أخبار عاجلة

مفهـــوم المسرحة

  إن مفهوم المسرحة حديث نسبياً، فقد ظهر في القرن العشرين، لكنه ومنذ ظهوره لعب دوراً في تغيير النظرة إلى كل ما هو «مسرحي»  بداية، ثم إلى كل ما ينتمي إلى عالم العرض، ومن ثم شمل مجالات أخرى منها الحياة الاجتماعية والحياة اليومية. ويبدو الأمر اليوم وكأن هذا المفهوم، بكل ما كان له من تأثير في القرن الماضي،  قد أدى مهمته.  فقد طور المنظور إلى عالم العرض الذي اتسع ليشمل كل الفنون، كذلك طور البحث في التداخل بين فكرة العرض أو الاستعراض وبين الحياة بمفهومها الاجتماعي.

لكننا لا نبالغ عندما نقول أن المفهوم لا يزال حتى اليوم مفهوما إشكاليا لأنه كما يقول البعض يمكن أن يستبدل بمفاهيم أخرى قريبة منه مثل مفهوم الإخراج أو غيره كالاستعراض أو العرض، أكثر وضوحاً برأيهم. وهناك دراسات لباحثين مهمين مثل الفرنسي باتريس بافيس وغيره يرون في المفهوم  تمثيلاً لحقبة زمنية تميزت بالتأكيد على «خصوصية المسرح» ثم تجاوزت هذا الهدف، وهم يرون أننا اليوم يمكن أن نتكلم عن «إخراج على الخشبة» أكثر من مسرحة، ويرون في التعبيرين تقارباً في المعنى عندما يتعلق الأمر بالمسرح على الأقل. وهناك  غيره مثل  الباحث الفرنسي كلود إميه والأستاذ في جامعة باريس الثامنة الذي، رغم اقتناعه بأهمية هذا المجال، يقترح اليوم تسمية جديدة أكثر شمولية، على حد قوله، وهو تعبير مسرحي theatrique لأنه يرى أن المسرحة قد شملت مجالات عدة تجاوزت المسرح وأن المفهوم الجديد يؤدي المعنى بشكل أفضل لكن اقتراحه لم يلق صدى» حتى الآن على حد علمنا.

في هذا البحث سنطرح دور / مفهوم المسرحة / في تغيير النظرة إلى المسرح بداية، ومن ثم، وضمن تطور معنى المفهوم ومجالاته، سنطرح دوره في تغيير النظرة إلى الفن بشكل عام، ومجالات أخرى. ويهمنا أن نوضح منذ البداية أن كلامنا هذا لا يعني أبداً أن مفهوم المسرحة كان العنصر المؤثر الوحيد الذي أدى إلى التحولات العديدة في مجال فنون العرض والفنون التشكيلية وحتى في الفنون الزمنية مثل الغناء، التي نطرحها في هذه الدراسة، وإنما نرى أن ظهور المفهوم هو دلالة لتفاعل  ظروف أدت إلى تغيرات جوهرية في هذه المجالات. فظهوره ترافق مع ظهور وتطور مفاهيم  ومصطلحات جديدة دخلت القاموس المهني أو النقدي في السياق ذاته مثل مفهوم السينوغرافيا أو البرفورمانس أو فنون الحد الأدنى وغيرها وهي تعبر عن تطور عام في هذه المجالات.. وعليه لا بد من الإشارة إلى أن ظهور هذه المفاهيم هو سمة من سمات العصر الحديث (مسرحة نشرة الأخبار أو أي شيء أخر في وسائل الاتصال)، وتعبيراً عن التقاء الفنون الزمنية بالفنون المكانية (الأغنية والفيديو كليب) وملمحاً هاماً من ملامح الحداثة وما بعدها.

كلمة جديدة على القاموس اللغوي وهي كما يقول باتريس بافيس في قاموسه المسرحي، تعبير «عصي على التعريف لا يمكننا إعطاء تعريف واحد لا يحمل أي التباس، ولكنه يتحمل توصيفات متعددة من خلال أشكال تمظهره في العروض اليوم» وبهذا المعنى يبدو هذا المفهوم مفهوما إجرائيا ذا فعالية ومن هنا تكمن أهمية وجوده على المستوى النظري. إننا نعتبره مفهوما مفتاحيا فعالاً في مجالات عديدة،  منها الفنون بأنواعها والبحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي (عندما نتكلم عن مسرحة الحياة اليومية وعن تلفزيون الواقع) وعلم النفس أو التحليل النفسي (مسرحة الهواجس ومسرحة الحلم).

