الحكاية في مواجهة الضجر والموت «ما الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟» ليحيى سلام

حمود سعود


تأتي مجموعة الكاتب العمُاني يحيى سلام المنذري حليب التفاح، (الانتشار العربي، بيروت، 2016) بعد أربع مجموعات قصصيّة سابقة، والمتتبع والراصد لتجربة يحيى المنذري الكتابيّة يُلاحظ أولًا إخلاصه الكامل لفن القصّة القصيرة، وثانيًا التريّث في النشر، (حيث نشر مجموعته الأولى 1993، نافذتان لذلك البحر، والمجموعة الثانية رماد اللوحة 1999 والفرق بينهما ست سنوات، ثم انتظر أربع سنوات أخرى لينشر مجموعته الثالثة بيت وحيد في الصحراء 2003، وثماني سنوات أخرى لينشر مجموعته الرابعة الطيور الزجاجية 2011). وبالرغم من أن تجربة يحيى في الكتابة تمتد لأكثر من ثلاثين سنة؛ حيث بدأ الكتابة عندما كان طالبا في جامعة السلطان قابوس في نهاية الثمانينيات، إلا أنه أصدر خمس مجموعات قصصيّة فقط حتى الآن، والمُلاحَظ في هذه التجربة الاشتغال الفنيّ والعميق على نصوصه، وكلّ مجموعة يبرز فيها النضج الفني، وتبدو تجربة جديدة ومختلفة في تقنياتها وثيماتها عن المجموعة التي تسبقها، كما أن الوعي الفنيّ والسرديّ لدى الكاتب ينمو ويتطور مع كل مجموعة جديدة.
نص الإهداء
بالرجوع لمجموعة حليب التفاح نجدها تضمّ بين دفتيها ستة عشر نصا قصصيا في 136 صفحة، إذا اعتبرْنا الإهداء نصا مكتملًا، فنص الإهداء ملتبس بالنسبة للمتلقي، هل يُمكن اعتباره نصا مكتمل الأركان، أم هي عملية تجريبيّة من القاص، ليضع إهداء مختلفا ومغايرا عن كل الإهداءات التي تُوضع في بدايات الكتب؟ ولكن بالرجوع « لنص الإهداء» نجده يتضمّن ملامح القصة من حيث وجود الشخصيات، والمكان، والزمان، والأحداث السردية، والمونولوج الداخليّ، ووجود التساؤلات عن جدوى الكتابة.
«لماذا هذه الكتابة؟ ما جدواها؟ ما قيمتها؟ ماذا سيكون رأي القرّاء؟ آلاف الكتب تُطبع يوميا، ماذا تفعل هذه الكتب أمام جبروت التكنولوجيا والإنترنت وما فيها من معلومات وبيانات؟». (ص 8)
ربما سيقول قارئ للمجموعة إن الإهداء ليس نصا، وهذا حقه في القول وفي الحكم، ويعلل ذلك، بأنه لو كان نصا مستقلا؛ لوضع القاص له عنوانا خاصا به. وربما هذا الالتباس في نص الإهداء سببه فكرة التجريب، التي حاول أن يطبقها الكاتب في هذه المجموعة. وسواء اعتبرنا الإهداء نصا مكتملا أم مجرد إهداء فقط، فإن ذلك لا يقلل من جماليته وذكاء القاص بوضع تلميحات في النص لتصل إلى المتلقي.
وبالنظر إلى قائمة عناوين نصوص المجموعة، سنجد أن أربعة نصوص عناوينها عبارة عن أسئلة، ليس هذا فقط؛ بل إن نص « هل في حقيبة الطفل فراشات؟» بأكمله، عبارة عن أسئلة. وهناك نص بعنوان الأسئلة أغلى من النفط، وهذا يشير إلى أن القاص لديه هاجس السؤال أكثر من البحث عن الإجابات، أو أنه يُلغِّم نصوصه بالكثير من الأسئلة التي تدفع المتلقي للبحث والمشاركة عن إجابات لها، والتفاعل مع جو النصوص، ولاحظنا حتى في نص الإهداء طرح تساؤلاته عن جدوى الكتابة، وفي آخر جملة في نص الإهداء ثمة سؤال يتركه القاص لقارئه: «لماذا تخليت عني … لماذا؟».
من خلال فكرة نص الإهداء، ونص الأسئلة وعناوين النصوص، أنت أمام مجموعة مختلفة ليس فقط في تجربة القاص الكتابيّة فقط، بل مختلفة ومغايرة في التجربة القصصيّة العمانيّة.

دلالات العنوان
سأحاول الولوج إلى أجواء المجموعة من خلال نص «ما الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟» ومحاولة معرفة أساليب السرد وثيمة النص. سنقترب من جو المجموعة، رغم تنوّع ثيماتها وأساليب السرد فيها، وهذا يحتاج لدراسة مطوّلة من قبل متخصصين ونقاد أكثر تخصصا في النقد.
في العتبة الأولى للنص، نلحظ أداة السؤال أولًا (ما)، ومن ثم وجود اسم شهرزاد التي تُحيل المتلقي إلى أجواء ألف ليلة وليلة في التراث العربي. ما علاقة شهرزاد بنص القاص؟ وهل هناك ترابط بين عنوان النص ومتنه؟ وهل أخذ النص من تقنيات وأجواء ألف ليلة وليلة؟ وهل سيجد المتلقي الحكاية الأخيرة في نص القاص؟ وهل إضافة كلمة «الأخيرة» في العنوان ضرورية؟ وهل يمكن لكل قاص أن يمسك بحكاية أخيرة له من حكايات شهرزاد؟
من خلال الاقتراب من أجواء النص وتحليله، سنقترب من الأسئلة السابقة؛ ليس للإجابة عنها بقدر ما نبحث عن وجودها وتقاطعاتها في النص.
كما عرفنا سابقا أن السؤال مبثوث بشكل خفيّ حينًا وبشكل مباشر أحيانا في معظم نصوص المجموعة بطريقة أو بأخرى، وأن القاص ليس لديه رغبة في البحث عن إجابات جاهزة لهذه الأسئلة بقدر رغبته في مشاركة المتلقّي هواجس الأسئلة، وكأنه يقول لنا بطريقة غير مباشرة، إن السؤال هو الأهم، وهو المركز، وهو الهاجس الأول للمعرفة والفن. فعليك أيها المتلقي أن تكون لديك أسئلتك الخاصة بك، وأمّا عن الإجابات فإنها ستأتي لاحقا مع الزمن والتجربة.
نجد في ألف ليلة وليلة أن السارد امرأة؛ وهي شهرزاد، ونجد كذلك في نص يحيى سلام المنذري أن السارد هنا كذلك امرأة؛ وهي جمانة. من أساليب السرد في ألف ليلة وليلة، نجد أسلوب توالد الحكايات من حكاية واحدة، وهذا ما نجده في نص «ما الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟ ـ ولو بشكل مصغّرـ حيث نجد حكايتين بداخل حكاية واحدة، من حيث شكل الحكاية، والسارد واحد، هي جمانة. والمستمع رجل (راشد).
« كان يحب أن يستمع إليها وهي تسرد حكايات متنوعة عن أحداث وقعت في مكان عملها، وعن قصص جيرانها وعائلتها وصديقاتها، حكايات يسودها الغموض والمتعة والفرح والحزن. وبعض هذه القصص تسردها في حلقات كما يحدث في المسلسلات التلفزيونية، ولا تخلو من مفاجآت ومتعة وتشويق». (ص22)
من خلال هذه الفقرة نكتشف العلاقة بين المرأتين والحكايتين، فإذا كانت شهرزاد تسرد حكايات الجن والعشاق والتجارب والأمراء والحروب والمدن والسفر، فإن جمانة كذلك لديها ما تسرده عن جيرانها وعائلتها وصديقاتها وهموم عملها ومشاكل الإيجار، وكذلك فإن عوالم السرد لدى المرأتين يجمعهما الغموض والفرح والمتعة والحزن، وكذلك تكشف لنا الفقرة السابقة طريقة جمانة في سرد الحكاية في نص، «ما هي الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟» من خلال حلقات تشبه المسلسلات التلفزيونية، وهذا يشبه بطريقة ما طريقة سرد الحكايات في ألف ليلة وليلة، حيث كل حكاية تُسرد في عدة ليالٍ تشبه الحلقات.
وكذلك كان هناك في ألف ليلة وليلة مستمع واحد، هو الملك شهريار. في حين كانت شهرزاد تسرد حكاياتها في الليل لينام الملك فلا يقتلها، كانت جمانة تسرد حكايتها بعد وجبة الغداء لتطرد الملل من جو البيت، ومن نفس زوجها، فهي تربط راشد وحضوره بالحكاية، علما بأن جمانة ليس لديها أطفال، وهي متزوّجة منذ عشر سنوات. المرأتان وحيدتان أمام الضجر والموت، وسلاحهما الحكاية.
ومن نقاط الالتقاء بين ألف ليلة وليلة ونص يحيى سلام المنذري؛ الزمن. حيث نجد الزمن في حكايات شهرزاد يمتد كثيرًا لسنوات طويلة، كذلك هنا في نص القاص، بالرغم من أن حدث الحكاية صغير جدا، حدث في شهرين ونصف الشهر، إلا أنه امتد لأكثر من ست سنوات، حيث استخدم القاص تقنية تقطيع الحدث، وتداخل الحكايتين، ربما سيسأل قارئ ما، كيف استطاع القاص أن يحافظ على دهشة القصة وتكثيف أحداثها وحرارة السرد خلال ست سنوات؟ وهل هناك خفوت وملل في سير الأحداث السرديّة بسبب هذا التقطيع؟
يمكن القول في هذه الجزئية، إن المنذري استخدم تقنية تداخل الحكايتين، (وليس السير بالحكايتين في خطين متوازيين) حيث يظل ذهن المتلقي متيقظا ومتلهفا، ويتابع حكايتين في اللحظة نفسها. الحكايتان مرتبطتان مكانيا (حيث إن راشد وجمانة هما جاران لأم حمدان، أي في الحيّز المكانيّ نفسه) وزمانيًّا (وقعت حادثة وفاة أم حمدان، وكانت جمانة حاضرة بحكم إنها جارة لأم حمدان، أي في نفس توقيت وقوع الحدث) رغم غياب راشد زمن وقوع حادثة الوفاة. والأهم من ذلك أن جمانة هي المتحكمة في سير الحكايتين، وأن راشد هو المحرّض بشكل غير مباشر لجمانة كي تسرد حكاية أم حمدان من خلال حوارات قصيرة مكثفة ورمزية بعض الأحيان، كـ «الطعام بلا طعم، السمكة لذيذة، وجبة اليوم شهية جدا». وكل هذه الجمل يقصد بها راشد طعم الحكاية، وإن كان المعنى الظاهري والسياق يدلان على الطعام. خيوط الحكايتين في يد ولسان جمانة، راشد كان يشّد الخيوط أحيانا لتستقيم حكاية أم حمدان.
تتميز أجواء حكايات ألف ليلة وليلة بالجو العجائبي والغرائبي. وهذا الجو الغرائبي موجود في جو نص يحيى سلام المنذري من خلال مشهدين، وإن كانت الغرائبية في النص تمتزج مع واقعيته، التي تأخذ تفاصيلها من الحياة اليوميّة.
المشهد الأول زوجة حمدان التي تقرأ أفكار وأحلام زوجها:
«فقد طلّق زوجته بسبب ادعائها قراءة أفكار زوجها، وإن ذلك يعذبها وينغص حياتها، فكلما كانت تشاهده جالسًا وحده أو نائمًا كانت تقرأ أفكاره وتشاهد خيالاته التي كان معظمها، بناء على قولها، مشاهد لفتيات جميلات يمارس معهن الحب». (ص27)
والمشهد الثاني في نهاية النص حيث أشارتْ جمانة إلى جدار الصالة، وهي تتخيل عينَيْ أم حمدان الميتة.
«ثم أشارت بيدها إلى جدار الصالة، وفاجأته جمانة بقولها: (انظر يا راشد إلى الجدار). توجهت عينا راشد ناحية الجدار، وقال: «ماذا به؟». ردّت عليه جمانة وهي خائفة: «انظر … عينا أم حمدان مفتوحتان.. ألا تراهما؟ «. ذهل راشد وأجابها : «لا طبعا». ثم قال لها: «ماذا حل بك يا جمانة؟». (ص32)
وهذه الفقرة تؤكد فكرة الغرائبية في النص، من خلال مشهد العيون التي تتخيلها جمانة في جدار الصالة، وكذلك تؤكد انغماس وتركيز جمانة في القصص التي تسردها لدرجة التخيّل. رغم أن الجدار ربما يكون حاجزا وفاصلا بين الحكايتين والزمنين، لكن القاص بذكاء منه جعل الجدار مكانا لربط الحكايتين نفسيا وتخيليا.
وحتى نختم هذا التداخل بين عنوان النص ومفردة شهرزاد والجو العجائبي، نستشهد بجملة في النص توضح ذلك:
«ابتسم راشد، وقال: «يا إلهي، حكاية خياليّة».
احتجت جمانة، وقالت بشيء من الغضب: «ليست خيالا، إنها حقيقة والجميع يتحدث عنها». (ص31)
وخلاصة القول إن القاص وُفّق في اختيار عنوان النص، وإن ذكر لفظة شهرزاد لم يكن بالصدفة، أو مجانيًّا، بل كان اختيارا موفقا ينمُّ عن ذكاء وفطنة القاص، وكأنه يقول لنا إن هناك قصة أخيرة لشهرزاد تسردها عنها جمانة.
وإن لفظة «الأخيرة» في العنوان تدل أن جمانة هي التي ستسرد هذه القصة، وعلى المتلقي أن ينصت لحكايتها. وربما يمكننا أن نقول بعد قراءة نهاية النص، إننا نحتاج إلى شهرزاد أخرى لتسرد لنا قصة جمانة، وما حدث لها بعدما رأت عينَيْ أم حمدان في جدار الصالة، وربما على قارئ النص أن يتخيل ويكمل الحكاية الأخيرة لجمانة.
وإذا كانت جمانة سردت بذكاء قصة أم حمدان، حيث افتتح القاص النص بجمل مكثفة تجعل القارئ لا يستطيع تركه: «ماتت أم حمدان وفتحت عينيها. كانت النسوة يغسِّلنها. تيقن أن قلبها صامت» (ص21)، فإن موت أم حمدان وهي الشخصية الرئيسية في الحكاية التي تسردها جمانة، سيجعل توقعات المتلقي أن قصة أم حمدان قد انتهت، ولكن هذا الموت في أول كلمة من النص سيخلق للنص عوالم كثيرة، وتبدأ حياة أخرى لنص آخر، وأن عينَيْ أم حمدان اللتين انفتحتا ستحرّضان راشد على تتبع الحكاية.
وإذا كانت عينا أم حمدان انفتحتا في أول النص، فإن عينَيْ جمانة أغمضتا في نهاية النص. «أُغمضت جمانة عينيها، فتحتهما من جديد» (ص32) وبين إغلاق أم حمدان عينيها وفتح جمانة عينيها، تتداخل الحكاية ويرسم القاص الأحداث بدقة. ولكن عندما تفتح جمانة عينيها في النهاية فإن على المتلقي أن يكمل النص في مخيلته، فالنهاية مفتوحة لكل الاحتمالات.
رسم الشخصيات
المتأمل لشخصيات النص يلاحظ أنها مرسومة بدقة، وأن كل شخصية لها دور واضح في خارطة النص، ولها عوالمها الخاصة ولغتها المختلفة عن الأخرى. راشد وجمانة، أبو حمدان وأم حمدان ومحمود. جمانة الموظفة، التي بلا أطفال، الفضولية التي تحب أن تجمع القصص، المتذمرة من العمل، راشد الموظف كذلك، الصموت، المتلهف لسماع قصص جمانة، ليست مهمته الاستماع للنص فقط، بل أيضًا المشاركة والتفاعل مع جمانة في جمع أجزاء القصة داخل النص (قصة أم حمدان) في أوقات مختلفة، رغم إنه لم يتفاعل في نهاية النص مع تخيلات جمانة عندما رأتْ عينَيْ أم حمدان في جدار الصالة، وكذلك عندما قال لها إنها قصة خيالية. عدم التفاعل لا يعني عدم تشوّقه لسماع قصة أم حمدان.
راشد قليل الكلام، ومستمع جيد، وينفر من قصص الواقع والظلم وقصص النميمة. هو مهتم وكل تركيزه في جمع أجزاء قصة أم حمدان (جارته)، هي الجزء الثاني من قصة أم حمدان التي سردتها جمانة بعد ست سنوات، كان متشوّقًا لسماع الجزء المفقود من الحكاية. ورغم أن راشد جارٌ لأبي حمدان، إلا أنه كان يجمع الحكاية من لسان زوجته، وذلك بسبب غيابه عندما حدثت قصة أم حمدان؛ حيث كان مسافرا، ولأن جمانة كانت تجمع أجزاء الحكاية.
«في العام السادس على وفاة أم حمدان، وأمام وجبة مكبوس دجاج، وبعد يوم من توزيع المكافآت على زملاء جمانة وغضبها، قالت وهي تمضغ في صحنها سلطة خضراء: «هناك مفاجأة صادمة في حكاية أم حمدان».
قال لها بتشوق: «عسى خير».
مضغت كمية من السلطة الحامضة وقالت : «اتضح أن زوجته لم تمت بسبب سقوطها عن درج البيت».
تساءل راشد بدهشة: «إذن كيف ماتت؟». (ص27/28)
لفظتان في الفقرة السابقة تدلان على أن راشد ليس فقط مستمعا للحكاية التي تسردها جمانة، بل متشوقٌ لها أيضًا، ومندهشٌ منها (بتشوق، وبدهشة) وترد ألفاظ أخرى بعد هاتين اللفظتين:
(تطلع راشد إليها غير مصدق، سألها بتوتر)، وهنا يُصعِّد القاص درجة تفاعل راشد مع الحكاية كلما تقدمتْ قليلا، (تشوق بعده دهشة، يشرب الماء، يتطلع غير مصدق، السؤال بتوتر، الصمت القصير) كل هذه الأفعال السردية والصفات كانت تصعّد من الحكاية. بعدها مباشرة تأخذ حكاية جمانة استراحة قصيرة.
توقفت الحكاية لعدة أيام، تسرد جمانة حكايات غير مكتملة، ولكن مخيّلة وشغف راشد يبحثان عن اكتمال الحكاية الأخيرة. ولذا، فإننا في بداية النص وتحديدا في الفقرة الأولى، نكتشف شغف واهتمام راشد بالحكاية «هذا ما حكته جمانة لزوجها راشد الذي غطس في الدهشة» (ص21) فراشد ليس فقط مندهشًا، ففعل «غطس» يدل على مدى انجذابه للحكاية، وانغماسه في جوّها.
إذن؛ ليس لدى راشد مهمة واحدة داخل النص، بل أكثر من مهمة، أولا هو مستمع لحكاية شهرزادِه ( جمانة)، وثانيا هو محرض كبير لها؛ كي تواصل ترميم حكاية أم حمدان، وثالثا يحاول أن يجعل تركيز جمانة منصبا في حكاية أم حمدان ومتجها إليها، لذا نراه لا يتفاعل مع قصص جمانة الأخرى حول مواضيع العمل والفساد، وكذلك حاول منعها من استخدام الهاتف أثناء تناول وجبة الغداء، لكي تركز في مهمتها السرديّة داخل النص، وهي الحكي. وكل هذه المهام التي اضطلع بها لم تكن لبناء الحكاية فقط، ولكن أيضًا ليطرد الضجر من داخله.
«حكايات جمانة بدأت تقل تدريجيا منذ ثلاث سنوات، بسبب تقنية الهواتف النقالة، وتحديدا نظام الواتس آب، فهذا النظام أصبح يلهيها عن سرد القصص، ويلهي زوجها راشد عن سماع ما يحب، وذات يوم قال لها: (الطعام بلا طعم)، وبعد ذلك اتفقا على إبعاد الهاتف النقال عند تناول الوجبات». ص22
يتضح لنا أن كل شخصية لها مهمة سردية داخل النص، وأحيانا أكثر من مهمة. فجمانة ساردة الحكاية وجامعة لها، وباحثة عنها. وهناك مهمة أكبر، وهي الربط بين الحكايتين، حكاية (جمانة وراشد) وحكاية (أم حمدان). وراشد ليس مهمته فقط الاستماع؛ بل لديه مهام ذكرناها سابقا.
أما بالانتقال إلى شخصية أخرى في الحكاية الأخرى شخصية أبي حمدان، فقد رسمها القاص بالتدرج، فكلما تقدمت جمانة في سرد الحكاية تكشّفتْ لنا ملامح أبي حمدان أكثر من خلال أوصافه الخارجية، وبعض تصرفاته تكشف عن ملامح شخصيته.
«أبو حمدان مكافح صلب كان يعمل في الشركة العالمية للحديد والإسمنت، عمل أربعين سنة، وبعد وفاة زوجته لم يقدر على العمل، وفقد شهيته للطعام، وأصابه النحول والوهن». (ص27)
كانت وظيفة أبي حمدان داخل الحكاية الأخرى (ويمكن أن نطلق عليها الحكاية المركزية، رغم قصر أحداثها) محدودة، وتكاد تكون محصورة في عدة أفعال، (نقل زوجته إلى المستشفى، إخراجها من المستشفى بعد أسبوعين، وبعدها حملها إلى أحد بيوت الطب الشعبي، ثم العودة بها للمستشفى الذي ماتت فيه بعد يومين، ودفنها). رغم قلة المهام التي قام بها أبو حمدان داخل الحكاية المركزية، إلا أنها كانت ضرورية جدا للدفع بأحداث الحكاية، هذا أولا. وثانيا وهذا الأهم كشفت لنا جزءًا مهمًّا من شخصية أبي حمدان؛ فهذا الرجل أخرج زوجته من العناية المركزة، وحملها إلى بيت الطب الشعبي، لتتدهور حالتها الصحية وتموت. ومن ضمن الأفعال التي ارتكبها أبو حمدان، وتكشف لنا، كيف ينظر للأشياء، إخفاؤه السبب الحقيقي لوفاة زوجته، وذلك خوفا على ولده محمود.
أما أم حمدان، الشخصية الميتة في النص، فربما يتساءل المتلقي: بما أنها ميتة، فهل هي ضرورية؟ الإجابة: نعم هي ضرورية جدا، فوجودها كان فعّالًا في الحكاية المركزية ومحركًا لأحداثها ومصعّدا لها، مع زوجها أبي حمدان، ولولا أم حمدان لم تجد جمانة المادة الخام للحكي لراشد، خلال ست سنوات. فموت أم حمدان فجّر الحكايتين وربطهما معا.
حتى شخصية محمود ابن أم حمدان، رغم أنه شخصية ثانوية في الحكاية المركزية، إلا أن ما فعله خلال مشهدين في النص يُعتبر من الأفعال المهمة جدا، ورغم أنه لم ينطق بأي كلمة داخل النص، إلا أن جمانة استطاعت أن تنقل لنا الحدثين، وكأنها كاميرا سينمائية، من خلال دقة الوصف. والفعل الذي ارتكبه محمود يُعتبر العمود الفقري للحكاية المركزية، فمحمود تسبب بطريقة غير متعمّدة في موت أمه.
ظلال الواقع في النص
هل على الأدب أن يعالج مشاكل الواقع؟ هل عليه أن ينغمس كليا في المشاكل اليومية للإنسان، ويبحث عن الحلول والأسباب؟ أم على الأدب أن يلمح بشكل رمزي وسريع لهذه المشاكل، وأن يقرع أجراس الخطر؟ أم أن الأدب عليه أن يبتعد كليا عن الواقع المَعيش؟ ولو اقترب الأدب من الواقع وهمومه، فكيف يكون هذا الاقتراب؟
من خلال هذه الأسئلة سنقترب من كيفية تناول القاص لقضايا الواقع في نصه. والطريقة التي ظهرت في النص. وهل كانت هذه القضايا متناسقة مع سيرورة السرد، أم ظهرت بشكل غير مقنع، كأنها مقحمة على النص؟.
عند الرجوع للنص نجد أن القاص طرح بعض هموم الواقع المَعيش بشكل رمزي وبلمحات، دون أن يتوسع في ذلك، لكيلا يقطع خيوط السرد وينحرف عن انسيابية النص ودهشته، وترك مهمة التقاط هذه القضايا على المتلقي الفطِن، لكي يدركها. مثلا حين ذكر حادثة إخراج أم حمدان من المستشفى (من العناية المركزة) والذهاب بها إلى أحد بيوت الطب الشعبي، مما أدى في النهاية لتدهور حالتها ووفاتها، فهذه الحادثة تكشف لنا مستوى التفكير لدى طبقة من المجتمع التي لا تؤمن بالطب الحديث. في هذه الحادثة لم يقع القاص في فخ المباشرة والخطابية، ولم يقل إن أم حمدان ماتت بسبب الطب الشعبي، ولكن الأسلوب الفني وتصاعد الأحداث وترابطها يدلان المتلقي على السبب والنتيجة.
وهناك الكثير من القضايا التي تهم الواقع طرحت في النص، وجميعها طرحت، بطريقة فنية رمزية ولم تقع في فخ الوعظية، كقضية الإيجارات، والمحسوبية في العمل، والديون، والفقر، وغياب العدالة. كل هذه القضايا ظهرت بلمحات وبطريقة غير مقحمة بل متناسقة مع انسيابية النص.
وفي النهاية يمكننا القول إن نص ما الحكاية الأخيرة لشهرزاد؟ بُني بإحكام من خلال البناء الفني المتقن، ومن خلال تداخل الحكايتين، وإن شخصيات النص كانت واعية بدورها، حتى الحوارات المقتضبة كانت مكثفة وعميقة وتؤدي دورها دون إسهاب أو ترف لغوي.

شاهد أيضاً

«جليلة» لحمود الشايجي – نحن آتون من الماضي وللمستقبل احتمالات من صنع أيدينا

الاستمتاع بالسرد شرطٌ قائمٌ بصورةٍ ضمنيّةٍ بين القارئ والكاتب؛ فإنْ تعرّف القارئ على شفرة النصّ …