مع إخلاصه لعلم الجمال الماركسي نصّه النقدي يصدر عن وعي عميق بنظريات الأدب وأدواته

نضــال الصـــالح


لم يكن غالب هلساً روائياً مبدعاً أو ظاهرة بنفسه في مدوّنة السرد العربي فحسب؛ بل كان أيضاً أحد أبرز النقّاد العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا ما تطمح هذه القراءة إلى التعريف به، أيْ بوصفه ناقداً، ولا سيما العلامات الكبرى المميزة لمنجزه في هذا المجال، وأبرز حوامله الفكرية والفنّية، ثمّ مقاربة أطروحاته ومحاورتها في آن.
وتجدر الإشارة بدايةً إلى أنّ هذا المنجَز لا يتحدد بمؤلفات هلسا الثلاثة: «قراءات نقدية»، و«فصول في النقد»، و»المكان في الرواية العربية»، بل يتجاوزه إلى المقدّمة التي صدّر بها ترجمته لكتاب «غاستون باشلار»: «جماليات المكان»، ودراسته «الحوار المبتور»، المنشورة في كتاب فيصل درّاج: «حوار في علاقات الثقافة والسياسة».

علامات كبرى
يمكن اختزال العلامات المميزة لنقد غالب هلسا فيما يأتي:
1. إخلاصه لجنسين أدبيين فحسب: الرواية، والقصة القصيرة.
2. تحرّره من حمّى التوثين التي طبعت الأغلب الأعمّ من النقد الأدبيّ العربيّ في الربع الأخير من القرن العشرين، أي إلحاح ذلك النقد على أسماء وتجارب بعينها، وإهمال سواها.
3. تعبيره عن مسيرة هلسا الحياتية الخاصة، فالتجارب الإبداعية التي شكّلت مصادره النقدية هي تلك التي ينتمي كتّابها إلى الأقطار التي استقرّ فيها خلال رحلة نفيه عن وطنه الأردن (مصر، العراق، سورية)، بالإضافة إلى بعض التجارب القصصية والروائية الفلسطينية التي حظيت باهتمامه لسببين: لمشاركته في العمل السياسي والكفاحي إلى جانب الفصائل اليسارية الفلسطينية، وللاهتمام الذي حظي به الإبداع الفلسطيني عامة منذ بداية النصف الثاني من عقد الستينيات، ولا سيما بعد هزيمة حزيران.
4. غياب الإبداع النسوي العربي عن حقل اهتماماته النقدية على الرغم من وجود إبداع نسويّ عربيّ جدير بالاهتمام والمتابعة النقدية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، أي خلال المرحلة التي شهدت ذروة إنتاجه النقديّ.
مدخل إلى نقده
يتسم الأغلب الأعمّ من نقد غالب هلسا بإخلاصه الواضح لمصادره الأدبية، أي تحرّره من وطأة المكانة الأدبية العالية لبعض المبدعين، التي سقط تحت ضرباتها المتلاحقة معظمُ النقّاد العرب، وصدوره عن مخزون معرفيّ ثرّ، وفي غير حقل من حقول الفكر والثقافة، ثمّ استجابته الدائمة للحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي العربي، ووعي منتِجه بالدور الذي ينهض الإبداع به في عمليتي التنوير والتغيير معاً، وقبل ذلك كلّه تعبيره عن منظومة فلسفية تكاد تكون خالصة من شوائب الأيديولوجيا التي لم ينج من براثنها سوى القليل من النقّاد الماركسيين العرب الذين كان هلسا واحداً منهم.
كان هلسا، في الأغلب الأعمّ ممّا كتب في حقل النقد الأدبيّ، ناقداً حصيفاً، ومرهفاً، وقادراً على التقاط المفاصل الدقيقة لحركة الفكر والثقافة في الوطن العربي، ومثقّفاً عضوياً مؤرّقاً بالأسئلة المركزية للمرحلة التاريخية التي ينتمي إليها. وشأن الكثير من مثقّفي النصف الثاني من خمسينيات القرن الفائت لم يكن النقد الأدبيّ بالنسبة إليه سوى حامل من حوامل عدّة لبناء وعي عربيّ جديد، ولعلّ ذلك ما يفسّر تعدّد اشتغالاته والأغلب الأعمّ من مثقفي تلك المرحلة في غير حقل معرفيّ: في الأدب، والنقد، والفكر، والترجمة، والسياسة.
ومهما يكن من أمر صدور الممارسة النقدية لديه عن منهج محدّد، هو المنهج الماركسي، كما صرّح نفسه بذلك في غير حوار معه ومساجلة مع سواه(1)، فإنّ تلك الممارسة غالباً ما كانت تبتكر وعيها الخاصّ بها، الذي يأبى التمثّل المطلق للمقولات السابقة على النصّ، بل ينطلق منه، ويسائله بوصفه فنّاً لا وثيقة اجتماعية أو إعلاناً سياسياً (انظر: فصول. ص10)(2).
لم تكن الماركسية بالنسبة إلى هلسا عقيدة، بل منهجاً (انظر: الحوار المبتور. ص67)(3)، ولذلك لم يكن ينظر إلى أطروحاتها الجمالية كلّها بوصفها كتاباً مقدّساً صالحاً لكلّ الأزمنة والأمكنة والمجتمعات، ولعلّ أجهر الأمثلة في هذا المجال مقاله الموسوم «الحوار المبتور»، ولا سيّما ما يعني وظيفة الأدب، واللغة الروائية، والبطل الإيجابي(4). لقد كان هلسا ناقداً، شأنه إنساناً ومفكّراً، ضدّ ثقافة العطالة، أي تلك التي ترغم المرء على أن يكون متلقّياً فحسب، وتأسيساً على ذلك، فإنّه من الممكن وصف وعيه النقدي بأنّه وعي تنويري، بالمعنى الذي يحيل على الدلالة الاصطلاحية للتنوير لا الدلالة الزمنية، أعني: التفكير الذاتي والثقة بالعقل.

الوعي النقدي
على الرغم من صداح هلسا في غير كتاب نقدي له، وفي غير مقال وحوار، بأنّ «الذوق» أو «الانطباع» هو منطلقه الأوّل في أيّ مقاربة ينجزها لنصّ، أو مجموعة، أو تجربة، كما في قوله في كتابه النقديّ الأول: «إنني حين أقرأ عملاً إبداعياً أدبياً، لا أحاكمه انطلاقاً من مسلّمات نقدية أو جمالية في ذهني، بل أدع ذوقي وحده ليحكم.. إنّ نقدي يكون محاولة للتعبير عن تذوّقي من خلال منطلقات نقدية» (قراءات. ص6)(5)، فإنّ المتتبّع لتجربته النقدية ينتهي إلى أنّ ذلك الصداح لا يصمد طويلاً أمام نصّه النقديّ الذي يبدو مفعماً بإشارات كثيرة إلى صدوره عن وعي عميق بنظريات الأدب، وأدواته وإجراءاته النقدية.
وإذا سلّم المرء بصدور نقده عن «الذوق»، فإنّ هذا الأخير لا يبدو فعالية فردية خاصة بصاحبها، أو مزاجية، بل فعالية محكومة بضوابط معرفية وإجرائية شديدة الحساسية، ونتاج وعي جماليّ مرهف، وهي وثيقة الصلة برؤية فلسفية للواقع والفنّ معاً، وقبل ذلك «منحازة للنصّ الأدبيّ»(6)، لا لشيء سابق عليه على نحو مطلق، أو خارج عنه على نحو يقينيّ. ولعلّ تلك السمة التي ميّزت أداءه النقديّ هي ما دفعت د.نعيم اليافي إلى القول إنّه مهما يكن من أمر أنّ كتابات هلسا النقدية «مجرّد انطباعات صادرة عن تذوّق، أو مجرّد اقترابات تفسيرية أو تحليلية أو إسقاطية صادرة عن رؤية وموقف ومنهج ومنهجية، فإنّها تشكّل في النهاية وجهات نظر نقدية يمكن أن تتجمّع وأن تتلامح وأن تُنسب إليه وحده أو يُنسب هو إليها»(7).

حوامل الوعي النقدي
1. التجربة:
تحوز «التجربة» مكانة مهمّة في وعي هلسا النقدي، وإلى حدّ تبدو معه أشبه باللازمة في مجمل دراساته النقدية، إذ تكاد لا تخلو دراسة له من حديث عنها، أو إشارة إلى الدور الذي تنهض به في تحديد صلة النسب التي تربط النصّ المكتوب بالإبداع. وتعني لديه المعايشة، أي علاقة المبدع المباشرة بموضوع نصّه، ومعرفته له حقّ المعرفة.
وبحسب هلسا نفسه فإنّ «كلّ ما يُكتب بعيداً عن هذين العنصرين (التجربة والمعرفة) لا يمكن إدخاله في مجال الفنّ. إنّه مجرّد لغو» (فصول. ص14).
إنّ «التجربة هي جوهر العمل الفنّي» (فصول. ص91)، وهذا الأخير هو الذي يميز تجارب البشر بعضها من بعض، التي غالباً ما تتشابه فيما بينها. والفنّ، عبر التجربة، كما هو وسيلة لاكتشاف الذات، هو وسيلة لاكتشاف الآخرين أيضاً (انظر: فصول. ص91). ومن أبرز أمثلة هلسا لتأكيده أهمية التجربة في الفنّ، الثورة والكفّاح المسلّح اللذان يفترضان في رأيه معايشةً، حتى تأتي النصوص المكتوبة عنهما إبداعاً حقاً.
فالأعمال الإبداعية التي خُلِّدت على مرّ العصور في رأيه هي تلك التي صدرت عن خبرة مباشرة لمبدعها بها، بل لاكتوائه بأوارها: «هل نتصوّر همنغواي يكتب (لمن تقرع الأجراس) أو مالرو يكتب (أيام الأمل) لو لم يشاركا مشاركة فعلية في الحرب الأهلية الإسبانية؟» (فصول. ص68).
وليست التجربة وحدها، كما يرى هلسا، عنصراً مكتملاً بنفسه في الفنّ، فعلى الرغم من أنّها جوهرٌ فيه، فإنّ النصّ الذي يصدر عنها لا يعني أنّه فنّ بالضرورة. إنّها مكوّن مركزيّ ضمن عناصر أخرى لا يستغني عنها النصّ ليكون كذلك. ومن تلك العناصر في رأيه جدل العام والخاص، الذي لا تكتفي مقاربته له بالكشف عن بصيرة نقدية رهيفة تعمّق مفهوم التضايف بين الشكل والمحتوى، فحسب، بل تتجاوز ذلك أيضاً إلى تقديمها توصيفاً مغايراً للمتواتر في النقد الأدبيّ حول الطرف الأوّل من تلك الثنائية، أي العام، الذي طالما تمّت الإشارة إليه بوصفه فعالية خارج نصّية.
إنّ «العام» عند هلسا هو «الأطر والأشكال الموضوعية المستعملة في العمل الأدبي بما فيها الأفكار المجرّدة.. (و) اللغة والشكل الفنّي والنمط الأدبيّ والتكنيك»(فصول. ص90).
ولذلك كلّه، في رأيه، وجوده الموضوعي والمنفصل «عن العمل الفنّي رغم استحالة وجود هذا في الواقع. وأمّا الخاص في الفنّ.. فهو التجربة الذاتية للفنّان. وللتجربة الذاتية وجود فعليّ خارج الشكل الفنّي.. إن اندماجها في العام هو فقط الذي يحوّلها إلى فنّ. ولا يتمّ هذا الاندماج بشكل اتحاد بسيط، بل بشكل جدليّ» (فصول. ص90)(8).

2. الفنّ والفنّان:
الفنّ في رأي هلسا «أهمّ وسيلة للمعرفة الإنسانية». إنّه «يعيد بناء الواقع حتى يتيح لمتلقّي الفنّ أن يدرك واقعه بعمق» (فصول.
ص81)(9)، وقدرة العمل الفنّي العظيم تكمن، في رأيه أيضاً، في مخاطبته الإنسان «في كلّ زمان ومكان، وكلّ سنّ، ربّما» (فصول. ص41)، والمسألة الأساسية في الفنّ «هي قدرة الفنّان أن يكون موضوعياً» (فصول. ص197).
والموضوعية عند هلسا، التي يعدّها من أبرز السمات المميّزة للفنّان العظيم، تعني قدرة هذا الفنّان على رؤية الواقع من خلال معطيات الواقع نفسه (انظر: فصول. ص197)، وقدرته أيضاً على التعبير عن معاناته وانحيازاته على نحو مفارق لأحاسيسه ومشاعره.
والفنّان العظيم والصادق هو الذي «يتجاوز في فنّه آراءه وطبقته»(فصول. ص19)(10)، كما يتجاوز الحكم الأخلاقي (انظر: فصول. ص146)، والذي «يعمّق الوعي من خلال إزالته لأوهام المتلقّي»(فصول. ص81)، ثمّ الذي يستكمل شرطين لازمين: الوعي والاستبصار الذاتي «لأنه يستحيل إنتاج فن حقيقي دونهما»(فصول. ص113).

3. الواقع والواقعية:
النيّات الحسنة في رأي هلسا لا تصنع فنّاً، والمطلوب من الكاتب دائماً عدم القفز فوق الواقع الموضوعي (انظر: فصول. ص76)، والغوص عليه، والنفاذ إلى خصوصية البيئة التي يصدر عنها (انظر: فصول. ص219).
والواقعية، في رأيه أيضاً، لا يستنفدها تفسير واحد (انظر: فصول. ص144).
كان هلسا كثير الهجاء للوعي الساذج والشائه بمفهوم الواقعية الاشتراكية، وعلى نحو أدقّ بـ»المفهوم الرومانسي الغوغائي الفجّ أو الطفوليّ للواقعية الاشتراكية»(11)، ولعلّ أبرز الأمثلة في هذا المجال سخريته الواضحة من أطروحة حنّا مينة حول وظيفة الأدب، التي ترى أنّ الواقع ينعكس في الأدب، وفي الفنّ عامة، وأن الأدب يرتدّ إلى الواقع ليسهم في تغييره ليجعله واقعاً جديداً ومتجدداً أبداً، فقد ردّ هلسا عليها بقوله: «كأنّ الواقع هو الذي يقرأ الأدب، لا البشر، وانطلاقاً من هذا المفهوم يجب أن نلقي في سلّة المهملات أعمال هوميروس وشكسبير ودانتي، وانتهاء ببروست وجويس وفوكنر. إنهم لا يعكسون واقعنا» (الحوار المبتور. ص66).

في جماليات السرد
تترجّع الممارسة النقدية لدى غالب هلسا بين أربعة عناصر أساسية في السرد، وغالباً ما يضبط تلك الممارسة في هذا المجال نظامٌ في الأداء النقدي له إيقاعه الخاصّ به، ومنطلقاته وإجراءاته وغاياته المحدّدة. وتلك العناصر هي: الشخصيات، والوصف، واللغة، والمكان(12).

1. الشخصيات:
كما أنّه ما مِن سرد من دون شخصية أو شخصيات، ما مِن نصّ نقديّ لغالب هلسا من دون إمعان لافت للنظر في ذلك العنصر المركزيّ في السرد. ويمكن إجمال السمات المميّزة لذلك العنصر كما يتردّد في نقده بسمتين مركزيتين: الإقناع، والاستقلالية. عنى بالأول قدرة القاصّ أو الروائي على تقديم شخصيات حكائية من لحم ودم، وعلى تقديم سرد يستجيب قارئه له بوصفه سرداً وثيق الصلة بالواقع، أي بوصفه سرداً مقنعاً من خلال منطق الشخصيات والأحداث لا من خلال إرادة سابقة على النصّ. (انظر: فصول. ص29). أمّا الاستقلالية، فقد عنى بها ضرورة تقديم الشخصية من خلالها نفسها لا من خلال مبدعها الذي يمكن أن يجعل منها دمية يحرّكها على النحو الذي يشاء وبالاتجاه الذي يشاء، ويضخّ في وعيها ما يشاء من الأفكار والمقولات (انظر: فصول. 43).
لقد أخذ هلسا على إميل حبيبي تحويله شخصية المتشائل في روايته: «الوقائع الغريبة في اختفاء أبي سعيد النحس المتشائل» إلى «مجرّد حيلة، يعبّر فيها.. عن آرائه. إنّ المتشائل، بين يدي المؤلف، يصبح كقطعة الإسفنج الرخوة، يفعل بها ما يشاء. ونستطيع أن نقول عن الشخصيات الأخرى الشيء نفسه. إنها لا تلفت نظرنا، إلا بمجرد كونها جزءاً من برهان على شيء، وعندما تنتهي، تخفت، إلى أن تُستدعى ثانية» (فصول. ص37). كما أخذ على جبرا إبراهيم جبرا افتقاده الموضوعية في تصوير شخصيات روايته «البحث عن وليد مسعود»، التي غالباً ما تفقد، كما رأى، ملامحها المميّزة، وتتحوّل إلى مجرّد تحقيق لرغبات وليد مسعود (انظر: فصول. ص65).

2. الوصف
ليس الوصف، في رأي هلسا، فعالية اعتباطية، أو تزيينية، بل مكوّن فاعل في أدبيّة النصّ.
وبتتبّع آرائه في هذا المجال يخلص المرء إلى أنّ ثمّة شروطاً ثلاثة لما يمكن الاصطلاح عليه بالوصف الفاعل في النصّ: الأول أن ينهض الوصف بأداء وظيفة كي لا يبدو عبئاً على النصّ، فيسيء إليه عندئذ إساءة بالغة (انظر: فصول. ص215). والثاني أن يتجنّب القاصّ الاستغراق في الوصف، لأنّ الوصف التفصيلي قد ينحرف بموضوع النص أو مضمونه (انظر: فصول. ص216).
أمّا الثالث فهو أن يخاطب الوصف خيال القارئ لا عينيه (انظر: فصول. ص179).

3. اللغة
يمثّلُ عنصر اللغة لدى هلسا علامة دالّة على مدى قرب النصّ أو بعده عن الفنّ، فاللغة، في رأيه، ليست أداة للإيصال، بل أداة لتحرير العمل الفنّي من واقعيته الجافة. ولعلّ أبرز ما يميز وعيه النقديّ في هذا المجال إلحاحه الواضح على أنّ تحرير اللغة من كونها أداة للتبليغ إلى كونها فنّاً أو عنصراً دالّاً على صلة النصّ بالفنّ لا تكمن فيما هو بلاغي، أي في مدى قدرة مبدعها على إنتاج التشبيهات والاستعارات والمجازات والكنايات و..، بل في ما يعني استعمالاً جديداً لها (انظر: فصول. ص92)، يطلقها من أسر البلاغة إلى فضاء الصورة، ومن أسر التقرير إلى فضاء الإيحاء (انظر: فصول. ص129)، وعلى نحو يؤشّر «الفنّان الحقيقي» من خلاله إلى تجاوزه المستقرّ، والمتشابه، والسائد.
إنّ الفنّان في رأي هلسا هو ذاك الذي يبحث عن لغته الخاصة دائماً (انظر: فصول. ص130)، وفي رأيه أيضاً أنّ «اللغة الروائية الجيّدة هي دائماً لغة ذات كثافة وإيحاء» (الحوار المبتور. ص74)، ولذلك فإنّ «قاموس كلّ لغة يجب أن تُعاد كتابته بعد كلّ عمل أدبيّ عظيم» (فصول. ص92).

في نقد النقد
ينتهي المتتبّع لمنجَز غالب هلسا النقديّ إلى امتلاء ذلك المنجَز بغير إشارة إلى ثقافته العالية، لا في حقل النقد فحسب، بل في مختلف مغامرات الفكر البشري أيضاً، وعلى نحو دالّ على ثراء مخزونه المعرفيّ بتلك المغامرات من جهة، وعلى قدرته على الربط والمحاكمة اللذين عدّهما نعيم اليافي «بعض صفات الناقد الخبير أو البصير»(13) من جهة ثانية.
فمن مغامرات المنهج الواقعيّ ومرجعه الفلسفي، كما في الأغلب الأعمّ من أدائه النقديّ، إلى مثيلها ممّا أنجزه المنهج الأسطوريّ، كما في مقاربته لرواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» ولا سيّما ما يعني مفهوم «النماذج البدئية»، ثمّ المنهج النفسي، إلى بعض معطيات علم الجمال، إلى سوى ذلك من إنجازات النقد الأدبيّ، يتحرّك نصّ هلسا النقديّ بوصفه معرفة تتأسس على معرفة، وتؤسس لمعرفة في آن. ولعلّ أبرز ما كان يميز استثماره لتلك المغامرات والإنجازات هو كفاءته الواضحة في تحريرها من جفافها النظريّ أو أصولها الفلسفية لتتجلّى معه ومن خلاله بوصفها نقداً أدبياً، فعلى الرغم، على سبيل المثال، من الزخم والكثافة البارزين في غير نصّ من نصوصه النقدية لمعطيات التحليل النفسي، فإنّ هذا الأخير لديه لا يغادر دائرة المقاربة النقدية و»لا يتحوّل عنده كما تحوّل عند سواه إلى منهج في تحليل النصوص أو أصحابها كعينات سريريّة وإنما تظلّ النصوص كما يظلّ أصحابها في مجال الفنّ، ويظلّ هو ناقداً أدبياً أكثر من أن يكون ناقداً نفسياً»(14).
وإذا كان ممّا يمكن عدّه علامة فارقة في وعي هلسا النقديّ تأكيده في غير موضع من نصوصه النقدية وحواراته وشهاداته أنّ النقد علْم «من أهمّ ما أنتجت الحضارة البشرية» (فصول. ص51)، فإنّ من أبرز ما يميز تلك العلامة تعبيرها عن سمتين مركزيتين في أدائه النقدي: حركة نصّه الدائبة، والواضحة أحياناً، من حقل العلم إلى حقل الفنّ، ومن الثاني إلى الأوّل، وانتساب النصّ نفسه، في الحالين معاً، إلى حقل النقد الأدبيّ، ثمّ خلوّ ذلك النصّ من الحشو، والمعاظلة، والإنشاء.
غير أنّ ذلك كلّه، وسواه ممّا يكاد يمنح منجَزه النقديّ خصوصية في النقد الأدبيّ العربي الحديث، لا يعني أنّ مجمل ذلك المنجَز يستوفي لنفسه مجمل عناصر الممارسة النقدية المكتملة على غير مستوى، فمن اللافت للنظر إلحاحه الواضح على إطلاق أحكام قيمة على مصادره الإبداعية، وإلى حد يبدو «من الصعب لديه أن نَصِفَ النص دون أن نقوّمه، أو نفسّره دون أن نبيّن رأياً فيه، أو نحلّله دون أن نُصدر عليه في الخاتمة حكمَ قيمة»(15).
ومن اللافت للنظر أيضاً عدم توثيق غالب لمصادره ومراجعه، ربّما تقديراً منه بأنّه يتوجّه إلى قرّاء مختصين أو متابعين لحراك الإبداع العربي، ثمّ عدم تحرّر نصّه النقديّ على نحو تامّ من وطأة المرجع الأيديولوجي للمنهج النقديّ المركزي الذي كان يصدر عنه، فعلى الرغم من نأيه بنفسه عن لوثة التقديس لفلسفة أو منهج أو سواهما، فإنّه لم يستطع الفكاك من أسر علم الجمال الماركسي، إذ ظلّ نقده، في الأغلب الأعمّ منه، يدور في فلك الوظيفة الاجتماعية للأدب، وظلّ الأساس الذي ينطلق منه هو الاقتراب الاجتماعي، ولم تكن «الاقترابات الأخرى إلّا تنويعات يحاول أن يلجأ إليها لتعميق فهمه للنص أولاً، ولتدعيم اقترابه الاجتماعي الذي آثره ثانياً» (16).

شاهد أيضاً

لِمَ ننادي بنظريّة نقدية عربية؟! الواقع المعرفي والثقافي يؤكد عالمية النظريات

فهد حسين إن الدعوة التي تطلق بين الحين الآخر في مشهدنا الثقافي والنقدي، وهي: الحاجة …