في سياق النقاش،  سنحاول سبر مدى تأثر الفن بشكل عام بالتحولات التي أثرت على المسرح في العالم وهل كان هناك تساوق في هذا التأثر في كل المجالات وفي كل البلدان أو الحضارات؟.أي أن تطور مجال الفنون كان حصراً في مناطق محددة في العالم أم أنه قد يصبح ظاهرة عالمية؟ حيث أننا نرى أن ظهور المفهوم وتطور معناه ترافق مع ظهور تيار الحداثة وبعد ذلك ما سمي بما بعد الحداثة. وهذا يدفع للتساؤل حول مدى تفاعل الفن في بلادنا مع تيارات حداثية وهل كان هناك تساوق في التحديث في كل المجالات وهل أنها مست حياتنا وفكرنا بطريقة سليمة وصحية؟.

هناك اليوم إشكال حول المصطلح والمفهوم نلخصه بسؤال بسيط هل فعلاً المسرحة نابعة من المسرح؟ أم أنها تشكل قاعدة أوسع من المسرح وهي التي  أفرزت  أشكالاً عدة من المسرحة منها مسرحة المسرح؟ بمعنى من يسبق الآخر المسرح أم المسرحة؟ علينا ان نطرح السؤال لأن محاولة الرد عليه تلخص كل الحكاية. من المؤكد بداية أن النواة الصلبة التي يرتكز عليها تعبير «المسرحة» هو المسرح،  فهو مشتق من كلمة مسرح في كل اللغات التي نعرفها. إن تعبير المسرحة في مجال المسرح يُرجع اليوم إلى هو موجود على الخشبة ويشكل مقومات العرض المسرحي، وأننا اليوم نتكلم  بالنسبة للمسرح عن مسرحة معلنة أو مسرحة مضمرة، وهذا ما يسمح لنا من الناحية النقدية بتحديد طبيعة نص أو عرض ما.

إنما مفهوم المسرحة كما يفهم اليوم، يتجاوز ما يتعلق بالمسرح فقط ويرجع إلى شيء أعمق وأكثر بدائية من المسرح إنه يتعلق بشكل إدراكنا للعالم. وهذا ما يسمح باستخدامات متعددة للمفهوم في مجالات عديدة.

في البداية لا بد من العودة إلى الأصول (أصول المسرح- وجذور المصطلح) لشرح هذه الفكرة.  ونعتمد في تعريف المفهوم على مراجع عدة لنحاول الإحاطة بوجهات النظر العديدة حول المفهوم، وبالنسبة للتقديم التاريخي نعتمد دراسة كلود إميه حول المفهوم  التي نشرت في عدد من مجلة تيياتر theatre  الصادرة عن جامعة باريس الثامنة  دار نشر لاماتان 1998.

1

ظهر المصطلح في بداية القرن العشرين وقد ظهر على قاعدة الثنائية التي أرقت المسرح لقرون عدة وهي ثنائية الأدب أي أدبية المسرح والمسرحة. واستخدم ليعني كل ما هو خصوصية مسرحية في العرض أو حتى في النص.  لقد كان ظهوره ردة فعل على استغراق المسرح الغربي في الأدب، وكأنه كان تجاوبا» مع صرخة أرتور  لإنقاذ المسرح الغربي من الأدب.

المعاجم الفرنسية  مثلاً (روبير ثم لا روس) تعرف المصطلح بالتالي «موائمة أو ملائمة عمل (درامي أو موسيقي أو غيره) مع المتطلبات الأساسية للبناء المسرحي» ثم يتميز قاموس لاروس بإعطاء تعريفين: الأول يتعلق بالبحث عن الخصوصية المسرحية «ملائمة عمل درامي فني أو موسيقي مع متطلبات المسرح في جوهره» . والتعريف الثاني يفصل بين النص المسرحي والعرض على الخشبة : «صفات مسرحية تعود فعاليتها لمقومات خاصة مشهدية أكثر من الطابع الأدبي للنص». وهذا يعني أن هذه التعريفات تدعم الفكرة التي تفصل بين كون المسرح نصاً «أدبياً» وبين كونه عرضاً يقدم أمام جمهور.

 

2

نيكولاي إفرينوف evreinov وغريزة المسرحة.

في فترة مبكرة من القرن العشرين  عام 1908    استخدم نيكولاي  إفرينوف evreinov  وهو روسي انتقل للعيش في فرنسا في بداية القرن  العشرين، تعبير المسرحة في دراسة له نشرت  بعنوان «apologie de la theatralite « والكلمة في اللغة الروسية teatralnost  ،  وهو في دراسته  يعتبر أن غريزة المسرحة هي غريزة طبيعية عند الإنسان مثلها مثل أي غريزة أخرى، وأن هذه الغريزة تسبق أي رغبة أو محاولة جمالية أو فنية (وهو هنا يلتقي مع الدراسات الفرويدية). وفي عام 1917 نشر بحثاً بعنوان المسرح لأجل ذاته وفيه يؤكد على ضرورة دراسة المسرح بخصوصيته التي تتحدد بالمسرحة(1). وقد عاد ليؤكد في هذه الدراسة على المعنى الأول الذي أعطاه للمفهوم إذ  ربط في بين الطقوس (وخاصة الدينية منها)  وبين المسرح وكذلك درس ما أسماه «اللحظات التاريخية»  من وجهة نظر المسرحة ودرس حاجة الإنسان إلى تلك المسرحة. وهذا يعني ان هناك منذ البداية بعدين في استخدام المفهوم الأول إنساني والثاني مسرحي يؤكد على خصوصية المسرح.

 وقد تواكبت دراسات إفرينوف مع دراسات مدرسة براغ حول أدبية الشعر وفكرة الأدبية.  Theatralite – litteralite (تعبير ابتكره جاكوبسون عام 1919 ليدل على البنية والفعالية الأدبية في الحدث الأدبي أو على المادة الأدبية)  وكانت مدرسة براغ تحاول  البحث في جوهر ما هو أدبي.

من ناحية أخرى كان هناك موقف المسرحي الروسي مييرخولد الذي استخدم التعبير ذاته لكن بمعنى أخر في نفس المرحلة تقريباً. فقد تكلم عن إبراز أو إعلان المسرحة عندما تكلم عن «العرف الواعي» أو «المسرح الممسرح» وأظن أنه بهذا مهد الطريق لنظرية بريشت في التغريب.

 وهنا لا بد من طرح الملاحظات التالية:

– ان ظهور المفهومين في تلك الفترة الزمنية لهو مؤشر هام من الناحية التاريخية والفلسفية عن تغيير معين في براديغما / مستويات وانواع /الفن بشكل عام، وقد يرز هذا التغيير مع ظهور الحداثة، وجاء هذا التحول بعد ظهور مفهوم الاستيتيكا (علم الجمال) عند هيغيل الذي يعتبر المحطة الأولى لسلسلة من الدراسات التي بدأت تطرح خصوصية الفن، أي علاقة الفن بالفن وعلاقة الفنون ببعضها البعض.

-في مرحلة الحداثة ومع ظهور الفن الحديث والطليعي كان لا بد من ابتكار أدوات مفهومية جديدة تجيب على أسئلة تطرحها الأشكال الفنية الجديدة، وقد وظفت هذه المفاهيم لتوصيف وتحديد خصائص الفن الحديث ومن ثم لتمييز كل فن على حدة. ونذكر مثلاً ظهور مفهوم خصوصية المسرح ومصطلح العلاقة المسرحية في منتصف القرن الماضي.

 3

انتشار المصطلح

في أوروبا الغربية كان رولان بارت أول من استخدم المصطلح في دراسته حول مسرح بودلير في عام  1954 وقد أعطاه هو الأخر معنيين: الأول يتعلق بالممثل وتجسده للدور، فهو عندما يجسد الدور يتحول إلى شخص آخر فهو يمسرح، والمعنى الثاني يتعلق بالعناصر التي تؤدي إلى المشهدية في المسرح، فهو عندما يسأل ما المسرحة؟  إنها المسرح بدون النص. (الأحاسيس الحركة النبرة الصوت الإضاءة إلى ما هنالك). ولكنه يضيف بعد ذلك أنها نواة المسرحة، في أي عمل مسرحي مهما كانت طبيعته لا بد أن تكون موجودة منذ اللحظة الأولى للكتابة. وهذا هو أساس فصل الأدبي عن المسرحي (وهذا ما يذكرنا من جديد بأرتور).

البلجيكي جان ماري بييم في تعريفه  للمسرحة (الجزء الأول من التعريف في قاموس المسرح الذي أشرف عليه وكتب بعض فقراته الأستاذ والباحث ميشيل كورفان) يرفض الكلام عن المسرحة خارج إطار العرض المسرحي ويرى أنه مفهوم مرتبط بالمسرح حصراً ولا يمكن إيجاده في الفنون الأخرى. وهو يؤكد ارتباط المفهوم بالعرض أو «المشهد بشكل كبير مهما كانت طبيعة العرض ولكنه يبدو أكثر وضوحاً عندما تقترب عناصر العرض،  مهما كانت طبيعته، من مقومات العرض المسرحي.

وهو ما يؤكد عليه ميشيل كورفان في تعريفة للمسرحة في المصدر ذاته  عندما يتكلم عن حضور وغياب من خلال جسد الممثل «المسرحة تتحدد بثلاثة عناصر إنها «حضور، وتوجه للجمهور، وهي عرض لما هو غائب (أي استحضار)» ، كذلك الأمر بالنسبة لميشيل برنارد في دراسته عن لغة تعبير الممثل وخاصة صوته، وهو يحدد المسرحة بتلك العلاقة بين الكلام والجسد. «في هذا التداخل بين الجسد كلغة واللغة الصوتية»….

بالنتيجة نرى أن كل من حاول البحث في موضوع المسرحة وتعريفها وصل إلى نتيجة مفادها أن المسرحة مرتبطة بما هو مشهد ولا علاقة لها بالنص لكن بذورها موجودة في الكتابة. وانطلاقاً من هذه الفكرة سيحاول العديد من الباحثين أو القراء العاديون تحديد المسرحة في نصوص لها طابع سردي أو حتى في فنون لا تتعامل مع المشهد بشكل مباشر(2).

وهنا لا بد من الإشارة أن مرحلة طويلة من تاريخ مسرح القرن العشرين قد تميزت بالبحث عن الخصوصية المسرحية أو المسرحة في النص والعرض على حد سواء. وتحددت هذه الخصوصية بالعناصر المادية التي توجد في العرض من مكان وأجساد وأغراض وحركة وصوت أو أصوات، وفي النص بالعناصر التي تكسر الإيهام وتخاطب المتفرج بشكل مباشر أي العناصر التي تؤكد على المسرحة وتغلب التأثير الفكري لما يقدم أكثر من التأثير الانفعالي. وقد أدى هذا البحث إلى تحول في رؤية دور المسرح وشكل تعبيره عن العالم.

4

اصول المسرحة في المسرح فلسفة الفكرة(3)

ولد المسرح  الغربي في اليونان في ظروف محددة لا داعي لذكرها هنا لأنها معروفة، في مرحلة ما من مراحل الثقافة اليونانية وهي المرحلة البدائية، قبل ظهور المسرح ولكن أيضاً قبل ظهور الفكر والفلسفة، كانت هناك طقوس جماعية، وكان قائد جوقة الأسلاف مثلاً  يقود الجوقة مرددا نص الأسطورة، لم يكن يعيد تمثيل أو يعيد تجسيد البطل الإله وإنما كان يتحول هو إلى هذا البطل. وكانت المجموعة المشاركة تعيش الطقس بنوع من المشاركة المقدسة. الأسطورة والطقس بالمعنى الديني  ليسا إعادة إنتاج الشيء وإنما الشيء بحد ذاته، والطقس ليس عرضاً وإنما حقيقة مُعاشة وفضاء الطقس ليس فضاء عرض وإنما جزء منه.

المقصود بكل هذا التأكيد على فكرة أنه  يكن هناك في البداية مسافة نقدية بين الشيء وتمظهره في الاحتفال، كان هناك وحدة بين الغرض وعلاماته. وعلى مستوى  الأشياء التي تظهر أو تستخدم في العرض لم تكن هناك أية مسافة تفصل بين الأشياء وتمثيلها. وهذا يعني أنه في الفكر الأسطوري تكمن قوة الأشياء في ذاتها وليس عبر دلالتها. القوة داخل الأشياء، وبالتالي كان هناك وحدة بين الشيء وظاهره أو العلامات التي تعبر عنه، لأن الشيء أو الموضوع وصورته الخارجية (العلامات) هما من طبيعة واحدة، وبالتالي كان هناك خلط بين الشيء وصورته، ولما كانت الصورة إعادة تمثيل أو استحضار للغائب، لم يكن هناك صورة تعيد تمثيل الشيء. الطقس لم يكن يعني بالنسبة لليونان في تلك المرحلة إعادة إحياء أو إعادة تمثيل الشيء وإنما الشيء بحد ذاته. إنه حقيقة بحد ذاتها. وبالتالي المكان لم يكن مكان استحضار أو إظهار،  والوسط أي الفضاء (المكان الزمان) هما جزء لا يتجزأ من الشيء بحد ذاته. ليس هناك علاقات ثنائية داخل خارج، دال ومدلول، فاعل غرض. لذلك لم يكن هناك تعارض بين عالم الفعل وعالم الفكر عندما ظهرت المدينة (أثينا). 

مع ظهور الفلسفة التي تعني التأمل والوضوح كان لا بد من مسافة بين الشيء والفكرة لأن هذه المسافة ضرورية للمعرفة. وترافق هذا تلقائياً مع ظهور المسرح. إن كلمة الفكرة عند أفلاطون idea ، وعند أرسطو ideos  ، تعني المسافة التي تفصل بين الشيء والفكرة.  وهذا التمييز بين الشيء والفكرة  سيؤدي إلى منظور جديد للأشياء ولمعرفة الأشياء أو الأمور. بالنسبة للمفهوم اليوناني الأولي نجد فكرة نلخصها بالتالي «أنا أعرف بمقدار ما أرى»  على أساس أن  العين تحمل أو تبث ضوءاً، وهذا الضوء يختلط مع النار الخارجية للروح، التي يضيء الأجسام في العالم الخارجي وهذا ما يسمح لنا بالرؤية…. لكننا لا نرى كل شيء إنما نرى ما يقع في إطار رؤيتنا فقط. انطلاقاً من هذه الرؤية البسيطة لكهنا شديدة الدلالة تظهر أيضاً الهوة بين ما هو موضوعي في المعرفة وما هو وذاتي.. فالإنسان لا يقبل ولا يفهم ولا يصدق إلا ما يراه. لذلك ارتبطت المعرفة بإشكالية النظرة أو الرؤية منذ البداية. وقد ظهر في اليونان القديمة شكل من المعرفة يربط بين مفهوم محدد للنظر ورؤية قابلة للفهم المنطقي للأشياء. وليس هنا مجال الاستطراد مدى ترابط هذه الفكرة بفلسفة المسرح، لكن لننظر إلى المصطلحين التاليين الأول وهو opsis  الذي يعني «عرضا» وهو مشتق من مصطلح optis الذي يعني الرؤية،  والمصطلح الآخر وهو theatron  ويعني المكان الذي نرى منه أو نراه، لنفهم الجوهر الفلسفي للمسرح.

5

معنى المسرحة في المسرح

إن خشبة المسرح هي مكان له وجود مادي حقيقي فارغ مرئي يمثل أو يستحضر بشكل رمزي مكاناً آخر غائباً. و من التعريف نستخلص التالي: من غير المهم، في هذا السياق، تحديد ما إذا كانت هذه الفكرة هي نتيجة لوجود المسرح أم أن المسرح انبثق عنها، المهم أنه بالنتيجة يمكننا القول أن المسرح هو المكان الأمثل الذي نرى فيه الشيء غير الموجود هنا- الآن (أو نستحضره)، وهذا الشيء الغائب- الموجود من خلال المسرح يؤثر فينا ويضاف إلى تجربتنا الحياتية. وبالتالي فإن فكرة المسرحة غير مرتبطة جوهرياً (وإنما تقنياً) بتحويل شيء أو فكرة أو حادثة إلى مسرح وإنما بشكل إدراكنا لهذا الشيء، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظرتنا إلى الأمور وبشكل إدراكنا للعالم (فنحن نرى في الحلم مشهداً).  وبالتالي  يمكن لتعبير المسرحة أن يتجاوز ما هو مرتبط بشك مباشر  بالمسرح.  لذا فإننا نعتبر ظهور المسرحة في المسرح كان كرد فعل على قواعد وفلسفة المسرح الغربي والفنون (المحاكاة والإيهام والتمثل)

إن المرجع الأول للمسرح الغربي هو فن الشعر لأرسطو. كذلك بالنسبة للفنون هي فكرة محاكاة الواقع.

وأرسطو في فن الشعر يفصل بين المضمون وهو   muthos المحمول بالكلام   logos والشكل أو التمظهر  ويحدد المعالم الرئيسية للتراجيديا كعرض، بغض النظر عن النص(4).

-الشخصيات التي تفعل (التراجيديا هي فعل درامي) على الخشبة تقول أنا، وبالتالي المحاكاة هنا ليست محاكاة بالسرد وإنما بالفعل.

-انتظام التراجيديا في عرض يعتمد على التشكيل الحركي. وبما أن غاية التراجيديا هي التطهير فالتطهير يتم عبر وجود المشهد والفضاء الثلاثي الأبعاد لأنه يجسد الحكاية.

-الوسائل الأخرى الموجودة على الخشبة إضافة إلى الشخصيات والحوار، مثل الديكور والجوقة التي تحمل الغناء والإيقاعالموسيقى.

-العلاقة المباشرة بين العرض والمتفرج وهي علاقة مواجهة.. العرض يدخل في مجال رؤية المتفرج.

إذاً مفهوم المسرحة كما يرد منذ البداية يرتكز على أربع خصائص:

– حرفية الشيء من خلال الوجود المادي للأشياء والأشخاص على الخشبة.

-هدف العرض وهذا الوجود وهو محاكاة الأشياء والأشخاص وهي تحاكي أو تقلد الواقع.

-الشمولية الفنية،  كل الفنون تلقي على الخشبة.

-علاقة المواجهة la frontalite المواجهة الجسدية وبالعين بين ما يُرى ومن يرى.

ولكن ورغم كل ذلك فإن أرسطو ومن بعده كل المسرح الغربي حتى ظهور الحداثة، أعطى الأولوية للنص (بكونه سلسلة من الأفعال- الأحداث)  على العرض. فالمأساوي موجود في النص وعبره يتم التطهير والتربية السياسية للمواطن.

 إن تاريخ المسرح الغربي يتميز بهذا الصراع بين حرفية وجود الأشياء على الخشبة وبين محاكاتها لشيء حقيقي في الحياة. ويمكننا أن نضيف أن هذا المسرح يقع في تناقض هام، لأن هاجس المسرح الغربي كان دائماً استحضار الأشياء على أنها هي الحقيقة الموضوعية، وكأنه يقول هذه هي الحقيقة ما هو على الخشبة ليس المسرح (ضمن مهمة  الإيهام التي وضعها لنفسه)، وبالتالي فإن هذا المسرح  عبر تاريخه أعطى المكانة الأولى  للشعر الدرامي ورأى فيه جوهر المحاكاة  وأعتبره أفضل من الفلسفة. وقد احتل الشعر المرتبة الأولى في سلم الفنون لأنه فن انعكاسي مرتبط بالمعرفة والفكر والحساسية أيضاً.

تحول في مفهوم المسرحة دخل مع الحداثة. وقلب رأساً على عقب أسبقية وأفضلية النص على العرض، أول من طرح الأمر هو فاغنر عندما أعطى الدور الأول للتراجيديا كما تبدو على الخشبة وطالب بأن تعود للتراجيديا حياتها أو أن تعيش على الخشبة.

ميرخولد دعا إلى العودة إلى مفهوم اللعب في المسرح مقابل حرفية المحاكاة التي جردت المسرح من المسرحة. وانطلاقاً من هنا تم الكلام عن خصوصية المسرح. واعتبر أن إظهار عرض الحياة على الخشبة هو إعادة لعب الحياة وليس تقليدها. (البيوميكانيك – عودة إلى المسرح الجوال ومسرح السوق- والممثل اللعب)

غورردن غريغ طالب بالفن الخالص وطرح الخصوصية المسرحية كنقيض للنص الدرامي.

  6

تطور دور المسرحة  في الفنون:

 عندما تصبح المسرحة هي الأساس أو هي الحدث.

(البرفورمنس وفن الحد الأدنى performance and minimalistes arts

في النصف الثاني من القرن من العشرين حصل انقلاب كامل في مفهوم الفن،  فقد ظهر في الستينيات شكل من أشكال تجليات المسرحة كان لها وقع مؤثر وحاسم في مجالات عديدة. وقد اثر ذلك على فن العرض كما أثر على الفنون التشكيلية وأفرزت ما سمي performing arts   performance and minimalistes arts.

 كلمة برفورمانس بالفرنسية تعني الإنجاز انتقلت إلى اللغة الإنكليزية كما هي وصارت تستخدم في مجال المسرح للدلالة على العرض مقابل النص الدرامي وغالباً ما تستخدم للدلالة على عرض من نوع معين . أما تعبير الفنون الأدائية performing arts   فهو حديث نسبياً، أطلق منذ الستينات على نوع من العروض الأدائية  الواسعة الطيف، وذلك لأن ملامح كل عرض تتحدد من خلال أسلوب استخدامه لأدواته أو مكوناته ( الجسد أو الغرض) وكذلك من خلال وضع هذه المكونات في فضاء العرض. وتعتبر هذه العروض فنونh تواصلية من الطراز الأول لأنها تقوم على وجود حدث آني  Event بين العرض ومتلقيه ويتحدد بزمن وجود المتفرج في فضاء العرض، وتسيطر فيه الصورة السمعية البصرية على العنصر الكلامي،  وفي حال استخدم الكلام فيكون عنصراً أو مؤثراً صوتياً سمعياً أكثر من كونه أداة تواصل.

البرفورمنس أقرب إلى المسرح والمسرحة فيها تشيه مسرحة العرض.

أما ما يميز فنون «الحد الأدنى» arts minimalistes، ويجعلها قريبة من فكرة المسرحة هو أن هذا التيار تخلص أو تهرب من التقاليد السائدة في الفنون، على الأخص في الرسم ، من مفهوم اللوحة التي تعتمد مبدأ المواجهة والكلية frontalite et planeite، مقابل حلول أخرى أكثر تحديد وأكثر خصوصية. أما في النحت من مبادئ وجود القاعدة والارتفاع والدينامية الفضائية الخاصة.

إن تيار الحد الأدنى يعيد النظر بالمبدأ الذي طبع هذه الفنون وهو مبدأ استحضار rendre present  الأشياء المصورة أو المجسدة ويطرح تساؤلاً حول علاقة هنا الآن التي تميز المسرح والوجود في الزمان والمكان ومن هنا فهو يعدل في الوظيفة الفنية للفن. يعدل في  أساس تصميم العمل الفني وعرضه. العمل الفني لا يجسد ما هو غائب هو مصمم لأجل ذاته، ولا يحاول تصوير الواقع أو الحقيقة وعرضه هو حدث بحد ذاته.

وهذا المبدأ الجديد ينسحب على كل الفنون وخاصة تلك التي لا تستخدم اللغة الكلامية كمادة أولية لها(5).

الفن الذي يعتمد الغرض كأساس objet et accessoire et non la chose

كان دون جود يسمي أعماله أغراضا مخصصة specific   objects  objet specifiques objets litteralistes حرفية أي موجودة وقائمة بحد ذاتها، وهذا ما يغير من مفهوم الوجود أو ما يسمى الحضور في المسرح presence  الغرض والمتفرج هما وجودان موجودان متقابلان في فضاء واحد وفي زمن واحد وهذا الحضور أو الوجود هو حضور موضوعي وليس تمثيلا أو استحضار لغائب هو ما يسمح بالمقارنة بالمسرح وبالكلام عن المسرحة.

هذا الوجود الذي هو العمل الفني (على حدود الفن إن كان رسما أو نحتا هو مسرحي بسبب موضوعيته. Objectod .

العمل  هنا لا يقدم نفسه على أنه عمل فني ولا على أنه غرض عادي أنه عمل تركيبي قائم على تركيب  الأشياء أو الأغراض وتوضيعها في فضاء ما هو فضاء العرض، قد يكون الشارع أو صالة العرض الفنية أو مصنع قديم الخ. وهذا ما يسمى تشكيل أو تركيب في الفضاء installation  . الأغراض توضع في الفضاء بطريقة تشبه الإخراج وهي تستفز فضاء الواقع لأنها داخله ولكنها غريبة عنه. وهي بذلك تخلف عن الأعمال الفنية الحداثية التي تعطي معلومة من خلال وجودها وترتيبها على الشكل الذي تكون موجودة فيه، وقد نقول أنها تقدم قراءة ما عن هذا الواقع. والحقيقة أن العمل الفني ما بعد الحداثي لا يحمل معنى مرتبطا  بالواقع، لكن وجوده يفترض أنه جزء من موقف أو وضع  يكون المتفرج جزءا منه وقد يتحدى الواقع لأنه غريب عنه مع أنه في النهاية يصبح جزءاً منه وهو  يتحدى  أو تستفز المتفرج  أيضاً كموضوع وكجسد.

في بعض العروض -مهما كانت طبيعتها -كان الغرض له قامة الإنسان لا أكبر منه ولا أصغر وكان غرضا فارغا من الداخل ليدل على هذا الخواء الداخلي في الحياة. إنه فن الحد الأقصى.  وبينما كان فن الحداثة قد استبقى على المواجهة في موضوع الرؤية بحيث كان المتفرج يقف في موقع مواجه للعمل الفني كأنه يؤكد على وجود عالمين منفصلين هما العالم الفني والعالم الواقعي وبحيث تتم قراءة الفن بناء على الواقع. قام الفن الممسرح فيما بعد بإلغاء هذه المسافة فصار المتفرج أو المتلقي جزءا من هذه التركيبة الفنتازية.  وإن كان الفن الحداثي قد حاول فقط كسر فكرة تأطير العمل الفني أي وضعه ضمن إطار محدد، لكنه استبقى على الثنائيات التي حكمته فترة طويلة من الزمن؛ مثل الموضوعي والذاتي والشكل والمضمون، وعليه فقد قام الفن بعد ذلك بنسف كل هذه الأساسيات واستبدل فكرة العرض بفكرة المدينية أي الدخول في المدينة urbanisation  وتعامل مع الفضاء كفضاء ثلاثي الأبعاد.

خاتمة

إن البحث في مفهوم المسرحة بحث طويل ومشرع، وقد يفيد اليوم أكثر إذا امتد ليطال المسرحة في ما هو  مختلف عن النماذج التي نتلكم عنها هنا، أي المسرح بشكله الغربي وفنون لعرض برمتها. لنأخذ مثلاً النصوص السردية الروائية منها وتلك التي تسمى مسرحاً (المونودراما) أو في فنون أخرى   وكلها تحمل مسرحة بشكل ما إما على النص من خلال وسائل عديدة أهمها المخاطبة والمشهد ووجود المستويات الزمنية والسردية وكلها قد تنتمي إلى عالم العرض بشكل خاص جداً.

من ناحية أخرى هناك مجالات قد لا يخطر ببالنا أن ننظر إليها من منظور مسرحي كمجال الأغنية أو الفنون الأخرى التي تتطور الآن بفعل وجود الكليب،  قد نتكلم عن الأغنية كعرض هي عرض ممسرح إنما  الأغنية كنص أيضاً يمكن أن تحمل مسرحتها من داخل لغتها وبنيتها وهذا ما يجعلها تؤثر في متلقيها بشكل أعمق  يشبه تأثير التغريب في المسرح. سأذكر هنا مثالاً واحداً هو أغاني زياد الرحباني وموسيقاه، مقارنة بموسيقى وأغنيات الرحابنة الأب (الجيل الأول)، التي بسبب  ما تحمله من تغريب بين الكلمة والموسيقى وبين ما هو متوقع وما هو مقدم للسمع تؤدي إلى مسرحة عالية هي بمثابة تغريب يخاطب العقل أكثر من الحواس.. أغنية الرحابنة ( الأب الجيل الأول) من حيث الكلام والموضوع والموسيقى وشكل الإلقاء  تنقل المتلقي إلى عالم أو فضاء آخر بعيد نسبياً عن الواقع إنه عالم الحلم- عالم سحري.

أغنية زيادة أكثر التصاقاً بالواقع وفيها مسرحة أو كسر مقصود وواع وهي تعيد المتلقي إلى أرض الواقع بكل مشاكله. وهذا واضح خاصة على المستوى اللغوي مستوى انتقاء الكلمات واللعب على الكلام عند زياد.

في النهاية  لنقل فقط أن استخدام المفهوم في مجالات أخرى غير المسرح يبقى بمثابة استعارة من المسرح أي الفن المشهدي  للتطبيق على فن آخر لا يتسم بالضرورة، على الأقل للوهلة الأولى، بالسمات المسرحية (أي وجود المكان والمشهد) لكنه يبقى فعالاً ويسمح بسبر أعماق تأثير هذا الفن وفعاليته.

الهوامش

 1 – هل يمكننا الكلام عن مسرحة في جلسة محاكمة مثلاً؟

2 – هذا ما سنحاول طرحه في نهاية البحث.

3 – انظر دراسات جان بيير فرنان حول الحضارة اليونانية.

4 – ونحن هنا عندما نتعامل مع العرض نعود للتمييز بين ما هو ادبي (أدبية) وما هو مسرحي(مسرحة).

5 – هناك  اختلاف جذري في الفنون الإسلامية وفن الزخرفة على وجه التحديد ولكن أيضاً في الفن التصويري وفي المنمنمات وغيرها.
 
   مــاري اليـــــاس كاتبة ومسرحية من سورية

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …