الجذمور (*), المقترض من جيل دولوز وفيليكس غاتاري (41), مقام الإبدال Paradigme المركزي.

إن ما قام به كل من باتريك شاموازو ورافائيل كونفيان من قراءة نقدية لهي من قبيل الشهادة على علاقة تنسحب عليها الإشارة التي أطلقها غليسان (15), وهو ما تدققه ماري غالاغير بقولها: ؛إن سان جون بيرس يعد من بين المؤلفين القلائل, المولودين بجزر الأنتيل, الذين يتم استحضارهم والتنويه إليهم ضمن هذا النص الوجيز ]في تقريظ…[ , الذي يفجر حركة الإنسية البيضاء الأنتيلية « (16). ففي ضوء عنوان الفصل المكرس للشاعر في كتاب »الآداب البيضاء الأنتيلية«, وهو »التيه في عالم متجذر« (17), تلزمنا, في الواقع, قراءة عنوان فصل آخر هو »شعرية العلاقة: تيه متجذر«, لكن بشرط ألا  تمسي الانعكاسات, التصاديات, والتلاعبات المرآوية, قناعا للوشيجة المستدقة التي تؤالف بين الكاتبين وبين ابنهما البكر والتي تثمر عينة من الافتراضات النقدية الخالصة, وفي تضاعيف هذه القراءة سنلقى, بطبيعة الحال, تلك الصفحات الثلاث, المكتوبة وفقا لتقنية كانتونية, التي تتحدث عن سان جون بيرس متوسلة بسارد من جنس ساردي السير الذاتية: فسان جون بيرس كل  من شاموازو وكونفيان, المستعاد من خلال كتابة مواربة يبدو منشدا إلى لغة ورؤية للعالم تؤولان إلى البيض الأنتيليين:

؛كانت الجزيرة ذات الأشجار المورقة حلما يتربع على البحر.

لقد اعتاد الأب, مع حلول كل  غسق, أن يدثر جسده بجلد قرد من فصيلة كاميرونية ويشرع في تفقد الأروقة السطحية لمقر سكنانا بينما إصبعاه يمسكان بسيجار كوبي. كان قوامه الشبيه بهيكل بغل أدهم يسبغ على مآتينا الكثير من النبل والاعتزاز, أم ا شفتاه فكانتا ترتعشان بمجرد سماعه لشدو طائر الآناوو, وهناك, في تلك النقطة المتنائية من المزرعة, كانت البهائم الآدمية الضخمة الصماء, ذات الشعر القصير المجعد, تمسح عن مداريها وسكاكينها الكبيرة ما علق بها من أوساخ في بركة صغيرة يمتزج في صفحة مائها طيف أجسادها مع ما يبثه القمر من ظلال« (18).

إن الاسترفادات الحرفية ستخضع, بالنسبة لغالبية مقاطع  ديوان »مدائح«, كما يبدو لتحويرات تمس صيغ التلفظ – إحلال ضمير المتكلم محل ضمير المخاطب – في حين سيحصل تغيير مواقع بعض الترصيفات اللغوية, وفيما يخص سيد الإقامة – الأب – فهو سيحظى بغير قليل من الإشادة, أو, بالأولى, القداسة, وهو ما تجسده الحروف الطباعية المائلة التي تميز اسمه عن باقي الأسماء وشخصه عن غيره من الشخوص, مما يتنافي والمقصدية الأسلوبية والتعبيرية التي يتوخاها الديوان. فما كان يستهدفه شاموازو وكونفيان هو اختلاق مصادفة بين العمل الشعري لبيرس وبين سيرته الحياتية ما دام كل  ديوان من دواوينه الشعرية يختص بتصوير فترة معينة من حياته. ومما لاريب فيه فإن ما كان يهمهما في هذا المساق, بالدرجة الأولى, هو طفولة الشاعر الأنتيلية ثم فترة النفي والاغتراب فكان أن وقع غض  الطرف, مثلا, عن حرمان الشاعر من حقوقه الوطنية في عهد حكومة فيشي, الشيء الذي يشوه النصوص يلحق بها ضررا فادحا ويسيء, كما لا يخفى, إلى صاحبها إساءة بليغة.

إن المنافحين عن الإنسية البيضاء الأنتيلية ويتمثلونها أدبيا غالبا ما ينحتون للشاعر موقعا, يمثل مزيجا من التغاضي والتواطؤ, في مساحة لوحة صفتها الثبات وتسيجها رؤيتهم, هم, للعالم, وليس إميل يويو (19) الوحيد في هذا النطاق, بل هناك آخرون لشد  ما ألحوا على لسانه الأبيض الأنتيلي متغاضين هكذا عن لسانه الفرنسي الأصلي, ([…]) فهو من يدع مفردات المعجم الأبيض الأنتيلي تزهر في لغته بل والروح البيضاء الأنتيلية تتفتق في أمدائها: وبالنسبة لي فقد سحبت قدمي«, ومن الواضح أن الجملة الأخيرة مصدرها استنساخ عبارة بيضاء أنتيلية تقول:  Mwem memm, man tiré pyé mwem, dann  ومؤداها »فضلت أن أذهب لحال سبيلي […]«.(20)

فهذا التعبير الذي يستشهد به لا يويو ولا غليسان يملك, يقينا, قيمة شعارية بالنسبة للسان الأبيض الأنتيلي الذي لم يخلف, بصرف النظر عن ملموسيته من عدمها, سوى تأثيرات فاترة في النصوص الشعرية, والكاتبان حينما يرسمان حدود الشعرية البيرسية, مرتكزين على عنصر نسبه الأبيض الأنتيلي الذي يعدانه ضمانة حرية الشاعر, فإنما لكي يقع الزج بها في معادلة تضادية طرفها الثاني شعرية إيمي سيزير وزنوجته, وبالتالي فإن إطراءهما عليها يرد موشى بنقد لاذع لمؤلف »كراسة العودة إلى مسقط الرأس«.

و إذا ما استأنسنا بهذا النص فسينجلي لنا المنحى السخروي الذي تأخذه الصورة الشعرية البيرسية وهي تتبلور خارج سياقها النصي الأو لي, بل واتخاذها صفة رهان مركزي في حلبة التموضعات المتقاطبة القائمة في قلب الحقل الأدبي الفرنسي – الأنتيلي (21), هذا ما نستطيع استشفافه, على سبيل التدليل, من التبرة المتوجعة التي تسود رواية »جادة الحسرات« (22) لرافائيل كونفيان. فالسيد جان, المعلم سابقا والشاعر قليل المهارة »يلقب, مجاملة لطيبته ولين عريكته, سان جون بيرس الذي لم تعوزه قط حيلة الاستشهاد بنصوصه« (23), وعند تمحيصنا النظر نستطيع أن نجزم بكون هذه العبارة تنطلي على مؤلف الرواية لأن استعمال المعلم للغة البيرسية, المستنبتة, كيفما اتفق, في كامل النص الروائي ينم عن غايات سجالية مكشوفة تماما يترسمها الروائي قبل شخصيته الروائية. وفي نفس الإطار دائما سنراه يقوم بإطلاق سراح, مع أن الأمر مدعاة للعجب حقا, راميريز, »المستوطن الأبيض«, ؛الغريب الذي يا ما حاذى مركبه الشراعي ساحلنا (نحن من كنا نستنصت, أحيانا, آناء الليل زعيق البكرات الحديدية عند إنزال الأثقال), هلا  بحت لنا بالذي يؤلمك, وأخبرتنا عمن أوحى لك, خلال مساء جد دافئ, يحط رحالك في بساط الأرض الأليفة«(24), بحيث تبدو هنا مهمة تأسيس أدب أبيض أنتيلي أصيل واحدة من الأمور المستهدفة, وحتى يباشر إنجازها السيد جان سيلجأ إلى الفصل بين سيزير وبين »نظريته«, »زنوجته«, وهذره السريالي عماده اللغة البيرسية.

و لعلها عين الرغبة في اقتطاع حيز من المجال الأدبي هي ما سيقود طريقة تدبير الصور الشعرية البيرسية عند كاتبين من جزيرة الغوادولوب هما دانييل ماكسيمان وماريز كوندي. فالأول يجسد موقفا فكريا مستقلا يعكسه عدم انضوائه إلى أي  تيار أدبي كان وكذلك وضعيته الهامشية بإزاء زملائه المارتنيكيين. إن روايته »الشمس المعتزلة« التي سيعتبرها بيرنار موراليس »رواية الأدب الأنتيلي التي تلج بنا إلى السويداء من قلب الأدب الأنتيلي» (25) لا يضيرها في شيء أن تتجاهل, بنية مبيته, سان جون بيرس, وهو غياب دال ومعبر إذا ما نحن استخلصنا العبرة من تنحيته لا منشد الإقامة أو الشاعر, مؤلف ديواني »سفرة استكشافية صوب الدخيلة« و»منفى«, ذاته عن مهمة توفير الدينامية الروائية المستوجبة لشخصيات الساردين – الناسخين باليد. ورغما عن هذا فإن الإقامة, إقامة تلك الكائنات المتوهجة, الطافحة بالوضاءة, لا تتوانى, من حيث كونها فضاء – زمنا, عن اختراق إنتاجه الروائي في كليته. حقا إن الجزء الثالث من ثلاثية »الجزيرة ليلة» (26) يعمق القطيعة مع كتابة سان جون بيرس, ذلك أن الاستشهاد برسالة لهذا الاخير تطغى عليها لكنة متوترة, بل إعصارية, وتضمر نوعا من لغة ماورائية ينهض بوظيفة تعليقية واضحة ويسلم, فورا, القراءة إلى عنصر سير – ذاتي محدد, منتزع من بيوغرافيا الشاعر التي تضمها طبعة أعماله الصادرة ضمن سلسلة »لاب لياد«, ويشخص أيضا رد فعل الشاعر تجاه خبر زحف الإعصار الذي سيأتي على إقامة جوزيفين(27), بيد أنه, أي المتضمن النصي, يتمظهر خفيفا, رشيقا, بأثر من روحه النقدية الهازئة كما أنه يرسم خط ا حدوديا فاصلا ببين الكاتب الأنتيلي وبين صاحب »الآثار الكاملة«, بالنظر إلى كون المسافة التي تبعد الشاعر عن تركة ماضيه الأنتيلي لابد وأن تلقي في بال الذين يناضلون من أجل ضمان بقائهم وبقاء بلدهم, سواء بسواء, الرفض, ولا شيء غير الرفض, لتراثه.

على أن تموضع ماريز كوندي يتبدى أكثر تعقيدا ربما, فبعد ركوبها, على سبيل السخرية, لما يشبه الانتحال الأدبي في رواية »الحياة الآثمة« (28), وابتداع, في رواية »رحلة المانغروف**« (29) شخصية مستلهمة, على مدى واسع, من صورة بيرس الشعرية, سوف تختار معاودة قراءة الأثر الأدبي البيرسي من منظور اعتراضي, في انفتاح ضمني على مبدعي الإنسية البيضاء الأنتيلية الذين ستقترض منهم, من منظور ساخر دائما, عنوان دراستهم المستمد أصلا من أحد أعمال سان جون بيرس. فـ »مدائح« بيرس تستهل, وعلى نحو مفارق, بتصريح بالنوايا يمركز سجية رفض مطلق لكن, من جهتي, فقد »كنت أبغض دوما غطرسة المنتصرين, سواء كانت حقيقية أو متوهمة, وأمقتها, فهي محض كلمات صادرة عن أرستقراطي وديبلوماسي, كلمات محشوة بكثير من الرياء والمداهنة مما لا يشذ عن موضوعات سان جون بيرس وذلك منذ كتاباته الباكرة, كلمات هو من صمم, إن توخيت الدقة, على إبقائها على مبعدة مني» (30).

فطوال هذا النص الاستبطاني الذي ينزع إلى طريقة كتابية ملتوية سعيا إلى تصفية الحساب مع الكتاب المومأ إليه, والتوكيد على هوية امرأة سوداء أنتيلية متحررة في تصرفاتها, ستأخذ في التلطف تلك الشراسة القوية المعلن عنها كيما يتحقق نوع من الملاءمة ليس ما عدا مع الشاعر أو مع شعره المنظور إليه كآلة لتفريخ ألفاظ باردة بل وليتوافر شيء من التناغم مع درس أساسي ألا وهو درس تعددية الانتسابات وكثارية الولاءات, ثم النفي المتجدد, المستديم.

من الواضح أن الاقتراضات من سان جون بيرس سوف تتلابس في نطاق شخصية مرجعية وتشتغل مثلها مثل زي  خارجي لتدعيم أهداف أيديولوجية – أدبية تفاقم حدة الانشقاقات داخل الحقل الأدبي الأنتيلي الموضب أساسا بناء على جملة من التموضعات المتباينة, وبصيغة أخرى فما ينتظر منه, في الحقيقة, هو المثول الناجز في مسار ينتظر منه, بدوره, الإفضاء إلى قضية مائزة المعالم والاستجابة لحاجياتها: قضية الإنسية البيضاء الأنتيلية أو, على العكس, قضية مضادة لها (كوندي), ومن ثم فإن ديوان »مدائح« يلوح, من هذه الزاوية, وبما لا يقاس, مثوى للقصيدة الأكثر استحقاقا للاقتراب والتلمس من طرف أغلبية الكت اب, خلا ما كان من شأن غليسان الذي ارتأى أن يذرع كلية مساحة »الآثار الكاملة« عساه أن يقف على تمام واكتمال ما يود استكشافه. فالرهان يمكنه أن يتخذ, جماعيا, الصيغة التالية: هل يجب على الأدب الأنتيلي أن يعكس الواقع المحلي (واقع الجزر) أم واقع الشتات الأنتيلي? (31), هذا ولو أننا نلاحظ أن الكت اب المارتينيكيين ما لبثوا يغذون علاقة أكثر استقامة وصفاء مع الشاعر في حين يتسم موقف نظرائهم الغوادولوبيين بعزوفهم عنه, بل والاعتراض المتطرف عليه ملحين على نسبه العرقي – الاجتماعي, لكن في الحالتين معا يظهر أنه من العسير الآن الاستنكاف عن اتخاذ موقف, في الجوهر, من تراث رهن التوصيف والبناء المتلازمين.

دور سان جون بيرس في تطور الصور الروائية:

لكي تتوافر لها محايثة مقنعة, سواء في الدراسات أو ضمن التخييلات الآنفة الذكر, كان على اللغة المجتزأ بها من عالم وصورة سان جون بيرس الشعريين تسهم, بكيفية مخاتلة لا غير, في خلق الشخصيات الروائية وفي مناحي البناء السير – ذاتي. لكن, وخلافا لهذا الأمر, هناك روايتان اثنتان هما: »رحلة المانغروف« لماريز كوندي, و؛صناديق الاقتراع المختومة بالشمع الأحمر« (32) لإميل أوليفيي, لا تقتصران على ترتيب تماثلات واضحة بين ما يمكن اعتباره نصا مرجعيا وآخر ينكتب في كنفه, بل إنهما تصران على تطوير صور روائية تمتحانها, وإن جزئيا, من صور الشاعر. فالشخصيتان المحوريتان, فرانسيس سانشي في رواية »رحلة المانغروف« وأدريان غورفو في رواية »صناديق الاقتراع المختومة بالشمع الأحمر«, نلقاهما تؤوبان, كل  منهما إلى جزيرته الأصلية, بهدف الاستقرار النهائي, الشخصية الأولى صوب جزيرة الغوادولوب أما الثانية فنحو جزيرة هايتي, وذلك عقب مدة طويلة من الاغتراب. كلتاهما تعيشان وضعية غامضة يتجاذبها وازع الجوانية وداعي البر انية لا تحياها الجموعة السكنية التي تزمعان على الاندماج فيها. إن فرانسيس سانشي ينتمي إلى عائلة عريقة من البيض الأنتيليين ويجسد, في نفس الحين, مثال المستوطن الذي تقض مضجعه جريرة أصلية لا مجال له للشفاء منها. كذا, وفي سياق التماثلات الجارية بين المرجع البيرسي وبين الروايتين, المتعكزة, فيهما سوية, على تضمينات نصية بيرسية يتوزعها نسيجهما الحكائي, ستقوم رواية »رحلة المانغروف« بتقويل فرانسيس سانشي لغة, مستلة من »صداقة الأمير«, تبعث على الاستغراب وخصوصا منها تلك المقتطفات التي تصور التفاف ذلك الحشد من الرجال الريفيين إحدى الجثث الهامدة, وهم يستخبرون معنى هذا الذي تبصره أعينهم:

»من يكون في الحقيقة ذلك الرجل الذي فضل أن يلقى ميتته بينهم? أو كان مبعوثا, حامل رسالة من قوة فوق – طبيعية? ألم يقل مرة وثانية: سأعود على رأس كل  موسم تقبض يدي على طائر أخضر اللون ثرثار? […] ربما لزم من لحظتها رصد الكوى الندية للسماء رجاء التملي بطلعته مرة أخرى وجني عسل حكمته في نهاية المطاف« (33).

إن رواية »صناديق الاقتراع المختومة بالشمع الأحمر« تحيلنا, انطلاقا من العنوان وكذلك بناء على العبارة التصديرية, المقتطفة من القسم الثاني لديوان »منفى« الموسوم بـ »أمطار«, المثبتة في فاتحتها, بدون مشقة تذكر, على عالم سان جون بيرس: »إنها الرغبة مرة أخرى في الارتماء في أحضان الأرامل الطريات العود, أرامل غضات غادرهن محاربون يشبهون صناديق الاقتراع الضخمة, المشمعة من جديد« (الآثار الكاملة, ص 152-153). فمدلول العنوان سوف لن يتأخر عن الانتثار في أنحاء النص والتشرذم في أمدائه, وإذ يعي ن فتيات موزانتو المنذورات, بتصميم من والدهن, للعذرية والنقاء, وأشمل من هذا وصفه لصناديق الاقتراع الهايتية المشمعة جراء قرون من الديكتاتورية, لأن الرواية اختارت إطارا زمنيا لها الفترة المضرجة بالدماء التي تلت, أو, بالأدق, توجت الانتخابات الملغاة عام 1987, وذلك في إبان حكم الجنرال نانفي, إذ يستنهض مدلول العنوان هذا يأخذ, من هذا الضوء, المسار الذي يجتازه العائد معناه المخصوص وينمسخ إلى مسار إياب إلى المغترب الكيبيكي, أما صوت السارد الذي يتوجه إليه العائد على أعقابه بالكلام فلا يتردد في استسعاف كلمة »شرذمة « المكتوبة على الباب, واستلاف الأنشودتين المؤطرتين لديوان »سفرة استكشافية صوب الدخيلة« ومعهما جملة من المحمولات – الفرس, الكلب, طيور الترغلة الكاسرة.. – ممزوجة بالطفولة والتيه البيرسيين:

»ما الذي كنت تحوزه حيازة تامة فيما عدا بطائق إثبات الهوية? هنالك لا وجود لمقبرة عائلية, لإقامة يشتم  فيها أريج روح الأجداد, وهنا خلفت وراءك كلبك, فرسك الكميت, وترغلاتك. هذا أنت ذا تبحث عنهم فاقدا الأمل في العثور عليهم, وبأدب جم  سألت عابري سبيل إن كانوا قد رأوهم, واصفا لهم الطريق التي سلكوها ومفصحا لهم عن اسم يستصدونه. التقيت شخصا أو شخصين ربما قالا بأنهما سمعا نباح كلب وركض فرس, شخصين آخرين أو ثلاثة ربما لاحظوا اختفاء ترغلة خلف سحابة, والآن ما عليك سوى الاعتراف بأنه لا مندوحة لك عن العثور عليهم بأي  وجه كان, أو لم يصبهم هم أيضا الخسران, إن الخسران لا يقل في شيء عن سماكة الإسمنت المسلح وقوته.

وداعا! هل نطقت حقا بكلمة وداع! أنت منذ الآن تنتمي إلى سلالة أولئك الذين لم يحدث البتة أن أضاعوا كلبا, فرسا كميتا, وترغلات« (34).

بواسطة هذه اللغة التي تجد خصوبتها في رحم عمل أدبي جديد يجري إذن إدغام مشهدية مكان ولادة الشاعر الذي يصادر حقه في ملاقاة مرابع طفولته تثبيتا لخصلة »التائه العميق« فيه, وهو ما يصدق على مجموع الأعمال المستدل بها هنا, بحيث تستدرج لا حياة الشاعر ولا أثره الإبداعي لخدمة اختبار صلاحية ضرب من التهجين الإنساني, باطنيا, والنصي, في ظاهر الأشياء.

بصدد تطبيقات التهجين النصي:

 ما نرومه من تعبير تطبيقات التهجين النصي هو تلك الفعالية التدوينية المصوبة نحو هدف يتحدد في خلط, أو, بالأولى, تذويب, كثرة من الأدوات المنتقاة في بؤرة نص واحد. فالتطبيقات تشتغل, في الأعمال الأدبية الأنتيلية, عبر إعادة تكوين أو ترميم أو تنقيح السجلات اللفظية المنتزعة من العالم الكتابي البيرسي, هذا العالم الذي تظهر آثاره, قوية طورا وواهنة طورا آخر, في السطح من النصوص المعنية. وفي هذا الاتجاه يليق بنا القول, استهداء بجوليا كريستيفا وجيرار جنيت (35) وبفضلهما, بأن التناص جزء لا يتجزأ من ممارسة كتابية وجدت على الدوام, والإشارة, ضمن النطاق الضيق الذي يخصنا, إلى كونه يسهم, وبكثافة, في تبلور أخلاقية الإنسية البيضاء الأنتيلية وجماليتها, وبتعبير أفضل في استشراء حذلقتها الهوياتية. بهذا المعنى يتأكد إذن انخراط الحركتين الأدبيتين, المتحدث عنها سابقا, معا في مجال أكثر تراحبا لكنه أيضا أكثر التباسا, نقصد مجال الجمالية المابعد حداثية التي يفتها أن تنشئ ؛فضاء إشكاليا يصير فيه بمستطاع أي  متخيل محوره فكرة الانتماء على درجة من الانبساط, ويغدو موضع مساءلة ومباعدة في آن واحد, أو لنقل إن هذا الفضاء الإشكالي يتيح, داخل الإطارات المعاصرة, المابعد حداثية, للهويات المعقدة, التعددية في بعض الأحيان, أن تكون محط محاكاة مبطنة بالهزء, أن تنكتب ثانية أو تتناول بطريقة متحذلقة«(36).

لهذه العلة بالذات قد يزول استغرابنا من تجنب التنصيص على مصدر المقطع المحو ر في رواية إميل أوليفيي, بل وهو ما يحصل في معظم الأعمال الأدبية بحيث يندر من يقوم منها بالتنصيص على أصل الفقرات أو الجمل أو الكلمات المسترفدة من المتن البيرسي, هل تم الاجتزاء بها من القصيدة الفلانية أو من المجموعة الشعرية الفلانية, باستثناء غليسان الذي لا يغفل التنصيص على مقترضاته, إذ يحصرها بين مزدوجتين أو يكتبها, تمييزا لها, بحروف طباعية مائلة, ولو أن هذا لا يلغي كونه يستعمل, وعلى نطاق واسع, تقنية إحالية قريبة من تلك التي تبناها سيغالين (37) في كتاباته. فمع توالي أعماله الإبداعية اطردت حاجتها إلى تضمينات نصية, مطنبة في بعض الأحوال, لكن من غير أن يقفز على إثبات مظانها وقرائنها المرجعية مهما بلغت هذه المظان من الغزارة والقرائن من الكثرة, راميا, عمقيا, من وراء أمانته الكتابية هاته إلى ؛دحض مسألة الأصل والنسخة وتسفيهها, والدفاع على أهمية الصورة المضاعفة للأثر الإبداعي المستعاد«(38).

إن شعرية الأثر الإبداعي المستعاد, أو, بالحري, شعرية دمغته المسجلة, تتصف بنوع من التكرارية في جل  أعمال غليسان الإبداعية وتأخذ طابعا إبداليا واضحا حتى في مؤسسته النقدية, فإحالاته, مضافا إليها إحالات كوندي هو الآخر  في رواية ؛رحلة المانغروف«, إلى العمل الإبداعي البيرسي ينشأ عنها زمن يشارك في موسيقية النص المندغمة في بنيته, دليل هذا الجدوى السردية الناتجة أصلا عن مسرحة الأصوات الراجحة في ؛صداقة الأمير« وتمريرها عبر طبقات بوليفونية بغاية إعادة بناء المصير السديمي للشخصية الروائية الأساسية. إن هذه الممارسات النصية, التي تعمد, وذلك على أكثر من صعيد, إلى سحب النص الأول من مهاده الأصلي, يبدو أن شاغلها الفعلي هو إدماج مقاطع شعرية في لب نصوص روائية ونقدية وتحطيم, بالتالي, الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية, إنها, وهي تعد ل المعنى الأول لصالح معنى النص الثاني, إنما تدخل, من حيث تعي أو لا تعي, تحويرات جسيمة على حمولة شعر سان جون بيرس, بما هو شعر معد  لإسناد أمل كوني نذر له الشاعر نفسه, وتنحشر, بفعل هذا وخلافا له في نفس الآن, في هيئة مقطعية تسخر لإسناد قيم الثانوي, الجزئي, المحلي, أو المختلف في كلمة جامعة, وتغذية جماليتها. وبالمناسبة فإن هذه النقطة بالذات, الوثيقة الصلة بتطبيقات التهجين النصي, تلوح بمثابة تدريب على/ إعادة تكوين, صفتها الشمول والإطلاقية, لرؤية الشاعر للعالم التي لا تند , كغيرها, عن التأويل, وغير المعصومة, بأي  حال, من العيوب, وبالأساس عيب مفارقتها التاريخية, بحيث سيجمع كتاب الإنسية البيضاء الأنتيلية كون الشاعر ([…] لم يحاول […]) إيجاد تناغم بين تشذرات المختلف وظل, على امتداد حياته الحزينة, المنكسرة, متعلقا بالمافوق, بالأمور المتسامية, مغلقا عليه الباب بكتابة استهامها كلمات مأهولة بالبشر«.

بل والأبعد من هذا:

»وبدلا من دور المنشد المبجل للفعل التمديني الغربي, للاستعمار, الذي كان سيستقر عليه لم يلبث بيرس أن غدا مصدر عظمة ومثار إعجاب في الجانب الذي يسميه غليسان بالعلاقة الكونية, أو الجذبة المتعالية للعالم. إن مساره الذي كان خطيا خلال مشروعه الأو لي (على شاكلة مسار التطور الأوروبي- الغربي) سوف لن يتأخر عن اتخاذ صبغة دائرية, وذلك بإيقاع متدرج, أم ا الشاعر فسيأخذ, مثله مثل نحلة أنوفة, في ادخار ما هو مختلف والاقتيات عليه« (39).

و عليه ضمن هذا المسار الأخير ستواظب لا إصداراته الشعرية ولا مراسلاته على إعلان رفضه لمبدأ التهجين, باعتبار أن الهجنة لا تخرج في شيء عن معنى التشتت المكاني, عن دلالة التشوه والدنس, أضف إلى هذا ارتباط التهجين, وذلك ضدا على الجمالية المابعد حداثية, بعقيدة وحدة الوجود (40), ولربما جاز لنا احتساب ديوان »طيور« موئل هذا النزوع الهوياتي بحيث تسفر عن وجهها عارية هوية تكثفها أخلاقية انطوائية تجد مسوغها في فكرة الاختلاف (الآثار الكاملة, ص 413).

فإذا كان العمل الإبداعي البيرسي لا يمانع, كما ذكرنا, في الاستجابة لتأويلات متعددة ويتمتع كذلك بقابلية تخصيب شعريات جديدة فما من شك أن الفضل, كل  الفضل, في هذا مرجعه إلى خصيصته الكونية التي يجري كل  مرة, وبطريقة ممنهجة, إفراغها لفائدة خيارات إيديولوجية لا تنسجم, ولو أنها تبقى خليقة بالتفهم والاحترام, في الجملة, مع نوايا سان جون بيرس الشعرية. إن البعد الكوني لعمله الإبداعي هو ما يفسر تساميه بالانتماءات تفسيره لإمكانية قراءته خارج الأطر المكانية والزمنية التي رافقت ولادته, وكل  قراءة أو استعمال, مابعد حداثيين, لهذا العمل لا محيد لهما, بقوة الأشياء, عن الاصطدام, من جانب, بحدودهما الضمنية الحاجزة إن هما صرفا نظرهما عن هذا البعد المتحصل بدعوى خلفيته التآمرية على ما هو ثانوي, جزئي, محلي, أو مختلف, والخلوص, من جانب آخر, إلى الاقتناع بأن القيمة الكونية الوحيدة قد تكمن في انتفاء أي ما نزعة كونية, ودرء مجازفة اختزال »الآثار الكاملة« كل  مرة وحين إلى مجرد لازمة موسيقية تنزع, باستمرار, عنوة من مناخها الأصلي من أجل توطينها في مناخ مغاير خدمة لمقصدية لم تخامر قط تفكير الشاعر.

أثر الصيغة أو تحو ل الأدب إلى شيء آخر:

كافة هذه القضايا التي تطرقنا لها لابد وأن تسلمنا, في نهاية المطاف, إلى حيث نسائل ظاهرة يمكن أن تصبح, في حالة تعميمها, مفعولا, لا غير, لصيغة ذات محمول عقدي فيتيشي أعمى. فنحن لم نعد ندري, مثلا, عدد النصوص الروائية التي تتصدرها مقتطفات من سان جون بيرس, كما أننا لا نستغرب بتاتا لجوء نقاد الأدب إلى الاستشهاد به هدفهم من ذلك الإبانة – ولو أن المسألة لا تخلو من إشكال – عن نسبه الأنتيلي. والواقع أن هذه الجاذبية التي يمارسها بيرس على الحقل الأدبي الأنتيلي لمن ثمار الحركية التفاعلية, غير المنقطعة, التي يسهم فيها الكت اب والنقاد الأنتيليون, مع ملاحظة أن الممارسة التناصية لا تني تحقق في الحقل الأدبي الفرنسي – الأنتيلي, بصفة خاصة, حضورا أقوى مما يمكن تبريره بلون من الوفاء لتاريخ عائلي فعلي, وإن لم يكن فلا شك أن الأمر يدل على أحد أوجه التعلق بـ »رواية مآثرية« (41), بمناقبها التي تبعث على الفخار, لكن وبفجائعها ومآسيها, بضغوطاتها وإرغاماتها, وببوحها الغرامي الجميل.

و إذا ما كنا قد دأبنا على عدم التقليل من أهمية التحية التي خص  بها سان جون بيرس واحد مم ن حصلوا على جائزة نوبل للآداب, ونعني به الكاتب سان – لوسيان ديريك والكوت(42), أفلا يحق لنا القول بأن الخوف, كل  الخوف, هو أن ينظر إلى الاقتطاعات البيرسية باعتبارها قيمة مضافة لا أكثر? ذلك أن النصوص التي تلجأ إلى الاستشهاد بها, أي بهذه الاقتطاعات المشحونة بقيمتها الرمزية المتعينة, غالبا ما تكون معنية بعنصر استكشاف الذات, فضلا عن عنصر الممايزة الذي تمنحه إياها, وهو ما يملك مصداقيته الثابتة حتى خارج الحقل الأدبي الأنتيلي. ثم ألا يجوز لنا التساؤل عن مراد نادية الخوري من تدوين مقتطف تصديري, مستقى من مقالة نقدية يعالج بعض الشؤون الكندية الخالصة, يقول: ؛لأتكلم, لأتكلم لغة طارئة بين أناس يسري في عروقهم نفس دمي؛?(43).

ليس التناص مسلكا كتابيا يلازم بقوة مطردة النصوص التي تنكب  على شأن ولادتها وتتلف, في غضون هذه الولادة, إو آلية انبنائها, إنه, زيادة على هذا, جملة من السبل والطرائق التي تنتظر من يستثمرها, سبل وطرائق كفيلة باجراء علاقة ما برحت غير مختبرة عمل غليسان على مقاربة إرهاصاتها في كتابه ؛ميسيسيبي فولكنر«, مقارنا بين شعريات فولكنر, بيرس, وكامو, ومسترعيا الانتباه إلى اقتدار الأخيرين, مع كونهما ولدا خارج الحدود الوطنية لبلدهما, على تأسيس كتابة لم يهن عليها إنماء روحها الفرنسية, تعظيمها, والرقي بها تحت سماوات أخرى, وهي شعريات تنتدب شعارا لها موضوع الهوية المتحولة على الدوام, اللدنة وذات القابلية للتكيف, والتي تصون مسامها المفتوحة دمها من التخثر والجمود, وفي هذا الإطار يصرح غليسان بما يتماشى, بدقة متناهية, مع الذي أوردنا:

»هذا المكان مكانهم, سان جون بيرس وكامو حملاه معهما كما لو أنه ينبوع حزين وراعش. إن ديوان »مدائح« ونص »زفاف في تيبازا« مغموران بشعرية فائقة, ويتسمان ببعدهما التجريدي داخل وضعية مغايرة, بعد الانجلاء المسنن كرأس حسام واعتدال المزاج الكوني« (44).

أم ا حاصل هذه النظرة فهو انتقال شأن سان جون بيرس, بعد الآن, إلى دائرة ذرية أدبية تالية لا يهم  أن تقولب إرثا لا حدود لكونيته, وأن تعاود القولبة بحسب مشيئتها, وتغرس الجذور الجوهرية لهذه الكونية, بما هي في جزء منها جذورها, في التربة الأنتيلية. فلا أحد يشك في أن الألاعيب, والتناورات العديدة التي جنحت إليها أبنية نلقى نظيرا لها في تلك التي وطن الشاعر مخيلته عليها, وذلك بما يوازي تقنية الخرائطية, لكنها في هذا المقام خرائطية الانتسابات الثرية, المتزحزحة, التي يؤبنها, ما في ذلك ريب, عمل الشاعر الإبداعي ويشيعها إلى مثواها الأخير, لكنها تحوج, ربما أكثر من أي  شيء آخر, إعادة تكوين وتربية طويلة النفس تخوضهما, في وقتنا الراهن, الآداب الأنتيلية.

الهوامش:

1. إدوار غليسان: الانتواء الشعري, باريس, دار سوي, سلسلة ؛الأحجار الحية ؛, 1969, ص 511.

2. ماري غالاغير: سان جون بيرس والإنسية البيضاء الأنتيلية الجديدة, مجلة ؛نفحة بيرس؛, ع 4, يناير 1994, ص 75-91. وللإشارة فقد انعقد منتدى عالمي لإحياء الذكرى المئوية لميلاد الشاعر وضم ت مداخلات هذا اللقاء إلى مصنفين هما: »سان جون بيرس, النزعة الأنتيلية والنزعة الكونية«, باريس, منشورات كاريبيين, 1988, و»سان جون بيرس: الأنتيلي الكوني«, باريس, دار مينارد, 1991.

3. جان بيرنابي, باتريك شاموازو, رافائيل كونفيان: في تقريظ الإنسية البيضاء الأنتيلية, باريس, دار غاليمار, 1989, ص 14.

4. ([…]) تعتبر الثقافة إحدى الدعامات, زنة تثقل كاهل اليومي; […] إن الأسلاف يولدون على رأس كل  يوم وليسوا مسمرين في ماض لا يستذكره أحد […], نفس المرجع, ص 36.

5. (تحت إشراف) ريجين روبان: العرقية الخيالية – اليهودية والأدب, »دراسات أدبية«, المجلد 29, ع 3-4, جامعة لافال, شتاء 1997, ص 8.

6. روموالد فونكوا: خطاب الرفض.. خطاب الاختلاف.. خطاب في وضع الفرانكوفونية المحلية: مثال الكت اب الأنتيليين, »الإجماع والتنافر في الآداب الفرانكوفونية«, أعمال ندوة جامعة باريس العاشرة – نانطير, المنشورة تحت إشراف دانييل ديلتيل, باريس, دار لارماتان, 1992, ص 55-80.

7. قصيدة »جزر الهند الغربية«, باريس, دار فاليز, 1956, ومن الممكن قراءتها مثل نص مصب ر ناتج عن تناص نقدي, يوجهه منظور تقاطبي, اصطراعي, مع قصيدة »رياح«, إذ عند استثارة كل  من سان جون بيرس وغليسان لموضوع الغزاة نلقاهما يشخصان تاريخا واحدا لكنها لا يبتنيان نفس الصور الشعرية.

8. الانتواء الشعري, ص 116-117.

9. نفس المرجع, ص 116.

01. »هذه الوجوه البكماء المصبوغة بلون العنب الهندي وبالحزن كانت وجوه أهلي«, هذا ما جاء بقلم ماريز كوندي في مقالة تحمل عنوان »امتداح سان جون بيرس«, مجلة »أوروبا«, ع799-800, نونبر – دجنبر 1995, ص 21, أما باتريك شاموازو فسيستعمل نفس اللهجة الجازمة وهو يرسم صورة سيد الإقامة الذي يستغل استسلام عبده وخنوعه « إنه لشيء واضح, فالسيد لا يميز من التذكرات الحميمة سوى ما كان من أمر ذلك الوجه الذي يصبغه لون العنب الهندي والحزن, إنه يرى ظلا كبيرا منزوع الصوت, نصفه شارد خارج العالم, لعله يرمق بهيمة مكتنزة صامتة«, ضمن »الشيخ المستعبد وكلب المولوس (***)«, باريس, دار غاليمار, 1997, ص 98. وبخصوص الاسترفادات من ديوان »مدائح« فهي ترد في النص منفرزة من خلال كتابتها بحروف طباعية مائلة.

11. إدوار غليسان: الخطاب الأنتيلي, باريس, دار سوي, 1981, ص 431.

12. إدوار غليسان: شعرية العلاقة, باريس, دار غاليمار, 1990, ص 50-51.

13. إدوار غليسان: الانتواء الشعري, ص 119.

14. يتولى كل  من جيل دولوز وفيليكس غاتاري بالدرس إبدال الجذمور في كتابهما »ألف طبق«, باريس, دار مينوي, 1980. فهما يطبقان هذا المصطلح المقترض من معجم علم النبات ويتجلى هذا التطبيق, بشكل موسع, في مؤلفهما الآخر »الكتاب.. الجذمور«, بحيث يأخذ عندهما معنى تأسيس كل يانية ينبخس معها قدر كل  صنوف الواحدية, أما غليسان فسينحت, في اتساق مع نفس هذا المعنى, مفهوم »الهوية – الجذمور«.

15. إن ما يطول أعمال غليسان من اقتراض واقتطاع, سواء وقع التنصيص على ذلك أم لا, شيء يفوق الحصر, ويرجع سبب هذه الوفرة إلى اقتران الإنسية البيضاء الأنتيلية, من غير ما مراوغة, بالمنحى التطوري الذي وجه نظريات غليسان تجاوبا منها مع الحاجيات المستجدة لشعريته. انظر في هذا المضمار مقدمة ألان بوردو للبيبليوغرافيا المفسرة لإدوار غليسان, تورنتو, دار غريف, 1993, ص 12-22, وكذلك مساهمة ديفا داماتو الموسومة بـ »إدوار غليسان وبيان (في تقريظ الإنسية البيضاء الأنتيلية) «, ضمن »آفاق إدوار غليسان«, باريس, منشورات ج – د, 1992, ص 245-254.

16. ماري غالاغير: سان جون بيرس والإنسية البيضاء الأنتيلية الجديدة, ص 89.

17. باتريك شاموازو, رافائيل كونفيان: الآداب البيضاء الأنتيلية, محددات أنتيلية وقارية للأدب: 1635-1975, باريس, دار هايتي, سلسلة »مختصرات«, 1991, ص 157.

18. نفس المرجع, ص 157.

19. إميل يويو: سان جون بيرس وسارد المرويات, باريس, دار بورداس, 1991.

20. الآداب البيضاء الأنتيلية, ص 161-162. إذ يمثل لا الشاهد البيرسي أو العبارة الآيلة إلى قاموس البيض الأنتيليين مكتوبين بحروف طباعية مائلة.

21. ستكشف ماري غالاغير, فعلا, عن الاقتراضات , من ديوان »مدائح«, التي تحضر في السيرتين الذاتيتين لكل  من شاموازو, »على مقدار ما هناك من طفولة«, باريس, دار هايتي, 1990, وكونفيان, »جذور اليوم الذي أمامي«, باريس, دار غاليمار, 1993, وذلك في دراستها المثبتة سابقا,, ص 89-90.

22. رافائيل كونفيان: جاد ة الحسرات, باريس, دار غراسي, 1994.

23. نفس المرجع, ص 179-180.

24. نفسه, كما يمكن الاستئناس بمؤلفه المشترك مع شاموازو, ص 321.

25. شمس معتزلة أو الرواية في الأدب الأنتيلي: الإجماع والتنافر في الآداب الفرانكوفونية, ص 120. فبدءا من »جلد أسود, أقنعة بيضاء«, مرورا بـ»دفاعا عن الذات«, وانتهاء بـ»كراسة العودة إلى مسقط الرأس« ونصوص أخرى تأسيسية يقوم ماكسيمان بنصب معالم مسار أدب أنتيلي و/ أو أسود.

26. دانييل ماكسيمان: الجزيرة ليلة, باريس, دار سوي, 1996.

27. في سيرة حياته يكتب ألكسيس سان ليجي ما يلي: »في نيويورك كانت السيدة جاكلين كينيدي, بما أنها كانت في عين المكان, تشاهد ما تبقى من مزرعة عائلة الشاعر في جزيرة الغوادولوب, من إقامة جوزيفين التي طو ح بها الإعصار الأخير, وتكو ن انطباعات شخصية غائرة الأثر ستحملها معها عند عودتها» […], مرجع سابق, ص 38. ولعل الإشارة هنا إلى الذكرى, توسطا بأسلوب إيضاحي, »اعتمادا على العاطفة الرقيقة وآداب اللياقة الممكنة التي أبانت عنها جاكلين كينيدي وهي تقف على ذلك الدمار المهول فإنها ستفاجأ عند سماعها سان جون بيرس وهو يقول بصوت مسموع: هذا أفضل حالا! لم يعد يهمني أي  شيء! مصير الأشياء هو أن تذهب دوما مع الريح! » […], ص 1101.

28. ماريز كوندي: الحياة الآثمة, باريس, دار سيغرس, 1987, ص 222. بحيث تنزل الروائية هذا المقطع من ديوان »مدائح« منزلة هزء: »كانت خادمتي خلاسية لها حساسية شديدة تجاه زيت الخروع, ولطالما رأيت حبات من عرق متلألئ تنعقد فوق جبينها, وحوالي عينيها, كانت, وهي تحاذي الغدير عند الظهيرة, دافئة, يفوح من ثغرها أريج التفاح المور د«, ص 26.

29. ماريز كوندي: رحلة المانغروف, باريس, منشورات ميركور دي فرانس, 1989.

30. ماريز كوندي: امتداح سان جون بيرس. كما أنها ستكتب مايلي: »إن ما يبديه بعض المارتينيكيين من عناية بسان جون بيرس يظهر لي بمثابة لفتة مفتعلة نحوه, أو سلوكا ماكرا يراد منهما التعتيم على سيزير, الصنم الشعري الأشم  في ذلك الأوان […] , لقد استخلصت, من خلال ما أمدني به بعضهم من إفادات, أنه عاد مؤخرا إلى الوسط الأدبي وهو ما أعده مبعث قلق, واغتياظ كذلك, بالنسبة لي«, ص 12-22.

31. في ذات الوجهة كتب ريجيس أنطوان ما متضمنه: ؛إن الشعور بالانتساب إلى جزر الأنتيل […] بالنسبة للكاتب الكبير لمن الأشياء التي نعرفها حق المعرفة […] المسألة إشكالية لكنها تضع اليد على مأساة غوادولوبيين ومارتينيكيين آخرين, من أبناء اليوم, يتموقعون هم أيضا بين حرية اختيار مغادرة أرضهم وبين ضرورتها, التخلي, عمليا, عن مسقط الرأس لكن ليس إلى حد  الانفصال النهائي عنه ؛, عن ؛الأدب الفرنسي – الأنتيلي؛, باريس, دار كارتالا, 1992, ص 293.

32. إميل أوليفيي: صناديق الاقتراع المختومة بالشمع الأحمر, باريس, دار ألبان ميشيل, 1995.

33. ماريز كوندي: رحلة المانغروف, ص 247. ويتصل الأمر, أساسا, بروح المناجاة التي تطغى على »صداقة الأمير« والنبرة الخطابية المفخمة التي تلون لغة المستظهر, ص 26.

34. إمبل أوليفيي: صناديق الاقتراع المختومة بالشمع الأحمر, ص 284-285.

35. جوليا كريستيفا: ثورة اللغة الشعرية, باريس, دار سوي, 1974 / جيرار جنيت: طروس, الأدب في الدرجة الثانية, باريس, دار سوي, 1992.

36. ريجين روبان, مرجع سابق, ص 8.

37. »يمكن اعتبار الإحالة الأدبية صنفا من اللعب بالأفكار, سمته المهارة واللطف, يعلن عن نفسه من خلال صيغة غائمة تعمل على حجبه […] ولقد استبد بي جنوح قوي نحو إحالة بعينها لا يهمها, في أقل تقدير, ما تحبل به الجملة من مكنونات إيصاتية«. هذا ما كتبه سيغالين في عمله المعنون بـ »دراسة عن الغرائبية: في جمالية المختلف«, مونب يلييه, فاتا مورغانا, 1978, ص 62.

38. أنطوان كامب انيون: اليد الثانية أو صنعة الشاهد, باريس, دار سوي, 1979, ص 91.

39. باتريك شاموازو, رافائيل كونفيان: الآداب البيضاء الأنتيلية, ص 164-165.

40. يمكن الرجوع في هذا الصدد إلى مقالة جويل كاردس تامين: »من تعددية التمظهرات إلى أحادية الكينونة: فن الإلصاق عند سان جون بيرس«, الواردة بمؤلف »سان جون بيرس أو استراتيجية النضوب«, منشورات جامعة بروفانس, 1996, ص 93-104.

41. انظر مفهوم »رواية مآثرية«, وفقا لطرح ريجين روبان, في المصنف الذي يحمل نفس التسمية, مونريال, دار الاستهلال, 1989.

42. ديريك والكوت: خطبة في ستوكهولم, الملقاة خلال شهر دجنبر من عام 1992 على هامش حفل تسليم جائزة نوبل للآداب, ضمن مجلة »الأدب العالمي«, ع 36, ربيع 1993, ص 37-46.

43. نادية الخوري: من ذا الذي يهاب مردخاي ريشلر, دار بلزاك, سلسلة »ما هو حي  في الموضوع«. ويتضح أن هذا النص يقوم, من داخل كتابي قدحي, بمقايسة ردود فعل الصحافة الكيبيكية تجاه مواقف الكاتب اليهودي – الكندي, مردخاي ريشلر, المناوئة للسياسة اللغوية المتبعة في مقاطعة الكيبيك.

44.  إدوار غليسان: ميسيسيبي فولكنر, باريس, دار ستوك, 1996, ص 310.

(*) الجذمور أو الأرمولة :Rhizome ساق لها هيئة الجذر لكنها تظل لصيقة بمنبتها الأرضي/ (**) المانغروف :Mangrove شجر ينتعش في المناطق الاستوائية, تطلع من أغصانه جذور أخرى فتية قابلة للاستنبات/ (***) كلب المولوس:Chien Molosse كلب حراسة, ضخم البنية وشرس الطبع, موطنه الأصلي أرض المولوس.
 
فيرونيك بوني – ترجمة : بنعيسى بوحمالة مترجم وكاتب من المغرب

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …